· هناك حاجة ملحة لظهور طبقة سياسية جديدة في إسرائيل وفلسطين
· الديموغرافيا وتآكل معنويات المجتمع·· أخطر على إسرائيل من "حماس"
بقلم: طوني جوديت *
عملية السلام في الشرق الأوسط انتهت، وهي لم تمت بصورة طبيعية بل قتلت قتلا، فقد تم إضعاف رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس وينتظر خلفه أحمد قريع المصير ذاته، وتواصل إسرائيل خداع حماتها الأمريكيين، وبناء المستوطنات غير الشرعية في عملية تجاهل ساخرة من مشروع "خارطة الطريق"، وتحول الرئيس الأمريكي الى مجرد دمية ويردد بيانات الحكومة الإسرائيلية بأن "عرفات هو المسؤول عن كل الكواردث"، وأصبح الإسرائيليون يمارسون لعبة انتظار التفجير التالي، وانحشر الفلسطينيون في بانتونات صغيرة ويعتاشون على مساعدات الاتحاد الأوروبي، فما العمل؟
منذ فجر القرن العشرين، وفي ظل أوج الامبراطوريات القارية، كانت شعوب أوروبا تحلم بتشكيل "الدول القومية" على شكل أوطان إقليمية يتمكن من خلالها البولنديون والصرب والأرمن وغيرهم من القوميات من العيش بحرية ويملكون مصيرهم بأيديهم·
وحين انهارت امبراطوريتا هابسبيرغ Habsburg ورمانوف Romanev إثر الحرب العالمية الأولى، انتهز زعماء هذه القوميات الفرصة·
وبرزت مجموعة من الدول الجديدة الى حيز الوجود وكان أول شيء فعلته تلك الدول هو البدء بمنح الامتيازات للأغلبية "الاثنية" - بناء على اللغة أو الدين أو الأقدمية أو الثلاث معا - على حساب الأقليات المحلية الأخرى التي أصبح أفرادها يلقون معاملة المواطنين من الدرجة الثانية·
ولكن إحدى الحركات القومية وهي الصهيونية أحبطت طموحاتها، فحلم إقامة وطن قومي لليهود في وسط الامبراطورية التركية المفككة كان عليه أن ينتظر حتى انسحاب الامبراطورية البريطانية، وهي العملية التي استغرقت ثلاثة عقود أخرى وحربا عالمية·
وعليه، فقد أنشئت الدولة العبرية عام 1948 على أرض فلسطين التي كانت تتبع الامبراطورية العثمانية·
مفارقة تاريخية
ولكن مؤسسي هذه الدولة تأثروا بالمفاهيم والتصنيفات ذاتها التي كانت رائجة في وارسو أو الاوريسة أو بوخارست، ولذلك، فليس من العجب أن تكون هناك أشياء مشتركة بين وصف إسرائيل لذاتها كدولة إثنية - دينية وممارستها التمييز ضد "الأجانب" المحليين وبين ممارسات رومانيا في ما بعد معاهدة فرساي، أكثر مما يقر به أي من الإسرائيليين أو الرومانيين·
فالمشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست كما يشار أحيانا، كونها "جيبا" أوروبيا في العالم العربي، بل في كونها أقيمت بعد فوات الأوان لقد عملت على استيراد مشروع انفصالي يعود الى القرن التاسع عشر الى عالم تغير نحو ضمان حقوق الفرد والحدود المفتوحة والقانون الدولي، أما فكرة "الدولة اليهودية" - دولة يكون فيها لليهود والدين اليهودي امتيازات حصرية يحرم منها المواطنون غير اليهود الى الأبد - فهي تعود الى زمن غير زماننا ومكان غير فلسطين، فإسرائيل - باختصار - تمثل مفارقة تاريخية·
