غنيمة زيد الحرب ·· حاضنة الورد
بقلم: فاطمة الشيدي*
صدفة كان اصطدامي بها (1) حرف مدجج بالعذوبة والألق ، صدفة كان انجذابي لهذا الصوت الشعري الأنثوي المغموس بالحلم حتى الليونة والطراوة ، من أي عالم منمنم باللغة والحرف والاشتعال جاءت ، هكذا شغلني هذا السؤال وأنا أرتفع وأهبط مع شلالات حرفها المتماوج كموجة في أمواه الخليج العربي ، كم من الاحتراق والاشتغال والانثيال لزم ذلك الحرف ليغدو بكل هذه الرقة والنداوة ، أي ثقافة لحاضنة الورد لتغدو قصيدتها وردة عاشقة بكل هذا الجمال ، ولذة سابرة لكل الأرواح حتى الإصغاء والرهافة·
غنيمة زيد الحرب قصيدة تنفذ إلينا كالضوء من خلال المشنقة التي سلمت لها نصوصها حيث تقول:
حذوت حذوهم
سلمت أوراقي
إلى مشانق الحروف
في سجون المطبعة
وسرت خلفهم
هكذا تدفعنا الشاعرة للولوج معها إلى بوتقة الرعب الشاعري من أن تفضي بمشاعرها وأطفالها وورودها إلى المطبعة / المشنقة ، أي معنى دلالي يتسرب من بين الحروف إلينا حين نسير مع الشاعرة في صمت الرهبة والحزن وهي تهب حرفها للعيون والفضيحة وكأنها تسلمه للموت البارد بعد الدفء ولكن هاهي تعود و هي تنبش في ذاكرة الفعل باحثة لروحها التي استمرأت فعل القتل أو الفضيحة لنصوصها عن مبرر أو علة ، ربما لدرء العجز عن الاستمرار من دونه أو مشاركة الغير لهذا النزف أو الاحتماء بالنصوص الخارجة من الداخل المحترق والذي يستمر في توهجه بلا نية للتوقف تتساءل في وجع قاتل باحثة لروحها عن مواساة بلا :
هل ارتكبت إثما
حين صرت مثلهم ؟!
لغة كثيفة طرية ، شفافة عذبة ، تحتاط لصورها بالوثبات والقفشات المتصاعدة من الداخل للخارج ، والعكس ، نصوص تخرج من قمقم الذات وتنفتح على جرح الآخر وتهرّب فيه حنينها ، تجبره بشفافية مطلقة على تلبس حالتها الروحية وتجرحه بصمت وعذوبة ليئن من فرط الحلم وخفة الجمال التي تجعل قارئها يسرف في الوجع·
أيها الخارج من جلدي
إلى جلدي
سأبقى غارقا بين اشتعالات السؤال
لن أغني فعلى باب فمي
قفل
هكذا يشتعل النص ويهتاج حتى يستلقي في بؤرة الصمت بوتقة الروح وختمها الوائد للحركة والحرية ، الخيار الأجمل والأخير للذات الشاعرة المكسية بالوجع الذاتي والعام ، نصوص تخرج نافرة مستنفرة لوجع الأنثى وأحاسيسها الإنسانية الخاصة والعامة حتى الرفض لكل القمع المحاصر للذات بشاعريتها المرهفة وأنوثتها الرطبة ، وإنسانيتها المغتالة على حواف العادي والسائد والنمطي الموجع والمستنقعي الثابت·
تهزم كل هذا بالصمت ولعلها تهزم ذاتها قبل كل هذا، فهي تنادي بالقريب والبعيد إلى وجعها الماثل بين يدي الحرقة ، خارجا منها عائدا إليها ، رافضة أن تهديه النور والسكينة ، بل تهبه جحيمية السؤال وسديميتة المشتعلة باللاوضوح واللاظهور ، بل تتخلى عن أدوار الأنثى المهيأة لها سلفا وترفض الغناء معادلا للبهاء والجمال الأنثوي والسعادة والحياة معلنة أنها ليست على القدر من الحرية التي تتيح لها البوح والغناء فعلى باب فمها قفل مغلق غالق ولا مساحة لشيء من البوح والنور والحرية والغناء·
نصوص الشاعرة تطل برأسها بعناد من المساحة اللامرئية والتي تفصل بقسوة ضرورة الواقع وشهوة الحلم في لذة خدر شفيف بعيد عن لغة مغرقة في التبرج أوالتقنع وراء الألفاظ البراقة أو المعاني البعيدة ، تتسرب إليك في خفر عجيب حتى تستوي بين يديك في وداعة وهدوء مناغية إياك:
خل ثوب النرجسية
فهنا قلب تحدى
كل ريح الأرض
كي يزرع في عينيك أحلاما ندية وهنا طفل تغنى
كي يمر الدهر في سمعك أنغاما شجية
