رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 29 شعبان 1424هـ - 25 أكتوبر 2003
العدد 1600

هجمات 11 سبتمبر
هل أطلقت صراع الحضارات؟
الحلقة الرابعة4

عن  "الايكونوميست"

نشرت "الايكونوميست" في عددها الصادر 13-19 سبتمبر 2003 وبمناسبة الذكرى السنوية الثانية على هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك وواشنطن، دراسة مطولة بعنوان "الإسلام والغرب"·

لقد حاول معد الدراسة بيتر ديفيد العثور على إجابات للكثير من التساؤلات التي في الغرب عموما وفي الولايات المتحدة خصوصا، وعلى مختلف المستويات الرسمية والشعبية والأكاديمية حول ماهية الإسلام وكونه دين سلام أم دين حرب وعلاقته بالمسيحية وبالإرهاب وبالديمقراطية، فضلا عن مفاهيم مثل "الإسلام السياسي" أو "الأصولية" و"الجهاد"·· إلخ·

وتستعرض الدراسة تاريخ نشأة الأصولية أو ما يطلق عليه "التأسلم السياسي" منذ ابن تيمية وأبو الأعلى المودودي مرورا بمحمد بن عبدالوهاب وسيد قطب وصولا الى الدكتور يوسف القرضاوي، وتأثير كل هؤلاء على "التطرف الأصولي" وظهور حركات مثل تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن و"الجماعة الإسلامية" و"الجهاد الإسلامي"·

وقد ارتأت "الطليعة" نشر هذه الدراسة على حلقات لتعريف قرائها بنظرة "الآخر" بنا - كمسلمين - وبديننا الحنيف، هذه النظرة التي اعتراها الكثير من التشويه والمغالطة والشبهات التي تعود الى جرائم ارتكبها البعض باسم الإسلام، كما أنه لا يمكننا الرد أو تصحيح المفاهيم الخطأ - إن كانت كذلك - إلا إذا تعرفنا عليها·

وفي النهاية، غني عن القول إننا في "الطليعة" لا نتفق مع كل ما ذهبت إليه هذه الدراسة، لكننا مع ذلك، نؤمن بأهمية إطلاع القارئ عليها·

 

------------------------------------------

 

أفغانستان وإيران والسودان·· ثلاثة نماذج لفشل الإسلام السياسي

 

·         من يضمن ألا يستغل الأصوليون الانتخابات للسيطرة على السلطة مرة واحدة وإلى الأبد؟

·         العنف الأصولي روع الطبقة الوسطى في المجتمعات الإسلامية وأبعدها عن احتضان التجربة الديمقراطية

·         الباحثون الغربيون يختلفون حول تقييم الإسلام السياسي بين متفائلين يعتبرونه حركة تقدمية ومتشائمين ينظرون إليه كنقيض للديمقراطية

·         تأثير الإسلام السياسي يتعاظم بالرغم من النكسات التي منيت بها الحركات الأصولية خلال العقد المنصرم

 

يمكننا تصنيف المحللين السياسيين للإسلام بناء على نظريتين متضادتين، واحدة متفائلة تقول إن "التأسلم" العنيف قد وصل حد الذروة في الثمانينات والتسعينات وتمت الآن هزيمته، وأخرى متشائمة تقول بأن "المتأسلمين" يحظون بمزيد من القوة ويستمرون في تشكيل تهديد مميت للنظام السياسي للدول الإسلامية وربما للعالم بأسره·

ويعتمد المتفائلون على كتاب قيم للأكاديمي الفرنسي جيلز كيبل بعنوان "الجهاد، قافلة الإسلام السياسي" وكتاب لفرنسي آخر هو أوليفيير روي بعنوان "فشل الإسلام السياسي"، نشر كتاب كيبل للمرة الأولى عام 2000 قبل هجمات 11 سبتمبر لكنه لا يجد سببا لمراجعة ما خلص إليه، فهو يرى فشل الإسلاميين في كسب تأييد الأغلبية في كل مكان حاولوا فيه ذلك من الجزائر الى إيران والى أفغانستان، لقد فقدوا البريق تماما كالشيوعية، ويقول "لم يعد المسلمون ينظرون الى "التأسلم" كمصدر للطوباوية، وتبشر هذه النظرة الواقعية بالخير في المستقبل·

