ربما جاءت الغارة الإسرائيلية على سورية التي حظيت بضوء أمريكي أخضر عبر عنه الرئيس بوش بتأييده لحق إسرائيل بالدفاع عن النفس دون الالتزام بأي حدود والطلب من كل من إسرائيل وسورية ضبط النفس وكأن سورية هي التي قامت بضرب إسرائيل، ربما جاءت الغارة وتداعياتها لتوضح طبيعة التحالف الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي والدور الذي يمكن أن تلعبه إسرائيل كمطرقة عسكرية في تشكيل الشرق الأوسط الجديد في "القرن الأمريكي الجديد" كما رسمه اليمين الأمريكي المتطرف·
لكن المفكر الإسرائيلي جف هالبر (Jeff Halper) منسق "اللجنة المضادة لهدم المنازل" في فلسطين يقول في المقابلة التي ننشرها في هذا العدد بعنوان "إسرائيل والامبراطورية" إن إسرائيل لم تعد فقط أكبر حاملة طائرات أمريكية في العالم مثلما "كنا نقول خلال الحرب الباردة" فالذي يغيب عن نظر الجميع هو أن إسرائيل قد مركزت نفسها وبشكل استراتيجي وسط مركز الصناعة العسكرية الدولية، فالمعدات الإسرائيلية عالية التقنية وكذلك البرامج العسكرية (Software)، ذات أهمية قصوى لتطوير الأسلحة الأمريكية·
ولقد أصبحت إسرائيل كذلك المقاول الرئيسي من الباطن للأسلحة الأمريكية، ففي العام الماضي وحده، وقعت إسرائيل عقدا لتدريب وتجهيز الجيش الصيني بالمعدات، ووقعت عقدا آخر بمليارات عدة من الدولارات لتدريب وتجهيز الجيش الهندي بالسلاح، وأي سلاح؟ تجهيزه بالسلاح الأمريكي وما تقوم به في هذا المجال هو أنها تجري تعديلات طفيفة على الأسلحة الأمريكية وتصدرها على أنها أسلحة إسرائيلية دون أي احتجاج من الكونغرس·
وأهمية إسرائيل ليست لأنها مطور مهم للأسلحة عالية التقنية ومسوق لها، وهي كذلك، ولكن لأنه لا توجد أي ضوابط أخلاقية أو قانونية تحدها، فليس هناك كونغرس ولا محاذير من خرق حقوق الإنسان ولا قوانين ضد الرشوة، والحكومة الإسرائيلية تستطيع أن تفعل ما تشاء دون حسيب، ولذلك فلديك دولة مارقة - بالغة التطور
- ليست دولة مارقة كليبيا، ولكنها دولة مارقة عالية التقنية والتخصص العسكري، وهذا عظيم المنفعة لكل من أوروبا والولايات المتحدة·
لقد مكن هذا الدور الكبير الذي أصبحت تلعبه إسرائيل في صناعة السلاح وتسويقه من أن تتحول إلى قوة حقيقية داخل النظام السياسي الأمريكي، فاللوبي الصهيوني لا يطالب أعضاء الكونغرس بمساندة إسرائيل لأنها جزء من الحضارة "اليهودية المسيحية" أو لأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وهو يفعل ذلك، ولكنه يطلب التأييد لأنه يوضح لعضو الكونغرس عدد الصناعات التي تساهم فيها إسرائيل في ولايته وما يترتب عليها من شبكة أعمال وعدد مواطني الولاية الذين يتعيشون على الصناعات العسكرية ويترجمون ذلك الى درجة الإيضاح بأن منطقته تعتمد على إسرائيل في معيشتها، ولذلك من الصعب أن يصوت ضد إسرائيل رغم أنه يعرف جيدا ما تقوم به إسرائيل من انتهاكات·
إن ذلك يكشف لنا لماذا تقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة ولو بشكل متفاوت مع إسرائيل على هذا الموقف، فكيف إذا اتفقت بينها وبين من يحكم إسرائيل الرؤى؟ وهذا هو الإطار الذي تستطيع فيه حكومة مثل حكومة شارون تطبيق سياسات رهيبة ضد الفلسطينيين - يكشفها "هالبر" - وبإسناد مبيت من الإدارة الأمريكية·
يقول هالبر: "إن ما يجري الآن في فلسطين هو تطبيق لاستراتيجية اليمين الإسرائيلي بخلق "دولة" فلسطينية يستطيع أن يُحجز فيها ملايين الفلسطينيين حتى لا يفضي اندماجهم مع إسرائيل إلى القضاء على الحلم الصهيوني، ولكنها دولة تقوم في معازل بانتوستانات (Bantustan) تحكمها إسرائيل (بشبكة السيطرة) من خلال القوانين والتخطيط والحركة والبناء والتجارة وذلك بربط فلسطين بشبكة الطرق الإسرائيلية وربطها بأنظمة الكهرباء وأنظمة المياه والأنظمة المدنية وغيرها، مع الاحتفاظ بالهيمنة العسكرية وضم أجزاء من القدس والضفة الغربية"·
ويقول هالبر إن ما يجري الآن في فلسطين هو تدمير وتهجير الطبقة المتوسطة المقاومة للمشروع الصهيوني عن طريق الحصار والتدمير الاقتصادي والبنى الأساسية وجعل الحياة مستحيلة وهو ما يسمى "بالترانسفير الهادئ" في مقابل "الترانسفير" التهجير العنيف الذي تركته إسرائيل كملاذ أخير لا يتحقق إلا ضمن ظروف "ثورية" أو حروب·
ويواكب تدمير الطبقة المتوسطة وتهجيرها قتل وتصفية القيادات الفلسطينية الذي بدأت فيه إسرائيل منذ وقت طويل مثل قتل أبو جهاد، ويستمر الآن بعنف حتى تتحول الجماهير المتبقية، كما يحلم اليمين الإسرائيلي المتطرف الى كتلة طيّعة التشكيل تقودها قيادات هشة وعميلة تقبل بدولة "البانتوستانات" على نمط قيادات الدويلات التي كانت تقوم في جنوب إفريقيا العنصرية·
هذا المقال يستحق القراءة أكثر من مرة·
صالح النفيسي
طالع صفحة ترجمات