وهنا ورد
وظل
وشذا فل
وأغصان طرية
وهنا تختال أزمنة العرس صبية
üüü
إنها دنياك خطت
في مدى كفيك
أياما ثرية
أو ترضى أن تكون القاتل الأوحد ، والدنيا
ضحية
الشاعرة تدعوك أيها (القارئ) إلى الجمال المتسرب من بين يديها وعينيها، البهاء المتدفق من شفتي اللغة، تدعوك كي تسافر في عوالمها السافرة الناضحة بالعذوبة بكل قرائبية المعاني من ذهنية المتلقي العادي ، وتجليات الإنسان في صوره الحية والحقيقية بعيدا عن النرجسية وتهديك قلبها الذي تحدى الأرض وتنسج لك قصيدها طفولة عذبة وأحلاما ندية لتخلق بينك وبين الكون جسرا من الجمال والعلائقية الضاجة بالروعة وترفض منك إلا التصالح معها والتمرغ في بهائها ·
بلغة ترفض المكانية وبحركات دائرية ( كلجة تلقى فيه بالحجر ) توسع الشاعرة مساحات الضوء المشعة من كلماتها فتتحول الكلمة وردة والحرف أقمارا وأطفالا وبساتين بل وتأخذنا من أيادينا ونحن مغمضو العيون مسكونون بالحلم مسحورون بروائح العطر المنبعث من النص من البداية للنهاية حتى إذا انتهى نردد بنشوة السكر ( هل من مزيد )·
هكذا تراود نصوص غنيمة زيد الحرب قارئها عن مكانه وعن زمانه وعن حلمه لتعبر به الأنا للكون والآخر والحياة وتقتاده طيعا مختارا خارج حدود الزمان والمكان وتخلق ذلك التمازج الخفي بينه وبين النص ليغدو هو نصا والنص ذاتا هاربة من فوضى الاحتمالات وسيرورة البحث والعبث إلى بقاع قصية أكثر اضطرابا وحصاراً ومعاناة:
قلمي المكسور
لايقوى على البوح ولا
يتفادى
جمرة النهر المحال
يشحذ الحبر الذي
لا ينتهي
يجذب الأقمار نحو الاكتمال
بين صدري
وانطلاقات اللظى
ألف جسر
يجعل العمر اشتعال
كيف أزهو
وجذوعي سجد
وفروعي
في مهب الاحتلال
ويقيني
في سجون الوقت محموم غدا
مثل ظني بين طوق الاحتمال
تنداح دوائر النص لتعبر المكان والذات إلى الكل ، إلى الأنا كمرجع جمعي عام وتسبغ هيمنتها النصية على الأرواح في لذة صوفية رائعة ومناغاة عذبه ، متخلية عن دورها المبشر كرسولة حاملة عل كاهلها عبء اللغة وسرمديتها فهي تعلن سلفا أن قلمها مكسور لايقوى على البوح ولايستطيع أن يتخلى عن جمر الاحتمال الذي يتصدى للرعب المحاصر لهذا الكائن الشعري بضعفه وهشاشته يشحذ الحبر الذي لا ينتهي يجذب الأقمار نحو الاكتمال، وتستمر في تحديد علائقيتها الروحية بالكتابة كفعل داخلي هروبي من سلسلة الرتابة التي يفنى فيها الكائن "بين صدري وانطلاقات اللظى ألف جسر يجعل العمر اشتعال" فلا خلاص ولا مناص ولا فسحة للزهو والنور فكل شيء رهين القيد والحصار وفي زمن التخلي والاهتزاز وزلزلة الثوابت تغدو كل القناعات باطلة، وكل الإيمانات ممزوجة بالشك وحمى الوقت، ورهينة الظن والاحتمالات ·
إن موضوعات النصوص التي تختارها الشاعرة هي موضوعات "جوانية برانية" تستقرئ الخارج وتبرهن على اندماج الداخل به وتشكله منه وبعناصره الفيزيقية والميتافيزيقية المشكلة للفكر والشعور·
كما أنها تصوغ مفردات اللغة الشاعرية من خلال الذات الأنثوية الشفيفة لتتشكل لغة أكثر شفافية وحضور حذر، حذر الأنثى، لغة خفرة غامضة غموضها ، فالحب لا يتجلى بصوره السافرة إلا في عبارة عابرة أو سياقية ضمنية للنصوص بل النصوص أحيانا تجتاز كل الدنيوية والعادية الحياتية لتتهادى في زي الرهبنة والتصوف والجلال من خلال نصوص تناغي فيها الذات الإلهية أو تستحضرها كخيار أجمل، وبديل وحيد في غابات البشرية، تفضي إليه بلواعجها وتهدي إليه ثمارها الروحية اليانعة ، كما في نص ( لا شريك لك ) مستحضرة دلالة العنوان من التراث الصوفي مسترسلة في ذلك البعد باستحضار رموزه ( رابعة - أبو العتاهية وغيرهم ) في لغة نسكية قدسية تتلمس جمال غارب شح أن يتطرق إليه غيرها بهذا الاستحضار القربي من الذات العليا:
