رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 29 شعبان 1424هـ - 25 أكتوبر 2003
العدد 1600

"الخطاب الفكري الجزائري - الهوية نموذجا" في رابطة الأدباء
د· الزواوي: "الهوية" في الجزائر إشكالية ثقافية·· قمعت بحلول سياسية!

·         ظهور الهوية الوطنية جاء على يد الاستعمار

·         المسألة الأمازيغية تطرح حق الاعتراف والاختلاف

 

كتب المحرر الثقافي:

اختصر د· الزواوي بغوره الأستاذ بقسم الفلسفة بجامعة الكويت، موضوع المحاضرة المعلن عنها تحت عنوان "الخطاب الفكري في الجزائر بين النقد والتأسيس" في "الهوية نموذجا" كأحد عناصر الخطاب الفكري·

ومضى د· الزواوي في محاضرته الى تشخيص الإشكالية التي ظلت لعقود عدة تبحث عن حلول في الخطاب الفكري الجزائري، وذلك في تأكيده على أن الكثير من متناولي قضية الهوية في الجزائر ينحرفون بها الى مجالات السياسة التي لن تفضي بها الى حلول، لكونها قضية ثقافية بالأساس·

بدأ د· الزواوي محاضرته التي أقامتها رابطة الأدباء، وقدمه فيها الباحث والكاتب عباس يوسف الحداد، بمسحة عامة حول الخطاب، والمجالات المختلفة التي يمكن تناوله من خلالها، كالتحليل اللغوي، والتاريخي، والموسوعي، أو من خلال ما يطرحه "الخطاب" من قضايا·

ثم يطرح د· الزواوي مجموعة من المفاهيم يرى ضرورة مناقشتها خلال تناول موضوع الهوية، كمفهوم الهوية ذاته، والهوية الثقافية، والوطنية، والشخصية، ويتساءل: لماذا تطرح الهوية اليوم بإلحاح؟ ولماذا طرحت في جزائر القرن العشرين ولم تطرح قبل هذا التاريخ؟ ولماذا اقتصر طرحها على جيل الحركة الوطنية والاستقلال ولم تطرحها الأجيال الأخرى السابقة؟! ما هي التيارات التي تناولت موضوع الهوية؟ هل يمكن الحديث عن هوية من دون الوعي بالتاريخ؟ ثم يردف د· الزواوي بتساؤلات أهمها: ماذا يعني الوعي بالتاريخ عندما يكون التاريخ مزورا أو مؤولا تأويلا معينا أو موظفا توظيفا معينا؟ هل الهوية هي اللغة والدين والثقافة والتاريخ والذاكرة والمكان أم هنالك عناصر أخرى؟ ثم ينتهي الى سؤال: هل تطرح هذه الأسئلة على التاريخ الجزائري المعاصر في مجمله أم أن لكل مرحلة معينة أسئلتها؟

ويحدد د· الزواوي الهوية المطروحة وهي الهوية الوطنية في التاريخ، ليركز مجمل محاضرته على الاستشهاد بقول لأحد الكتاب الوطنيين في الجزائر (فرحات عباس)·

الجزائر·· خرافة

يشير د· الزواوي الى أن مقال فرحات عباس المنشور عام 1936 أحدث ضجة في أوساط التيارات السياسية والدينية والمثقفين، وكان المقال عبارة عن افتتاحية بعنوان "على هامش الوطنية - فرنسا هي أنا" وقد شكلت ردود الأفعال بعد ذلك جدالا بين الموافقة والرفض، وتأسيسا لبدايات التفكير بمفهوم "الهوية"·

ويعطي د· الزواوي تفسيرات كثيرة لدوافع الكاتب فرحات لكتابة مقاله، وهو المشهود له بالعمل الوطني المخلص، وأولى التفسيرات أن ذلك المقال كان ردا على خطاب آخر نشر في جريدة "الزمن" يتهم النخبة "المتفرنسة والمعربة" بتهم كثيرة، كما أن فرحات قد ضمن مقاله دفاعا عن جمعية العلماء، ودافع عن حقها في تعليم وتدريس اللغة العربية والعلوم الدينية والعصرية، وينفي في مقاله انتساب الجمعية الى الحركة الوهابية والقومية العربية، مبينا أن السماح بالتعليم يحمي المجتمع الجزائري من خرافات الطرق الدينية والدروشة·

