· الاقتصاد الإسرائيلي أكبر بثلاثة أضعاف من اقتصادات مصر وسورية ولبنان والأردن وفلسطين مجتمعة
· شبكة السيطرة الإسرائيلية تجعل الدولة الفلسطينية المقترحة مجرد كانتونات معزولة
· إسرائيل تبيع لشركات الأسلحة الأمريكية ما يحظر الكونغرس تصديره
· الاحتلال أصبح دائما وإسرائيل تتحول الى نظام فصل عنصري أسوأ من جنوب إفريقيا
· بن غوريون رفض عرضا من عبدالناصر لإجراء مفاوضات سلام عام 54
· لا أصدقاء لإسرائيل في العالم سوى أمريكا وجزر سيشل وميكرونوسيا!
· إقامة دولتين ليس الحل الأمثل في فلسطين
· الإسرائيليون أمام خيارين: دولة فلسطينية أو تهجير سكان الضفة إلى الأردن
· سياسة الاغتيالات الشارونية تهدف الى تصفية كل معارضي دولة الكانتونات
· الأحزاب تهيمن على القرار السياسي في إسرائيل وليس الشعب
لأهمية هذا الموضوع فقد تم تأجيل الحلقات التالية من: هجمات 11 سبتمبر: هل أطلقت صراع الحضارات؟ والمترجم عن "الإيكونوميست" على وعد بنشرها في العدد المقبل·
أجرى رئيس تحرير النشرة الإلكترونية
from occupied palestine.org
جون إيملر الذي يتولى الآن تغطية الأحداث في إسرائيل وفلسطين، مقابلة مثيرة مع خبير علم الإنسان ومنسق "اللجنة الإسرائيلية لمناهضة هدم المنازل" جيف هالبر·
وكشف هالبر في هذه المقابلة عن مخططات إسرائيل الخطيرة لمستقبل الفلسطينيين والأراضي المحتلة من خلال ما أطلق عليه "شبكة السيطرة" Matrix Of Control ومنظور إسرائيل للدولة الفلسطينية التي لن تكون أكثر من "بانتونات" معزولة على %42 من الضفة الغربية، كالتي كانت قائمة في جنوب إفريقيا إبان نظام الفصل العنصري Aparthed، ويرى هالبر أن لدى أرييل شارون خطة محكمة للتخلص من القيادات الفلسطينية الوطنية وفرض قيادة بديلة من خلال التخلص من الطبقة الوسطى في المجتمع الفلسطيني عبر "الترانسفير الهادئ" أي بفرض أوضاع سيئة على الأرض تدفع بهذه الشريحة الى الهجرة، ويعتقد أن إسرائيل لن تتورع عن تنفيذ خطة الترانسفير إذا شعرت أن الخطر الديموغرافي الفلسطيني يهدد وجودها·
وربما كان أخطر ما تكشف عنه هذه المقابلة هو سر القوة التي تتمتع بها إسرائيل في التأثير على السياسات الأمريكية وعلى الكونغرس، وذلك لأنها نجحت في تبوّء مكان لها في قلب الصناعات العسكرية والدفاعية الأمريكية، بحيث أصبحت إسرائيل المقاول الأكبر من الباطن للأسلحة والمعدات العسكرية الأمريكية·
ويعتقد هالبر أن تقدم إسرائيل الصناعي في مجال التكنولوجيا والأسلحة جعلها تحظى بأهمية كبيرة للولايات المتحدة، فقد أصبح بوسعها أن تدخل تعديلات طفيفة على أسلحة أمريكية وتبيعها لدول أخرى على أنها منتجات إسرائيلية، متجاوزة بذلك القوانين الأمريكية والقيود التي يفرضها الكونغرس على تلك الدول، مثل كولومبيا وغواتيمالا وزائير وأوروغواي والأرجنتين وتشيلي وبورما وليبيريا والكونغو وسيراليون وكازاخستان وأوزبكستان وأندونيسيا·
وأخيرا، يؤكد هالبر أن قوة إسرائيل في الكونغرس لا تنبع من كونها دولة يهودية أو الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، بل من ارتباطها العضوي مع كبريات شركات تصنيع الأسلحة والأنظمة الدفاعية في الولايات المتحدة، الأمر الذي جعلها "الأوزة التي تبيض ذهبا" بالنسبة لأصحاب المصالح في الكونغرس·
وهذا الوضع، جعل صانعي السياسات والتشريعات في الكونغرس يضعون إسرائيل فوق القانون الدولي وفوق المساءلة عن أي جرائم ترتكبها، وهي الطرف الضعيف والضحية وأن ما تقوم به هو على سبيل الدفاع عن النفس، على الرغم من أنهم يدركون حقيقة الأمر وأن إسرائيل هي جزء أساسي من الامبراطورية الأمريكية·
وفيما يلي نص المقابلة:
· كثيرا ما تستخدم مصطلح "شبكة السيطرة" Matrix Of Control لوصف الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، فهل لك أن تشرح لنا كيف تعمل هذه الشبكة؟
