الليل·· يستباح!
نشمي مهنا
لليل فرادته، لا تنازعه عليها مواقيت باهتة، لا صباح خاطفا عجولا، لا نهار ننشغل به عنه، لا غروب مائلا بصفرة الروح·
لذا، فالليل أصل ألوان أحاسيسنا، سوادنا الناصع، وأبانا الذي يرمي بنا في جوف بئر النوم، ويظل يتهجّد قرب حوافّها، يتلو على رؤوسنا الأحلام، لكنه ليس دوما كذلك· هو أيضا النافخ في نايه لتحضير وليمة عامرة بأشباح، تتراقص على مآدبه خلف نوافذنا، تتغامز عيونها من ثنيات عباءته، فيلاطفها بقلب شجاع· يزرع لنا أفخاخ المكائد بعناية ويقفز فوق أعشاشها المخادعة·
طاغ آسر، بحضوره فقْد، يُفقدنا ذواتنا لنلتقيها صدفة بين جنباته، نتعثر بملامحنا كأنما للمرة الأولى، يظل طاغيا وآسرا، ونظل خفافا عرايا·
في مرجل من شوق، يلقينا، ويظل يطفئنا بالجمرات، يفتح باب قياماته مؤتنسا بعذاباتنا، متحججا بقلة زوّاره، وندرة مواسم العشق في المئة سنة الأخيرة·
يرفع غلالات شفيفة، لا تحتاج منه الى عناء، لنطل على خدر الغوايات، نتآكل على عتباتها، نندفع، ونرمي بأرواحنا على حرائرها الملكية، نفترش رغباتنا، نشتّم روائح الغابات الأولى، وعبق الرذاذ المتساقط على خضرة أوراقها، نداء الأشجار أو حمحمة بين أحضانها، وخليط أنفاس مشتبكة بين أغصانها هناك، وهناك أيضا نشتّم عرق الطين المبلول قبل أن يحيله اليأس الى فخّار·
üüü
الليل يضعنا بين أحضان الرغبة، ويظل نبيّا حتى الفجر·
üüü
نعلم أنه يعاملنا باستخفاف، حينما يطعمنا الأحلام لهدف واحد فقط (سخيف وغبي) هو "أن ننام"، لكننا·· ننام، ننام بالفعل، في كل مرة، قبل أن نصل الى نهاية الحكاية ونعرف أيّنا الغبي!
üüü
والليل ضيفنا الغني الواثق القانع، نؤمّنه على مناجم خيراتنا، مطمئنين على خزائننا، واثقين بمروءته حينما يتجول في ردهاتنا··
في آخر شروق مرّ على عيوننا اكتشفنا أنه كالنملة يسرقنا حبة حبة، ليراكم محاصيله من أرباع أعمارنا!
üüü
كل عام، نعاقبه طوال شهر عربي كامل، نتجرأ جميعنا دفعة واحدة على خدش مهابته، نقلب سكينته ضوضاء، وسواده بياضاً، نستبيح ساحاته بالسهر، ونحرض أطفالنا للهو بأشباحه·
ففي رمضان لا يعود الليل ليلك وحدك، إنه الواضح، البرىء، العمومي··
nashmi@taleea.com