ويقول د· الزواوي إنه من غير الموضوعي التركيز على منطوقات معينة واردة في مقال فرحات عباس مثل قوله: "لو أنني اكتشفت الأمة الجزائرية لأصبحت وطنيا·· الجزائر باعتبارها وطناً، خرافة لم اكتشفها، لقد سألت التاريخ، وسألت الموتى والأحياء، لقد زرت المقابر: لم يحدثني عنها أحد··"، لتصبح هذه العبارات وسيلة للتوظيف وتحريف الخطاب، رغم الحاجة الماسة للتساؤل حول مفاهيم أخرى مثل "الجزائر - التاريخ"، "الجزائر - الوطن"، "الأمة الجزائرية"·

ويتساءل د· الزواوي: بما أن خطاب فرحات قد انصب على الخطاب الاستعماري الذي كان يروجه الفرنسيون، "فهل يعني هذا سقوط فرحات عباس في الخطاب الاستعماري الذي ناضل ضده طوال حياته"؟! ويضيف "هل يكفي القول إنه مجرد خطأ؟!"·

ويتوقف د· الزواوي عند مفارقة تاريخية، في قوله "إن الاستعمار بخطابه ووجوده كان عاملا أساسيا في ظهور الهوية الوطنية في ثلاثينات القرن الماضي"، بدليل اتفاق مختلف خطابات الحركة الوطنية على أن تلك المرحلة كانت مفصلية في التاريخ الجزائري وبحثه عن هويته·

ويعود د· الزواوي للتعليق على "خطأ" فرحات عباس للقول إن: "للخطأ أهميته في التاريخ، لذا سنرفع عنه حكم الخطيئة والتجريم السياسي، ثم إن التاريخ والفكر لا يتوقفان عند خطاب واحد اللهم إلا عندما تكون الغاية هي إصدار الحكم"·

لا ثوابت للهوية

ويستعرض قضية "الهوية" في الخطابات الأخرى التي تناولتها الحركات الوطنية مثل كتابات عبدالحميد بن باديس وحزب الشعب وحركة انتصار الحريات والديمقراطية، حينما تم التركيز على مشكلة الهوية كمسألة نظرية فكرية تخص النخب، وليست واقعية، والتأكيد على أن الجزائر أمة قائمة بذاتها، مما سبب انشقاق حزب الشعب بعد طرح المسألة الأمازيغية، كما طرح الحزب الشيوعي الجزائري طرحا نظريا من خلال مرجعية ماركسية·

ويختتم د· الزواوي موضوع محاضرته بطرح حلول عقلانية تساعد في فهم إشكالية الهوية في الجزائر، وتبين المعوقات التي أدت إلى انفجارات الاختلاف والتنابذ والاحتراب الأهلي، فيقول: "إن ربط السلطة للهوية بمبدأ الثوابت، قد أدى الى كثير من العنف السياسي، من هنا نعتقد أن المدخل السليم لمعالجة قضية الهوية هو النظر إليها في مسارها التاريخي، ثم فتحها على المختلف، لذا يمكننا الحديث في حالة الجزائر عن أشكال من الهوية أهمها الهوية التحريرية وهي تلك الهوية التي شكلتنا كأمة مستقلة عن بقية الأمم، والهوية المرتبطة بالحق في الاعتراف والاختلاف وهو ما طرحته المسألة الأمازيغية، والهوية المتصلة بالحق في المعارضة، وعليه نعتقد أن فتح الهوية على الآخر والمختلف، والنظر إليها في إطار من التعدد المنسجم، وتخليصها أو تحريرها من الهيمنة، وفتحها على التاريخ والمستقبل مع ضرورة الاعتراف بالآخر وقبول الغير وتنمية ثقافة العيش معا، من خلال ثقافة الحوار واحترام الآخر في اختلافه وغيرته مع ربطها بالحرية والالتزام، كل هذا يؤدي في تقديرنا الى تصور مناسب للهوية، تصور يجمع بين قيم التاريخ والحداثة، تصور يمكننا من الانسجام مع ماضينا ويعطينا القدرة الكافية على التكيف مع حاضرنا ومحيطنا العالمي"·

طباعة  

قراءة
 
وتــد
 
مقال
 
لقطة
 
المرصد الثقافي
 
سنوات التكوين في الكويت