في رسالة موجهة الى الجمعية الطبية البريطانية أثار الدكتور ديريك سمرفيلد - كبير المحاضرين الفخريين في معهد طب النفس في كوليدج بجامعة لندن - فضيحة بشعة حول ممارسات الجمعية الطبية الإسرائيلية تجاه تعذيب الفلسطينيين وتعاون الأطباء الإسرائيليين مع أجهزة الأمن في عمليات التعذيب·
تفاصيل أكثر صفحة (ترجمات)
نعرض الرسالة أمام الرأي العام وأمام الأطباء العرب وجمعياتهم ليفعلوا شيئا، فقد جاءت رسالة الدكتور سمرفيلد بعد انتخاب رئيس الجمعية الطبية الإسرائيلية الدكتور يورام بلاشر رئيسا للجمعية الطبية العالمية، مما أثار المخاوف بشأن دور الجمعية في اضطلاعها بالرقابة على أخلاقيات مهنة الطب، وخاصة في تعاملها مع الجمعية الطبية الإسرائيلية معتبرا ذلك "مسألة ترقى لدرجة الاستهزاء بكل الأهداف التي أنشئت من أجلها الجمعية العالمية عام 1947"، ومطالبا الجمعية الطبية البريطانية بالتحرك الجاد مثلما فعلت بانسحابها من الجمعية الطبية العالمية احتجاجا على إعادة عضوية اللجنة الطبية بجنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري وقال في رسالته "من المؤكد أن
الجمعية الطبية البريطانية بحاجة الى استخدام ثقلها لمواجهة قيادة الجمعية الطبية العالمية والجمعية الطبية الإسرائيلية فلا يمكن استمرار سير الأمور بهذا الشكل، ونرجوكم أن تتحركوا بالنيابة عنا، وقبل كل شيء لا يمكن أن يبقى بلاشر رئيسا لمجلس إدارة الجمعية الطبية العالمية"·
وأشار د· سمرفيلد الى الأدلة المسنودة بالوثائق على مساهمة الأطباء الإسرائيليين في عمليات التعذيب، قائلا "يتوجب على الجمعية الطبية العالمية أن تعرف الانتقادات المبنية على أسس ثابتة وعلى مدى سنوات لسجل الجمعية الإسرائيلية في مجال أخلاقيات المهنة"، وأشار الى ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية الصادر عام 1996 الى أن الأطباء الإسرائيليين الذين يعملون مع أجهزة الأمن يشكلون جزءا من نظام يجري فيه تعذيب المحتجزين ومعاملتهم بشكل سيئ ويتعرضون للإهانة بطرق تجعل الممارسة الطبية في السجون تناقض أخلاقيات مهنة الطب، كما نشرت منظمات رئيسة أخرى في مجال حقوق الإنسان مثل "أطباء من أجل حقوق الإنسان" ومنظمة هيومان رايتس ووتش تقارير مشابهة، وإن الجمعية الطبية الإسرائيلية لم تفعل شيئا حيال هذه الانتقادات مدعية بأن عضويتها في الجمعية العالمية دليل على نزاهتها، والأكثر من ذلك أن يورام بلاشر قد دافع في مقال نشرته مجلة "لانسيت" الطبية البريطانية عن استخدام "الضغوط الجسدية المعتدلة" التي تستخدمها أجهزة الأمن الإسرائيلية مع المعتقلين الفلسطينيين، مما يعتبر أمرا نادر الحدوث أن يقف رئيس جمعية طبية أمام مجلة طبية مرموقة للدفاع عما يعتبره العلم والأمم المتحدة لمكافحة التعذيب، تعذيبا، وبالتالي، فإن الجمعية الطبية الإسرائيلية تنتهك "إعلان طوكيو" الصادر عن الجمعية الطبية العالمية WMA الذي يحظر تورط أو تواطؤ الأطباء في عمليات التعذيب أو أي إجراءات قاسية أو لا إنسانية ومهينة، ولكن يبدو كما يقول د·سمرفيلد أن الجمعية الطبية العالمية اختارت تجاهل كل الوثائق التي تشير الى ذلك·