وهناك جزء من هذه النظرية لا يمكن الجدال فيه، فبينما أدت هجمات 11 سبتمبر الى هز كيان الشعوب في الغرب لينتبهوا الى خطر "التأسلم"، كان العالم الإسلامي نفسه قد اهتز بعنف بتحدي الإسلام السياسي خلال العقود الماضية، وحقيقة بدا في أواخر التسعينيات أن الغلبة ستكون من نصيب العلمانيين لا "المتأسلمين" أو على الأقل الذين يميلون لاستخدام العنف منهم، ولنأخذ بعين الاعتبار كيف تغيرت الأوضاع في ثلاث دول هي إيران بعد ثورة 1979 وأفغانستان بعد طرد الاحتلال السوفييتي والسودان بعد انقلاب "المتأسلمين" في 1989، لقد حاولت الحكومات المسلمة إقامة كيان شبيه بالدولة الإسلامية الصحيحة، فقد قام الثوريون الإسلاميون في إيران وأفغانستان بتحدي قوة عظمى وإذلال الأخرى وباختصار أججوا مشاعر المسلمين في كل مكان بذلك، ومع ذلك فقد انهارت التجربة السودانية مع نهاية التسعينات وحولت حركة طالبان أفغانستان الى خراب وأخذت حكومة "الملالي" في إيران تفقد سيطرتها ليس على المعجبين بها من الخارج فقط بل وعلى شعبها أيضا، ومع فشل كل هذه التجارب، بدأ شعار "الإسلام هو الحل" البسيط يبدو أقل قبولا·

 

طريق مسدود

عانى المتأسلمون خلال العقد نفسه من نوع آخر من النكسات، فقد مني الجهاديون المسلحون بالهزيمة في البلاد التي قرروا فيها خوض المعارك مع الدولة، فقد سحقت مصر "الجماعة الإسلامية"، وبعد ما يزيد عن مئة ألف قتيل انتهت الحرب الأهلية في الجزائر التي استمرت في التسعينات بالنصر لنظام الحكم، وإن كان نصرا ذا حدين، وفشلت حرب العصابات الجهادية التي دحرت الجيش الأحمر السوفييتي من أفغانستان في تحويل البوسنة الى ساحة جهاد أخرى، ومن ثم يرى كيبل أن العنف أصبح طريقا مسدودا بالنسبة للمتأسلمين إذ إنه لم يؤد الى النصر وأخذ يرعب الطبقات المتوسطة، ولذلك تقول النظرية الأولى أنه يتوجب على "الإسلام السياسي" العمل في نطاق قوانين الديمقراطية والقبول من الآن فصاعدا بالحلول الوسط المناسبة، إذا أراد الاستمرار مستقبلا·

ويتفق المتشائمون الذين يدافعون عن النظرية الثانية مع بعض ما جاء في هذا التحليل، فهم يقبلون بمقولة أن الجهاديين فشلوا عندما اصطدموا مباشرة مع الدولة، لكنهم أقل تفاؤلا حيال الوضع الحالي، وسبب قلقهم هو ازدياد تأثير الإسلام السياسي وعدم بقائه على الرغم من سحق الدول للجماعات التي تمارس العنف، ولا يصدق جميعهم مطلقا ادعاء تبني المتأسلمين البعيدين عن العنف القيم الديمقراطية، وبالطبع يقول المتأسلمون إنهم يتبنون هذه القيم ويتوقعون نتائج جيدة في ظل انتخابات حرة ولكن ماذا لو اكتشفنا أن هذه الأحزاب ليست سوى خيول طروادة؟ ماذا سيحدث لو كان في نيتهم استخدام الانتخابات للاستيلاء على السلطة ومن ثم عدم السماح لأي كان بإخراجهم من السلطة لاحقا؟

مرة أخرى، لا يمكن لأحد أن يجادل في جزء من هذه النظرية، فعلى الرغم من هزائم التسعينات فإن تأثير الإسلام السياسي كفكر يتعلق بتنظيم الإسلام للمجتمع قد انتشر، ويمكن قياس تنامي هذا التأثير من خلال الانتصارات الانتخابية، مثل النصر الكاسح لحزب "العدالة والتنمية" بقيادة رجب طيب أردوغان في تركيا في نوفمبر عام 2002، أو فوز تحالف ستة أحزاب إسلامية بستين مقعدا في مجلس النواب الباكستاني الذي يتألف من 342 مقعدا بالإضافة الى هيمنته على الحكومة المحلية للإقليم الشمالي الغربي، غير أن النجاح في الانتخابات إنما هو جزء من الدليل فقط·

