رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13 رمضان 1424هـ - 8 نوفمبر2003
العدد 1602

"لنصنع البدائل ولنلقِ بالأوبك في مزبلة التاريخ"
نهاية عصر النفط على الأبواب

·         أمريكا استوردت نفطا بقيمة 7 تريليونات دولار خلال 30 عاما

·         اليماني: العصر الحجري لم ينته بسبب نفاد الحجارة من الكرة الأرضية

·         تطوير بدائل عن النفط يغنينا عن خوض حرب جديدة من أجل الطاقة!

 

"لم ينته العصر الحجري بسبب نفاد الحجارة، وسوف ينتهي عصر النفط قبل وقت طويل من نفاد النفط من العالم"، هذا التنبؤ المثير يسمع بشكل متكرر في دوائر الطاقة العالمية هذه الأيام، ولو كانت مجموعات "الخضر" هي الوحيدة التي تعبر عن مثل هذه الأفكار، فربما أمكن التقليل من شأنها باعتبارها - طوباوية - ولكن صاحب هذه المقولة هو أحمد زكي اليماني وزير النفط السعودي الأسبق·

وكلمات اليماني حافلة بالمفارقة، فقد عرفه العالم للمرة الأولى في أثناء الحظر النفطي الذي فرضته الدول العربية ضد الولايات المتحدة قبل ثلاثة عقود والذي أدت تأثيراته الى تغيير مسار التاريخ الاقتصادي والسياسي الحديث، ويفترض المرء - بالنظر الى مصدره - أن هذا التنبؤ أبعد ما يكون عن التفكير الحالم·

 

مخاوف سعودية

فبعد جيل كامل من ذلك الحظر النفطي، تبدو الحقائق واضحة، فالعالم لا يزال مدمنا على نفط الشرق الأوسط، فلماذا إذن، يتوقع الشيخ اليماني نهاية عصر النفط؟ لأنه يعتقد أن شيئا جوهريا قد تغير منذ الصدمة النفطية الأولى، ومن دواعي الحزن لبعض الدول كالمملكة العربية السعودية· إنه محق في ما ذهب إليه، فقد بدأ التقدم التكنولوجي يعرض سبلا على الاقتصادات العالمية، ولاسيما اقتصادات العالم المتطورة لتنويع إمداداتهم من الطاقة وتقليص الطلب على النفط، وبالتالي، تخفيف قبضة النفط والدول المنتجة له·

فلم تعد خلايا وقود الهيدروجين والطرق الأخرى لتخزين وتوزيع الطاقة، حلما بعيدا، بل حقيقة منظورة· إن التحول الى هذه الطرق الجديدة لن يكون سهلا أو رخيصا، لاسيما من حيث النقل، ولكن انتهاج سياسة صحيحة، يمكن أن يجعلها ممكنة ومجدية من الناحية الاقتصادية، ولسوء الحظ، فإن الكثير من الدول الغنية - وعلى رأسها الولايات المتحدة، كبرى دول العالم استهلاكا للنفط - تحجم عن تبني الإجراءات التي من شأنها تقريب اليوم الذي تتحقق فيه أسوأ مخاوف السعوديين·

وإذا كان علاج إدمان الغرب على النفط مكلفا، فهل يستحق المحاولة حقا؟ فالإدمان النفطي باهظ الثمن بحد ذاته، أولا، لأن هناك مخاطر سياسية للاعتماد على منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، فالنفط يفرض شبه احتكار على النقل في العالم، فإذا انقطعت الإمدادات ولو لأيام عدة، فإن الاقتصادات الحديثة سوف تتوقف، كما اكتشفت بريطانيا عند إضراب عمال النفط قبل عامين، وعلى الرغم مما يبدو أنه استثمارات ضخمة في حقول نفطية جديدة في روسيا وأماكن أخرى، فإن حصة المملكة العربية السعودية من سوق النفط العالمية ستتنامى على مدى العقدين المقبلين لأنها تمتلك احتياطات هائلة من النفط رخيص الإنتاج، فقد منحت الجيولوجيا ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط للمملكة وأربع دول مجاورة لها، وبسبب هذا التركيز المتواصل لإمدادات النفط، فإن مخاطر انقطاع إمدادات النفط ستظل تشكل خطرا على الاقتصاد العالمي·

 

بديل قابل للحياة

 

وهذا يشير الى كلفة من نوع آخر، فوفقا لإحدى التقديرات الحكومية الأمريكية، تمكنت "أوبك" من نقل مبلغ 7 تريليونات دولار من الثروة من المستهلكين الأمريكيين الى الدول المنتجة للنفط على مدى العقود الثلاثة الماضية من خلال الإبقاء على أسعار النفط مرتفعة، وهذا التقدير لا يشمل كل أشكال المعونات المقدمة للصناعات النفطية والتي تتراوح ما بين الوصول الرخيص للنفط على الأراضي الحكومية الى استمرار التواجد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط·

أما الكلفة الأخرى غير المتطورة للنفط فهي الأضرار التي يحدثها على البيئة وصحة الإنسان، فقطاع النقل هو المصدر الرئيسي لانبعاث الغازات الضارة على مستوى العالم، والحل الوحيد طويل المدى لهذه المجموعة المتصلة من المشكلات يتمثل في تقليص الاعتماد العالمي على النفط·

