رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13 رمضان 1424هـ - 8 نوفمبر2003
العدد 1602

قراءة

"ذاكرة" كريم الهزاع "المطرية"

بوح عميق يحاول لملمة الوجود واكتشاف ذاتي لمساحة الألم

 

يعتمد كريم الهزاع في مجموعته القصصية "ذاكرة المطر" على خلاصة تجربته الحياتية، وهو في هذا الجانب يشعل فتيل غرفه المتتالية في نفق الحدث المظلم، وفي الوقت ذاته يبرق في أعماقه المخزون المعرفي ليتشكل عنصران مهمان يتقاسمان أحداث مجموعته القصصية، وقد زاوج بين العنصرين باقتدار، ودون أن يشعرنا بوجودهما أطلقهما في رحلة السرد، ولم يشغل ذهنه كثيرا بضوء آخر النفق أو بما يمكن أن نراه أو نفهمه، بقدر ما أراد أن تتبعه أرواحنا، لتتطلع على سر رؤيته ولتشرب كأسا مرا من قبو صرخته·

 

جسدان بين السطح والعمق

بوح عميق ينقش جسدا بحد الكلمة، يصدم الذاكرة يفاجئها ثم تألفه وتذهب الى حد التعاطف معه، ومن ثم التداخل الحميم في خطوط المشهد، متخيلة أنها ذاقت شعورا مشابها وتلبسها ذات الحوار··· منذ متى؟!·· لا تدري "لا أدري كل ما أعرفه أني أخنق صرخة في قلبي منذ ربع قرن، يمكن أن يسمونها صرخة الحرية أو الريح التي تسبق العاصفة، سأصمت، ليتني أستطيع البكاء - رجل الساعة -  وفي مقابل تلك النبضات طرية الولادة، تجذبك من الأعماق موجة طويلة نحو السطح، تتصل بحوار يتدرج ما بين القصر والامتداد النسبي، نافثا انطلاقات عاصفة للشعور، مخلفا أطرا متعددة تتراوح ما بين صرخة خاطفة تعترض الذهن في غضب، وتدفق محموم قد يأخذ شكل نص بأكمله أو جزء منه، في مجاورة حميمة بين المشاهد القصصية والنبرة الشعرية لتقرأ في أحيان كثيرة قصيدة في قصة، وقصة في قصيدة·

 

المطر والينبوع

لقد كانت المجموعة القصصية "ذاكرة المطر" عملا يختص تحديدا بدائرة الشعور العفوي، بالانطلاق الروحي اللامقيد، وهو أيضا عمل استرجاعي حر وكما عنون له "ذاكرة" و"مطر" انهمار مكنون لم يتدخل في مساره سوى يد الطبيعة، لتنبت في أثره غصون السرد وأوراق الشخوص، وجراء ذلك نجد الحضور المركز للأسرة، الأصدقاء، الذكريات، الأحداث اليومية، والشخصيات العابرة، والأهم سوف نلمس نظرة القاص الى قضاياه الذاتية، ونعيش صدامه الأول مع مثل مجتمعه ونشهد تعاطفه المتوهج مع الفقر، مع اللاهوية مع الاغتراب، في ظل نقاش محتدم يعكس أفكارا مجردة تقفز هنا وتختبئ هناك·

كل ذلك ساهم في حضور الأنا وليس العكس، مما أدى الى ما نراه في "ذاكرة المطر" من طول نسبي في الحوار يعتمد علي عاطفة محمومة غاضبة في إطار رؤية قلقة، وشخصيات مألوفة واضحة الملامح والأهداف، أما القاص لم يخرج عن ذاته ومحيطها وعليه أن لا يفعل أبدا إلا حين يشعر بإفراغ ما يقلقه، والى أن يروي نزعته الأولى الغاضبة اللامنتمية، وبـ "الذاكرة" و"المطر" قد أنجز ذاته، وتخطى محيطها، وبعد أن أزاح غيمة ثقيلة عن روحه، خرج الى "الاشتعال" الى دائرة أخرى من الوعي وإن تبقت بعض ترسبات الأنا الأولى إلا أنها تشكلت بمنظور آخر وبرؤية أدق وبلغة أكثر إدراكا·