 

قوة المعارضة

حتى عندما يفشل أو لا يسمح للإسلاميين بالفوز في الانتخابات، فإنهم الوحيدون الذين يشكلون المعارضة التي تثير قلق الحكومات جديا، فليس ثمة "يسار" متبق في أرجاء واسعة من العالم الإسلامي وبينما الأحزاب العلمانية ضعيفة غالبا، فإن للإسلاميين أعضاء كثيرين نشطين غالبا ما يرتبطون في المساجد التي تجمع بين العمل المثير للإعجاب في مجال الرفاه والدعوة المصممة على أسلمة المجتمع من جذوره، وفيما يفتقر المجتمع المدني في الدول الفقيرة الى المال، فإنه ينهمر بين أيدي الإسلاميين ما يشكل مصدر قوة لهم حتى مع عدم وجودهم في السلطة، ويقول جراهام فولر، النائب السابق لرئيس مجلس الاستخبارات القومي التابع لوكالة المخابرات المركزية "ليس مبالغا فيه القول بأن الإسلاميين يركزون جهودهم أكثر من غيرهم من القوى السياسية في العالم الإسلامي على المجتمع المدني وإقامة المؤسسات فيه·

بالإضافة الى هذا فإن الإسلاميين ليسوا بحاجة للفوز بالسلطة ليحققوا غاياتهم، فلطالما هادنت الأنظمة العلمانية الإسلاميين بإعلان ما يسرهم تحسبا لأي ظرف فلقد حاول الرئيس الأندونيسي السابق سوهارتو تقديم نفسه كمسلم مخلص في محاولة عقيمة لإنقاذ نظامه، وكذلك فعل كل من الديكتاتور العسكري ضياء الحق والاشتراكي العلماني ذو الفقار علي بوتو في باكستان، وأذعنت أنظمة أخرى الى مطالب الإسلاميين بدمج أجزاء من الشريعة في قوانين الدولة أو النص في الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي أحد مصادر التشريع، وأعلن مهاتير محمد ماليزيا "دولة إسلامية" محطما بذلك تراث بلاده العلماني تحت ضغط من الإسلاميين عام 2001، ويتباهى ملك المغرب بكونه "حامي العقيدة"·

وفي الواقع كانت هذه المكاسب التي حققوها في المعارضة ويعتقد بعض الإسلاميين أنهم أفضل حالا كمعارضة مما لو تسلموا مقاليد السلطة، ويقول راشد الغانوشي التونسي ذو التأثير الواسع والذي يعيش بمنفاه في لندن "في حال تعارض العمل الإصلاحي الاجتماعي للإسلاميين مع عملهم السياسي، فإن الأولوية تعطى للأول لأن إنجازات الإسلام الاجتماعية تدوم أطول من إنجازاته السياسية، لكن الخطر يكمن في حب الشعوب للإسلاميين قبل توليهم السلطة وكراهيتهم لهم بعد ذلك" (كما في إيران)·

 

رؤية وردية

ويقول المتشائمون إن "النجاحات" التي يجنيها الإسلام بهذا الشكل هي في المعارضة حيث تنقل مركز الثقل في العالم الإسلامي الى الدين والتعصب الأعمى والرقابة وبعيدا عن الليبرالية العلمانية، ويعترض المتفائلون ويجادلون أن هدف الأحزاب الإسلامية لا ينحصر في إعطاء الإسلام دورا أكبر فهذه الأحزاب تحاول إصلاح المجتمع بطرق متعددة وإنما تستخدم الإسلام لجعل أهدافها أكثر قبولا فهم لا يكذبون لأن الإسلام فعلا هو الذي يشكل نظرتهم الى العالم، لكنهم براغماتيون يستخدمون الوسائل المستوحاة من القيم المتطورة التي يدركونها في عقيدتهم وليسوا منظرين يقلبون النصوص الشرعية بحثا عن نموذج جاهز للاحتذاء به، ويقول المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، فولر، وهو أحد المتفائلين المتمسكين بهذا الرأي "إن الإسلام السياسي "باستثناء الأماكن التي تقلد فيها الإسلاميون زمام السلطة بالقوة"، يعتبر الحركة الوحيدة الواسعة والحيوية المتنامية الواسعة الانتشار والنشطة في العالم الإسلامي والساعية لتدعيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني وبشكل عام النظم الاقتصادية الحرة"، لكن أقل ما يمكن قوله عن هذه الرؤية الوردية أنها مثيرة للجدل، حتى في العالم الإسلامي·