ومع ذلك، فإن إسرائيل تختلف تماما عن الدول الصغيرة وغير الآمنة التي ولدت من رحم الانهيار الامبريالي في كونها دولة ديمقراطية، وهذه ميزة حيوية تصب في صالحها، ومن هنا يأتي المأزق، إذ بسبب احتلالها للأراضي التي استولت عليها في حرب عام 67، تواجه إسرائيل اليوم ثلاثة خيارات كلها غير مرغوب فيها، فبوسعها تفكيك المستوطنات في المناطق المحتلة والعودة الى حدود ما قبل 67، حيث يشكل اليهود أغلبية واضحة، وبالتالي تظل دولة يهودية وديمقراطية، بالرغم من وجود أقلية عربية يعامل أبناؤها كمواطنين من الدرجة الثانية·
وبإمكان إسرائيل مواصلة احتلالها لـ "يهودا" و"السامرة" وغزة، وهي المناطق التي سيصبح سكانها - إضافة الى عرب 48 - أغلبية في فلسطين التاريخية خلال 8-5 سنوات فقط، وفي هذه الحالة سيتعين على إسرائيل أن تختار بين أن تكون دولة يهودية أو أن تكون ديمقراطية، بحيث لا يمكنها - منطقيا - أن تكون يهودية وديمقراطية في آن·
تطهير عرقي
أما الخيار الثالث، فهو أن تحتفظ إسرائيل بسيطرتها على المناطق المحتلة مع التخلص من الغالبية العظمى من السكان العرب إما بالطرد القسري لهم أو بتجريدهم من الأرض ومصدر الرزق، بحيث لا يعود أمامهم من خيار سوى التوجه الى المنفى، بهذه الطريقة يمكن لإسرائيل أن تظل دولة يهودية وديمقراطية - من الناحية الرسمية على الأقل - ولكن الثمن هو أنها سوف تصبح الدولة الديمقراطية الحديثة الأولى التي تقوم بعملية تطهير عرقي على نطاق واسع كمشروع تتبناه الدولة، وهو الأمر الذي سيضع الدولة العبرية - في نظر العالم - في مصاف الدول الخارجة على القانون·
وما يخشاه الإسرائيليون العقلاء أكثر من "حماس" هو البروز المضطرد للأغلبية العربية داخل "إسرائيل الكبرى"، وفوق كل ذلك، تآكل الثقافة السياسية والروح المعنوية المدنية لمجتمعهم·
وما لم يتغير شيء ما، فإن إسرائيل سوف تصبح خلال سنوات عدة غير يهودية وغير ديمقراطية·
لقد ظل الليبراليون الإسرائيليون والمعتدلون الفلسطينيون ينادون - دون أن يستمع إليهم أحد - بأن الأمل الوحيد يكمن في إقدام إسرائيل على تفكيك جميع المستوطنات تقريبا والعودة الى حدود عام 67 مقابل اعتراف عربي حقيقي بهذه الحدود وبقيام دولة فلسطينية مستقرة خالية من الإرهاب وتحت ضمانات أوروبية ودولية، فهذا لا يزال يشكل إجماعا تقليديا وحلا كان - ذات يوم - عادلا وممكن التحقيق·
ولكنني أعتقد أن هذا الحل قد تجاوزه الزمن، فهناك عدد كبير جدا من المستوطنات، وعدد كبير جدا من المستوطنين اليهود ومن الفلسطينيين، وكلهم يعيشون معا، على الرغم من الأسلاك الشائكة والطرق الالتفافية التي تفصلهم عن بعض، وبصرف النظر عما تنص عليه خطة "خارطة الطريق"، فإن الخارطة الحقيقية هي التي يجري رسمها على الأرض وهي التي تعكس الحقائق، كما يقول الإسرائيليون·
تبريرات مشينة
