رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13 رمضان 1424هـ - 8 نوفمبر2003
العدد 1602

وتــد

الوليمة الأخيرة··

نشمي مهنا

كملاك خجول، جلس الى طاولته المستطيلة، بعد أن غطى أخشابها العتيقة برداء أحمر قان، ورتب كؤوسه، وأشعل شموعه الخافتة، واستند على حافة كرسي "رب العائلة" تاركا أفكاره للذهول·· بانتظار ضيوفه·

أبعد غماماته، حينما سمع صخبهم في الممر، ها هم يتوافدون لوليمته الأخيرة: سيف الرحبي وعباس بيضون وعقل العويط ويحيى جابر وحلمي سالم وعبدالمنعم رمضان وسعدية مفرح وعبده وازن وحسن طلب·

بهدوء، كان يراقبهم، أويحصيهم، ما زال هناك كرسي شاغر، لصديق لم يتعود الغياب، أو الغياب بلا اعتذار·

كانوا يعرفون سر الدعوة، وشجونها وأحزانها التي أقلقته، وأفرحتهم كثيرا، عندما وصلهم خبر استقالته من مؤسسته الصحافية، دعاهم للتداول في الخبر الذي جر وراءه حزنا قاتما، وجاؤوا للاحتفال بحريته·

لم ينتظر يحيى جابر طويلا، عبارات الترحيب من المضيف، والتي أصلا لا يحسنها: سنخيب ظنك يا أنسي، فلا شيء يدعونا للامتثال لهذا الصمت الجنائزي·· جئنا للتهئنة·

أنسي:······

حلمي سالم:·· والتهنئة لهذا الطلاق البائن·

أنسي:······

الرحبي: خرجتَ من "مقبرة الأدباء" أعني الصحافة، أما "نهارك" فهي الوطن الصغير، المليء بالأحلام المدفونة، لكنك عمرت فيه طويلا، وآن لك أن تقودنا الى خارج أسوار المقبرة، (يضحك)·

أنسي:······

بيضون: أقدر لك الـ "لن" الأولى، أما الثانية فقد تأخرت بها سبعا وأربعين خريفا ،لكن ما يهم·· كسبناك حرا، كنت وستبقى·

أنسي:······

عبدالمنعم رمضان "الراجل اللي مش طايق نفسو"، لم تعجبه هذه المدائح: استقالتك يا أنسي بسبب موقفك من الحرب··· "كويس"، ولم تكن خالصة لوجه الشعر··· ماذا تريد منا ونحن لسنا من أهل "البيانات"!

عناية جابر أرادت أن تخفف من وقع كلمات رمضان، وأن تغني أحزان الوليمة الأخيرة: لكنه موقف·· وجميعنا مع الحاج الشاعر·

أنسي:·····

حسن طلب: كأنك قبل أن ندخل عليك كنت تعدد خسائرك؟!

أنسي:·····

يدخل من بعيد قاسم حداد، متوجها الى الكرسي الشاغر على يسار سيف الرحبي، لكنه وسط تهليلاتهم، يفاجئهم بمد يديه الضوئيتين الى الكرسي، ليعيده الى حافة الطاولة، معتذرا بكلمات مهذبة ومن أنه لم يتكبد قطع مسافات الروح، إلا لتقديم الاعتذار·

تلتفت سعدية: دعوه يعود الى "مملكته"، هو ليس منا، يداه نظيفتان خاليتان من حبر المطابع·

جميعهم يعرفون أنهم في ورطة، يسوفون دائما الخروج منها ويؤجلون القفز على أسوارها، وتنسيهم الآلة اليومية "تفاعيل" أحلامهم، أو لملمة آمالهم المنثورة، ويعلمون أنهم ليسوا برشاقة هذا المعتذر، الذي سماه أحدهم "صقر يضرب فريسته الكتابية بشوق خاطف·· ويعود الى دريئته هادئا، منعما بجهاته··"·

أنسي:······

وازن يعرف الإجابة، لكنه يسأل ليتأكد: جميعنا نحبك ونحب "النهار" وآل تويني، وبين الحبين تلتبس علينا العبارتان "حرب تحرير العراق" و"الحرب على العراق"، ألم تجدوا طيلة "عشرتكم" شيئا آخر غير الموال العراقي الحزين، يوجب هذا الطلاق؟

أنسي:·····

يحيى جابر، يسرح، يخطر في باله صوت شيخه أن "غير مجد صوت الباكي ولا المترنم الفرح"، فينسل، معتذرا بإيماءة خفيفة، قبل أن يفتح أنسي الحاج كتابه، ليقرأ منه:

سحقا للشعراء!

لولا ضجري منهم

لما كتبتُ الشعر

ولو لم أكتب الشعر

لكنتُ بقيت

كما كنتُ في مطلع العمر

مجموعة أشعار غامضة

لا أسمح بالاقتراب منها

إلا لمن يُعطيني كل شيء···

nashmi@taleea.com

طباعة  

قراءة
 
شعر
 
إصدارات
 
المرصد الثقافي