أراك في النور
وتحت خيمة الحلك
أراك في الصحراء
في الغابات
في الحقول
في الجبال
وفي سفوح الممكن المحال
أراك في القصور
في المدائن المسيجة
وفي المدى المفتوح
في الأكواخ
في القبائل المدججة
بالسل
بالسعال
بجمرة السؤال
بلفحة العواطف المثلجة üüü
أراك حين يستوي الملوك
والرعاة
وحين تنبت التيجان
تحت أرجل الحفاة
وحين يرحل الوجود
حين تذبل الحياة
أراك في السكوت
في الحلك
أراك لاشريك لك
هكذا تنطلق الصرخة من الروح إلى خالقها في صوفية مدهشة واستجلاء للداخل والخارج مستتفهة كل شيء أمام وميض الروح المتجلي أمام خالقه ، هكذا ينطلق الوعي الآدمي الضيق للرحب الأعلى ، وتهيم الذات الهشة في مرامي الجمال والقوة تاركة كل العفن الذي تزخر به القلوب وتسجد على أعتابه الرؤى البشرية الضيقة ،هائمة في الطبيعة في استكناه للعلوي والبعيد والفوقي المتنزه عن كل نقص وعيب مستحضرة المثال من خلال موجوداته التي أهداها جزء من مثاليته وجمال علويته وتجلى فيها لتشهد له في جلال مهيب· وهذه الروح الصوفية تظهر في العديد من النصوص كـ (النداء)·
تتوزع نصوص الشاعرة بكل روعتها وعذوبتها وقربها منا حد ملامسة الشغف الداخلي والحياتي اليومي بين ثنيات العناوين الضاجة بالدلالات السافرة المعاني منها والضمنية التي تحتاج التأويل·
ومن عناوين الشاعرة ( انتساب / المحاورة الصامتة/ القناع / الحضور الغائب / نرجسية / متطرف / ميلاد شهيد / على ساحل المعرفة / المستحيل / الخلل / احتضان الزوبعة / سيان / البريق / طفولة / غرف الذاكرة / اشتعال / شيء من الجنون / صحوة / ذبول النسيان م غوص /المشنقة / الرحيل في شرايين الأبد / ظلال / هروب أوجه الذاكرة من لجة الغمام / الأسطورة / الصعود / غضبة الريح / العاصفة السوداء أعطني دمعا سئمت الكبرياء )
سلسلة من المعاني والدلالات متتابعة الرؤى تكشف بجلاء وروعة عن لغة مخضبة بالفكر الشفيف والروحانية التي تليق بأنثى الخليج بحرا وسهلا ، ناطقة مستنطقة للداخل والخارج ، مستلهمة التراث الفكري واللغوي والمكاني كما تنضح به منطقة الخليج العربي المفعمة بتفاصيل المكان والزمان، ومستجدية للجديد متوسلة للإبداع في أرقى صوره، ملتحمة مع لحمته في تكوّن نصي بديع خاص جدا، يشي بصاحبته من أول عناق بين المتلقي والنص ، فهي للمران والنسج العتيق والعريق، خلقت بينها وبين الحروف ألفة فعرفت كيف تأتيها الفكرة ومن أي باب تدخل هادئة ساكنة قلقة مقلقة حتى اتخذت للنص شكلا خاصا ونكهة خاصة ورائحة خاصة ولونا خاصاً يشبهها هي فقط ويذيع عنها داخلها وخارجها في حميمية يقل نظيرها بين المبدع والنص، حيث يأذن كل منهما في أن ينوب عن صاحبه في الحضور·
هكذا هي غنيمة زيد الحرب، شلالات من النور والضياء ، تتشكل نصا منسلخا من الزمان والمكان، من القديم والجديد، ملتحفا بالذات الوجع والرفض راقصا رقصة الجمال، ينسج لغته على فورة دم الأنثى المشتغلة بالداخل والخارج بعيدا عن الغنائية المباشرة والتقريرية الرتيبة و عن التلاشي والغموض أو القصدية الإبداعية الإقصائية للمعايير الجمالية·
1 - في مهرجان الخنساء (سلطنة عمان ) (2002)
النصوص من مجموعتي الشاعرة - غنيمة زيد الحرب · هديل الحلم· 1993. في خيمة الحلك 1993
ü شاعرة وكاتبة من سلطنة عمان