لقد كان إنجاز هذا الهدف يبدو بعيد المنال، ذات يوم، ولكنه لم يعد كذلك الآن، فقد أصبحت خلايا وقود الهيدروجين أخيرا، بديلا قابلا للحياة، فالهيدروجين - كالكهرباء - يمكن الحصول عليه من مصادر متعددة، كالفحم والغاز الطبيعي والمواد القابلة للتجديد وحتى الطاقة النووية، فقد أصبح لدى كل الشركات الكبرى الصانعة للسيارات برنامجا لخلايا الوقود، وكل شركات النفط الكبرى تقوم بأبحاث حول كيفية توفير الهيدروجين كوقود للسيارات الجديدة·

 

حرب من أجل الطاقة

والبديل الآخر للنفط والذي سيكون في متناول اليد خلال بضعة سنوات هو "البيوثانول" Biothanol، فالكثير من السيارات (القليل منها في الولايات المتحدة) تسير الآن على مزيج من النفط والإيثانول ETHANOL، والمشكلة هنا هي التكلفة المرتفعة، ويحتاج الـ ETHANOL الى الكثير من النفط الآن، ولكن هذا الأمر قد يتغير إذا ما تم استحداث إنزيمات جديدة تجعل من الممكن إنتاج الإيثانول من مصادر نباتية، وحينها ستكون العقبة الوحيدة هي مدى توفر المواد النباتية·

ولن تحدث مثل هذه التغييرات بين عشية وضحاها، وقد تستغرق عقدا أو عقدين من الزمن قبل أن يصبح لإحدى هاتين الوسيلتين أو كلتيهما دور مهم في اقتصاد النفط·

ومع ذلك، فإنهما يمثلان التحدي الجدي الأول للنفط خلال قرن كامل، وإذا تم تصنيع الهيدروجين من طاقة قابلة للتجديد، فلن تطلق السيارات ومنشآت الطاقة في المستقبل أي ملوثات أو غازات الحرارة، ولأن البيوثانول يصنع من النباتات، فإنه ىسحب" الكربون من البيئة، ولذلك لن يؤدي الى زيادة التسخين الحراري، ولأن الهيدروجين يمكن تصنيعه وتوزيعه جغرافيا، من قبل أي منتج وفي أي مكان من العالم، فإنه لن يكون بإمكان أي تكتل كالأوبك أو غيرها، التلاعب بالإمدادات أو الأسعار، ولن تكون ثمة حاجة لخوض حرب أخرى من أجل الطاقة·

عار!

الصورة تبدو واعدة، فما السبيل الأمثل لتسريع مثل هذه المشروعات؟ لسوء الحظ، أنه ليس من خلال النهج الراهن لإدارة بوش والكونغرس الذي دخل أخيرا في مماحكات طويلة حول مشروع قانون جديد للطاقة، فمازال قادة الولايات المتحدة يشغلون أنفسهم تحديدا بزيادة إمدادات النفط بدلا من الحد من الطلب عليه وزيادة الإمدادات البديلة، لقد لقيت التكنولوجيات الجديدة بعض التشجيع ولكن تأثيرها سيظل محدودا فالمزيد من المساعدات للبحوث ليس من المحتمل أن تطلق الاختراع في صناعات تستثمر مئات المليارات من الدولارات في الصناعات النفطية، وربما كان السبيل الأفضل لكبح الطلب على النفط وتشجيع اختراع بدائل له هو في الإعلان صراحة لأسواق الطاقة العالمية أن "العوامل الخارجية" للاستهلاك كالاعتبارات الأمنية وقضايا البيئة، سوف تؤخذ بالحسبان في السياسة المتبعة من الآن فصاعدا، ومن الأفضل فرض ضريبة تصاعدية على استهلاك البنزين مثلا·

ومن خلال فرض ضريبة قليلة لكنها متصاعدة باضطراد على النفط، فإن الحكومة الأمريكية تقوم بخطوة على طريق تشجيع الاختراع وتحسين الأمن النفطي، تفوق في أهميتها كل عمليات التنقيب عن النفط في أدغال ألاسكا·

ومن المهم جدا على هذا الصعيد، أن لا تشكل هذه الخطوة زيادة في إجمالي الضرائب التي يدفعها المواطن الأمريكي، بل على الحكومة استخدام عائدات ضريبة البنزين لتمويل برامج خفض ضرائب في مجالات أخرى، فهذا الإجراء من شأنه التخفيف من مخاوف المتشككين في مثل هذه السياسة·

ولكن إذا كان للمرء أن يحكم من خلال الجدل الدائر في واشنطن، فإن تحرك الإدارة بهذا الاتجاه لا يزال بعيدا·

وهذا عار على إدارة بوش، ومع ذلك، فإن وتيرة الاختراعات للبدائل عن النفط تعني أن زملاء اليماني السابقين في "كارتل" النفط العالمي قد يتمتعون بما يكفي من الحكمة لاستثمار أموالهم في مشاريع بدائل النفط، ففي يوم ما ستلقي تكنولوجيات الطاقة الجديدة بـ "كارتل أوبك" في مزبلة التاريخ، ولكن ذلك لن يحدث في الأمد القريب·

 

" عن الأيكونوميست

 

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

هجمات 11 سبتمبر
هل أطلقت صراع الحضارات؟
الحلقة السادسة 6