لقد كانت المجموعة القصصية "الاشتعال" ينبوعا يدرك القاص منبعه، مجراه، ومصبه وفيه الاحتكاك الأول الواعي مع الآخر ومحاولة تبني رؤيته، ولذلك نجد انطفاء جذوة انطلاقات الشعور مع قضايا كان القاص يتعاطف معها في "ذاكرة المطر" مثل الفقر في قصة "الشحاذ" وغيرها، والهوية في "عشب الذاكرة"، و"العصافير وأغاني الغياب"، وغيرها، وإن عاودت تلك القضايا الظهور في "الاشتعال" فبتركيز عددي أقل وبشكل فني آخر أقل مباشرة وبرؤية متحررة لا تلتصق بالذات، لنجد معالجة أخرى لقضية الفقر في مجموعة "الاشتعال" نقرأها في قصة "الثلاثاء" و"الغصون العالية" وولوج آخر في قضية الهوية في قصة "شليويح يعود ثانية" حتى الأسرة أخذت تتشكل في جدارات أسرة أخرى·

باختصار أخذت القضايا القديمة تتلبس وجوها خارج نطاق الذات والخاص، وأخيرا نلمس حضورا مكثفا للعلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة وهي علاقة قصصية ناضجة وأول ما يطالعنا في هذه المجموعة "الصندوق الزجاجي" وكأن القاص يريد تنبيهنا·· احذروا لقد تغير بي شيء ما·

 

طيران خارج حدود المطر

ما سوف أكتبه لاحقا يتمحور في ما جاء على لسان سيد الآلهة زيوس "ما الذي حدث؟ لقد تبدلت لغتك·· نعم، لقد ارتخت أخشاب روحي ولم يعد هو يخبرني بالجديد - قلادة الشمس" نشهد في هذه المجموعة القصصية "الفاتورة" اختفاء عنصر مهم شكل تقنية السرد وهو المخزون الذاتي الملتصق بالأنا، وتكثيف العنصر الآخر وهو الجانب المعرفي، مما أدى الى انحسار الانطلاقات اللغوية العاطفية والى اختفاء القضايا الملحة السابقة، في مقابل استخدام منظم للأدوات الفنية، وحرفية أعلى في اختيار مجريات السرد·

من جانب آخر نشهد نتيجة الحضور الملفت للجانب المعرفي بروز بعض المؤثرات الفلسفية، الأسطورية والصوفية، وقد ساهمت في تدعيم بنية النص، ومنحه أبعادا في اتجاه العمق، ومن هذه النصوص "الخروج في صباح ماطر" ،"شهيق"، "قلادة الشمس"·

لقد شكلت مجموعة قصص الفاتورة رحلة اكتشاف جديدة خارج حدود "المطر"، قادها باقتدار ضمير الغائب "هو"، فاختفت أوتار الحدة ونبرة الغضب، وبدى القاص أكثر توافقا وسلاما مع ذاته، فخط كلمته بمداد العقل وتعمقت رؤيته لتشمل آفاقا متنوعة·

 

مشاهد مقتطفة

1 - "الفخ" من ضمن مجموعة "ذاكرة المطر": تمثل قصة الفخ روعة الغوص في أخيلة المكان، ولمسة رفيعة في جانب من رفوف أعماقنا، القصة عبارة عن نفحات سينمائية متقطعة تمتلك عفوية المشهد، حتى يخيل للقارئ أن شخوصهــــا سقطــــوا للتو من غيمة قصية، وتفرعوا في أنحاء الحدث، وهم من القرب بحيث لو مددت يديك لأمكـنك مصافحة أحدهم·

2 - "قوس قزح" من ضمن مجموعة "اشتعال": إذا كان من الممكن أن تقود الموسيقى عنان السرد، ففي "قوس قزح" كان الأبطال مجموعة من النوت والنغمات، تتجاذب حوار الصعود على سلم الرغبة·

لقد كانت أجوبة الصمت المنقوطة همسة بليغة الى حد إثارة الرعشة، ولقد تمكنت الموسيقى تحت "قوس قزح" من عزف جسد النشوة·

3 - "شهيق"، من ضمن مجموعة "الفاتورة": تسبيح أعلى في ملكوت الحرية، وحالة مركبة تعكس تصاعديا مفارقة الاتجاهات والقيم، في ظل تصادم ساخر ما بين السمو والانحطاط، الروح والمادة، الحرية والسلطة·

 

علي حسين الفيلكاوي

طباعة  

وتــد
 
شعر
 
إصدارات
 
المرصد الثقافي