فربما يغادر أكثر من ربع مليون مستوطن يهودي مدججين بالسلاح الثقيل ويتلقون إعانات حكومية كبيرة، فلسطين العربية طواعية، ولكن أحدا لا يؤمن بأن ذلك سوف يحدث، فالكثير من هولاء المستوطنين سيُقتلون "أويقتلون" بدلا من الرحيل، لقد حان الوقت كي نفكر في ما يحظر التفكير فيه، فالحل القائم على دولتين والذي يمثل لب عملية أوسلو و"خارطة الطريق" الآن، ربما مات، فمع كل عام يمر نعمل على تأجيل اتخاذ الخيار الصعب والحتمي والذي لا يقربه حتى الآن سوى تياري أقصى اليمين وأقصى اليسار في إسرائيل، وكل لأسبابه الخاصة·
فالخيار الصحيح الذي يواجه الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة هو بين "إسرائيل الكبرى" التي تتخلص من الفلسطينيين في إطار عملية كبرى للتطهير العرقي وبين دولة ثنائية القومية يندمج فيها الإسرائيليون والفلسطينيون معا، وفي الواقع، هكذا ينظر المتطرفون في حكومة شارون الى الوضع، ولهذا السبب ينظرون الى التخلص من الفلسطينيين باعتباره شرطا أساسيا لبقاء دولة إسرائيل·
ولكن ماذا إذا لم يكن في العالم اليوم مكان لـ "دولة يهودية"؟ وماذا إذا تحول خيار الدولة الواحدة ثنائية القومية من مجرد احتمال الى نتيجة مرغوب فيها حقا؟ فهذه ليست فكرة شاذة أو غريبة، فمعظم قراء هذه المقالة يعيشون في دول تقوم على التعددية وأصبحت دولا متعددة الإثنيات والثقافات·
واقتراح الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان إضافة عبارة "أوروبا المسيحية" الى دستور الاتحاد ليس إلا اقتراحا ميتا، فالحضارة الغربية اليوم تمثل خليطا مثيرا للإعجاب من الألوان واللغات والأديان·
وإسرائيل نفسها هي مجتمع متعدد الثقافات في كل شيء ما عدا الاسم، ومع ذلك يظل لها تميزها بين الدول الديمقراطية في لجوئها لتعريف ذاتها وفقا لمعايير إثنية - دينية، إنها تشكل حالة شاذة بين الدول الحديثة، ليس لكونها دولة يهودية ولا أحد يريد أن تكون لليهود دولتهم - كما يفترض البعض - ولكن لأنها دولة يهودية تفرض مجموعة واحدة "اليهود" فيها سيطرتها على الآخرين في عصر لا مكان فيه لهذا النوع من الدول·
لقد ظل لدولة إسرائيل - طوال سنوات - معنى خاصا في أذهان الشعب اليهودي، فبعد عام 1948، استوعبت مئات الآلاف من الناجين من النازية ممن لم يجدوا مكانا يلجؤون إليه، ولولا إسرائيل لكان حال هؤلاء بائسا حقا، لقد كانت إسرائيل بحاجة الى اليهود وكان اليهود بحاجة إليها، وبالتالي، فإن ظروف قيام الدولة اليهودية جعلها تتخذ هوية مرتبطة - بشكل لا مناص منه - بالمشروع النازي لاجتثاث الوجود اليهودي من أوروبا، ونتيجة لذلك، فإن كل انتقاد لإسرائيل يجري التعامل معه على أساس ذلك المشروع، وهو الأمر الذي استغله بعض التبريريين الأمريكيين للممارسات الإسرائيلية، بصورة مشينة، فالحديث عن أخطاء ترتكبها الدولة العبرية يعني أنك تضمر الشر لليهود، بل إن مجرد تخيل حلول بديلة لمشكلة الشرق الأوسط أصبح يمثل نظيرا أخلاقيا للمحرقة!