ومن الأدلة الأخرى إشارة د· اي· ووليف رئيس لجنة أخلاقيات المهنة آنذاك، بوضوح الى أن أحد المعتقلين الفلسطينيين تعرض "لتكسير اثنين من أصابعه" في أثناء التحقيق، وأرسل تقرير بالحادث الى ديلون هيومان السكرتير العام للجمعية الطبية العالمية وتناول د· سمرفيلد في رسالته ما سماه المسألة الرئيسية الأخرى في أخلاقيات مهنة الطب ألا وهي الحيادية الطبية، وقال لقد اتضح بصورة جلية ومنظمة، في أثناء قيام الجيش الإسرائيلي بإعادة احتلال الضفة الغربية العام الماضي، وما بعد ذلك، عدم الاكتراث بالمصابين من الجانب الفلسطيني على نطاق واسع، فقد أشارت التقارير الى تعرض سيارات الإسعاف الفلسطينية لإطلاق النار في 231 حادثة حتى شهر سبتمبر 2003، وأن الجيش الإسرائيلي قتل طواقم سيارات الإسعاف مما اضطر اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية للحد من نشاطاتها في الضفة الغربية نتيجة للتهديدات التي تلقتها طواقم هذه المنظمات والهجمات التي تعرضت لها سياراتهم كما توفي الكثير من الجرحى الفلسطينيين لأن الجنود الإسرائيليين منعوا نقلهم الى المستشفيات، كما منعوا دخول الإمدادات الطارئة من المواد الغذائية والطبية وقاموا بشكل متعمد بتدمير البنية التحتية للماء والكهرباء والخدمات الطبية والصحية، وكان رد يورام بلاشر لمجلة "لانسيت" حول هذه الأحداث في العام الماضي أوضح دليل على موقفه وموقف الجمعية الطبية الإسرائيلية·
فباستثناء جملة واحدة أشار فيها الى مبدأ الحيادية الطبية، هاجم بلاشر الافتتاحية بشدة ودافع عن سلوك الجيش الإسرائيلي، وأشار ضمنا الى أن موت المدنيين الفلسطينيين لا يتساوى أخلاقيا مع موت المدنيين الإسرائيليين، وقال د·سمرفيلد بأن مثل هذه المواقف التي تحط من شأن "الآخر" هي العدو لأي تطبيق عالمي لأخلاقيات مهنة الطب ولإضفاء الصبغة الإنسانية على هذه المهنة·
وأشار د· سمرفيلد الى تقرير "منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان" الذي لامت فيه الجمعية الطبية الإسرائيلية التي لزمت الصمت إزاء التدهور في موقف القوات الإسرائيلية تجاه صحة الفلسطينيين على الرغم من القدر الكبير الذي لحق بالطواقم الطبية الفلسطينية وبقدرة الأطباء على مساعدة مرضاهم بأمان، وبالرغم من القذائف التي أطلقها الجيش الإسرائيلي على المستشفيات الفلسطينية وعلى الرغم من عمليات القتل لطواقم الإسعاف الفلسطيني في أثناء تأدية واجبهم، وأن الجمعية الطبية الإسرائيلية رفضت الرد على أي من شكاوى منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" مما دفع أحد أعضائها هاواس زيف في مقالة له بمجلة "لانسيت" الى اتهام الجمعية الطبية الإسرائيلية بأنها مجرد ذراع تنفيذي للمؤسسة الحاكمة في إسرائيل وأنها تعمل من أجل دعم الأوامر السياسية بدلا من خدمة "الأخلاقيات العالمية للطب، وإزاء ذلك يقول د·سمرفيلد بأن وجود بلاشر في رئاسة الجمعية الطبية العالمية يعطيه الفرصة للدفاع عن عدم وضع الجمعية الإسرائيلية تحت التدقيق الجدي، ويطالب الجمعية الطبية البريطانية بالتحرك لكي لا يستمر يورام بلاشر رئيسا لمجلس إدارة الجمعية الطبية العالمية·
وإذا كان هذا موقف أحد الأطباء الإنجليز الإنساني المبادر، فلماذا لا تتحرك الجمعية الطبية الكويتية والجمعيات الطبية العالمية، إزاء الهيمنة الإسرائيلية على الجمعية الطبية العالمية، خاصة وأن إثارة هذه المسألة على مستوى عالمي سوف تجد لها تأييدا واسعا من ذوي الضمائر وذوي الدوافع الإنسانية والحريصين على شرف المهنة الطبية وأخلاقياتها وحياديتها؟!