ويقول عماد شاهين أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة وهو من ذوي الميول الإسلامية "إن الإسلام السياسي هو "موجة المستقبل"، لكن زميله بهجمت قرني يشير الى شكوك الكثير من المثقفين الإسلاميين"، فمن جهة يشكل الإسلاميون قوة حيوية تمثل المجتمع المدني وقوة معارضة تشكل البديل المفاهيمي، لكن من الجهة الأخرى لدي الكثير من التساؤلات عن نوع النظام السياسي الذين يسعون لإقامته، بالإضافة الى تساؤلي عما إذا كان هذا فعلا هو الطريق للديمقراطية الدائمة"؟ فكثير من الإسلاميين يكتفون بالاستشهاد بالنصوص الدينية للحصول على السلطة اللازمة وليسوا مستعدين بما فيه الكفاية للاعتراف باحتمال ارتكابهم لأخطاء·

ويشك الكثير من العملاء غير المسلمين في ذلك، حيث يقول إيمانويل سيلفان، البروفيسور في الجامعة العبرية في القدس "إن الأشخاص مثل فولر الذين يظنون أن الإسلاميين يشكلون القوى التقدمية في المجتمعات المسلمة يعيرون كثيرا من الانتباه لما تقوله تلك الجماعات للآخرين والقليل فقط لما يقولونه فيما بينهم، فعلى الرغم من وجود أصوات ليبرالية في صفوف الإسلاميين إلا أن المتشددين يحظون بالغلبة، فبينما ينشر الليبراليون أفكارهم في العلن، يتقن المتشددون فن نشر رسالتهم لمدى أبعد وأوسع عن طريق العظات والمناقشات الموزعة في أشرطة الكاسيت"، ويفترض سيفان انتماء قرابة الأربعمئة من الواعظين الذين توزع لهم الأشرطة جميعا الى المتشددين·

وربما لا يكون من المهم أن يصدق الباحثون الغربيون بأن الديمقراطية حقيقية بالنسبة للإسلاميين، فالمهم هو ما يعتقده المسلمون أنفسهم، ذلك أن الكثيرين منهم يطالبون بالديمقراطية، ففي استطلاع الرأي الذي أجري في يونيو والذي بين ازدياد حنق المسلمين على أمريكا، وجد أيضا تعطش الكثيرين منهم للحريات الديمقراطية، فمن بين قرابة الخمسين دولة تضم ممالك مثل الأردن مرورا بالكويت ودولا سلطوية مثل أوزبكستان وباكستان، وجدت مطالبة قوية لحرية التعبير عن الرأي والصحافة والتعددية الحزبية والمساواة أمام القانون، وأظهرت النتائج ارتفاع نسبة هذه المطالبة في العالم الإسلامي عنها في أماكن أخرى مثل وسط وشرق أوروبا·

 

هل يمكن الوثوق بهم؟

هل يدعم المسلمون المطالبون بالديمقراطية نظريا تطبيقها العملي إن كانوا لا يثقون بالتزام الإسلاميين بقواعد اللعبة؟ يجادل سيفان أن احتكار الإسلاميين للمعارضة في الدول الإسلامية مكنهم من نشر مخافة الله في أوساط الطبقة الوسطى التي ربما تزعمت الديمقراطية في ظروف أخرى تماما كما ترددت الطبقة الوسطى في أمريكا اللاتينية إبان قوة الماركسية للمشاركة في انتخابات حرة خوفا من أن تؤول السلطة الى المتشددين بشكل دائم، ويقول سيفان "لا توجد معارضة أساسية في الدين تمنع الديمقراطية من اختراق الإسلام، فمنذ زمن غير بعيد، نظر للكاثوليك بالطريقة نفسها، لقد فشلت الديمقراطية الى حد كبير بسبب الخطر الراديكالي والخوف من أن يصبح هناك صوت واحد ورجل واحد ومرة واحدة"، فهل يحدث هذا؟

 

يتبع

 

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

 

طباعة  

التحول الديمقراطي في العراق بين مخاوف التسرع ومخاطر الإبطاء