بوليصة تأمين
في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية كان الملايين من اليهود الذين لا يعيشون فيها، يشعرون بالطمأنينة لمجرد وجود هذه الدولة، سواء كانوا يفكرون فيها كبوليصة تأمين ضد انبعاث المشاعر المعادية للسامية أو لكونها تذكرة للعالم بأن اليهود بوسعهم، وسوف يثأرون لما حل بهم، وقبل ذلك، كانت التجمعات اليهودية في المجتمعات المسيحية تتوارى عن الإفصاح عن هويتها وتفضل البقاء في الظل، ولكن بعد قيام الدولة اليهودية عام 48، أصبح بوسعهم أن يسيروا في الشوارع برؤوس مرفوعة، ولكن الوضع تغير بصورة مأساوية خلال السنوات الأخيرة·
لقد أصبح اليهود من غير الإسرائيليين يشعرون اليوم - مرة أخرى - أنهم عرضة للانتقادات والهجمات بسبب أشياء لم يرتكبوها، ولكن هذه المرة، فإن دولة يهودية وليست مسيحية، هي التي تأخذهم رهائن لأفعالها، ولا يمكن ليهود الشتات التأثير في سياسات الدولة العبرية، ولكن هذه السياسات تنعكس عليهم لأسباب كثيرة ليس أقلها إصرار إسرائيل على أن هؤلاء اليهود موالون للدولة، فسلوكيات دولة تطلق على نفسها أنها يهودية، تلقي بظلالها على نظرة الآخرين لليهود، فالهجمات المتزايدة على اليهود في أوروبا وأماكن أخرى من العالم تعزى بالدرجة الأولى، الى التعبير ذي التوجه الخطأ، عن السخط للسياسات الإسرائيلية، ولكن الحقيقة المثيرة لخيبة الأمل هي أن السلوك الإسرائيلي الراهن لا يعتبر سيئا في نظر أمريكا، على الرغم من أنه سيئ بالتأكيد، وهو ليس سيئ لإسرائيل وحدها، كما يعترف بذلك الكثير من الإسرائيليين ولكنهم يلتزمون الصمت، فالحقيقة المثيرة للإحباط هي أن إسرائيل اليوم، تسيء الى اليهود أيضا·
ما بين الطوباوية والواقعية
ففي عالم تتداخل وتتفاعل فيه الدول والشعوب بإرادة حرة، عالم انهارت فيه كل العقبات الثقافية والقومية التي تعوق الاتصال، عالم يمتلك فيه الكثيرون منا الكثير من الهويات من اختياره ونشعر بقيود زائفة إذا تعين علينا أن نستجيب لإحداها فقط، في مثل هذا العالم، تمثل إسرائيل مفارقة تاريخية بالفعل، وهي ليست مجرد مفارقة كما هي الحال بالنسبة إلى سويسرا، بل مفارقة تاريخية تنطوي على خلل وظيفي أيضا، ففي عالم "صدام الحضارات" بين الديمقراطيات التعددية المنفتحة والدول غير ذات التسامح والقائمة على الدين والإثنية، فإن إسرائيل تجازف بالوقوع بالمعسكر الخطأ·
ولكن تحويل إسرائيل الى دولة ثنائية القومية لن يكون بالأمر السهل، وإن كان ليس مستحيلا كما قد يبدو للوهلة الأولى، لقد بدأت هذه العملية في الأمر الواقع، ولكنها ستسبب إرباكا لمعظم اليهود والعرب، أقل بكثير مما يزعمه خصوم هذه الفكرة من المتشددين المتدينين والقوميين· وعلى أي حال، ليس لدى أحد فكرة أفضل، وكل من يعتقد حقا أن هذا الجدار المصفح والمثير للجدل الذي يجري بناؤه الآن، سوف يحل المشكلة، فإنه يتناسى أحداث الخمسين عاما الماضية، وربما كان تنفيذ فكرة الدولة ثنائية القومية في الشرق الأوسط، بحاجة الى سنوات من الدعم الدولي وانخراط شجاع ولا يلين من قبل قيادة الولايات المتحدة·
كما يحتاج الى ظهور طبقة سياسية جديدة بين اليهود والعرب على حد سواء·
صحيح أن هذه الفكرة تمثل مزيجا غير واعد من الواقعية والطوباوية، ولا يشكل هذا المزيج بداية مبشرة بالنجاح، ولكن كل الخيارات البديلة، أسوأ منه بكثير·
ü رئيس معهد ريماركي Remarque
في جامعة نيويورك ومؤلف الكثير من الكتب أهمها:
1 - Acclaimed histories of Intellectuals& the Cold War.
2 - Post - 1945 Europe.
" عن صحيفة صنداي تايمز البريطانية "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com