- عادة ما يتم وصف الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني من منظور الأرض، فكثيرا ما نسمع عبارات مثل، إنهاء الاحتلال، ودولة فلسطينية قابلة للحياة، ولكن الحل القائم على أساس دولتين والإنهاء الكامل للاحتلال، حتى في أفضل السيناريوهات، ليس هو الحل، فالدولة الفلسطينية ستقوم على 22 في المئة من فلسطين التاريخية، وهي عبارة عن الضفة الغربية وقطاع غزة، ودولة إسرائيل اليوم في حدود ما قبل عام 1967 تمثل 78 في المئة من فلسطين، ولذلك، فإنه حتى في وجود حل مثالي للنزاع، وإذا ما زال الاحتلال وانسحبت إسرائيل الى حدود ما قبل عام 1967، فسوف تكون الدولة الفلسطينية على مساحة 22 في المئة فقط من البلاد، فلا يمكن لإسرائيل التنازل عن أكثر من ذلك، حتى أن هناك إشارة استفهام حول إمكانية انسحابها لحدود ما قبل عام 1967·
ولكن إسرائيل تريد قيام دولة فلسطينية لأنها بحاجة للتخلص من ثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني يعيشون في الأراضي المحتلة، فإذا لم تستطع ترحيلهم خارج البلاد، فإنها تريد - على الأقل - حشرهم في بانتونات صغيرة تسمى دولة، وهكذا، فإن المسألة ينظر إليها من منظور الأرض ويغفل الناس عن مسألة السيطرة·
ويمكن توضيح الأمر على النحو التالي: هل سيكون للفلسطينين في النهاية دولة قابلة للتطور الاقتصادي وتتمتع بالسيادة السياسية الكاملة وتسيطر على حدودها ومواردها كالمياه مثلا؟ هل سيكون للفلسطينيين دولة ذات تواصل جغرافي ويتمتع فيها الناس بحرية الحركة؟ هل ستكون دولة فعلية، حتى لو كانت صغيرة، أم أنها مجرد بانتونات خاضعة للسيطرة الإسرائيلية؟
دولة فصل عنصري
وهكذا، فإن شبكة السيطرة تتحدث عن كيفية سيطرة إسرائيل على الفلسطينيين، بوساطة ربط الضفة الغربية بإسرائيل من خلال الطرق ومن خلال أنظمة الربط الكهربائي وأنظمة المياه والأنظمة المدنية، وما الى ذلك، إنها تتحدث عن الإبقاء على السيطرة العسكرية والاحتفاظ بأجزاء من أراضي ما بعد عام 1967 مثل مدينة القدس وأجزاء من الضفة الغربية، وهو ما يجعل الفلسطينيين يعيشون في جزر غير قابلة للحياة·
وتتحدث شبكة السيطرة عن استخدام التخطيط والقانون والإدارة البيروقراطية للسيطرة على عمليات التنقل والبناء والنشاط التجاري للفلسطينيين، بعبارة أخرى، ما تعنيه شبكة السيطرة هو أنه بالإضافة الى السيطرة العسكرية واحتلال الأرض، تمارس إسرائيل المزيد من القمع وعلى الفلسطينيين، فهي تتحكم بالمياه، والحدود والقدس، وتتحكم بالجيش الفلسطيني وبحرية الحركة لدى المواطنين الفلسطينيين، وما لم يتم تفكيك هذه الشبكة، فكأننا لم نفعل شيئا، فهذه الشبكة تمثل الفارق بين دولة فلسطينية حقيقية ومجرد بانتون Bantustan مقطع الأوصال·
والآن، فإنني لا أعتقد أن بوسعنا تفكيك شبكة السيطرة لأنها قطعت شوطا بعيدا وأصبح الاحتلال دائما، لقد أصبحنا في دولة فصل عنصري Apartheid، لكن لا يتفق الجميع معي في هذا الرأي، ومنهم على سبيل المثال، يوري افنيري، فالناس الذين يؤيدون الحل القائم على دولتين يعتقدون أن بالإمكان إزالة الاحتلال، أو أن بوسعنا إزالة ما يكفي من الاحتلال لقيام دولة فلسطينية، ولكن الخطر على هذه الدولة يكمن في عدم فهم أبعاد "شبكة السيطرة"، ففي هذه الحالة أنت تتحدث عن بانتونات، لا عن دولة، أعني أن شارون يريد هو الآخر، قيام دولة فلسطينية، لكنه يريدها تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وهكذا، فإذا كنت تنظر للأمر من زاوية الأرض فقط ولا تلتفت الى مسألة السيطرة، فسوف تجد نفسك تدافع عن قيام بانتونات فلسطينية·
خطة محكمة
· هل تعتقد أن هناك خطة سياسية بعيدة المدى في إسرائيل أم أنها مجرد ردود فعل؟
- حسنا، هناك من يتهم شارون بأن لا خطة سياسية له، وأن ما يقوم به ضربات عمياء لما يسمونه بـ "البنية التحتية للإرهاب"، ولكني أعتقد أن لديه خطة سياسية محكمة تتمثل في إقامة نظام للفصل العنصري، وشارون يطلق على ذلك "إقــــــامة كـانتـــــونات Cantonezation فلسطينية على 42 في المئة من الضفة الغربية على شكل ثلاث أو أربع جزر معزولة ومحاطة وخاضعة للسيطرة الإسرائيلية·
وتتضمن الخطة دفع الفلسطينيين الى الاستسلام من خلال فرض قيادة فلسطينية ضعيفة توافق على هذه البانتونات وهذه الكانتونات، كما تشمل التخلص من الطبقة الوسطى الفلسينية التي تعارض مثل هذا الحل من خلال ما نطلق عليه "الترانسفير الهادىء"، أي إجبارهم على الرحيل من خلال فرض أوضاع سيئة وتعليم سيء، وبالتالي إيجاد وضع يقبل فيه الفلسطينيون سلبيا بهذه البانتونات، ولا يقول شارون ذلك تصريحا، بل يترك الأمور غامضة بشكل متعمد، ولكن هذا ما يخطط له·
· هل يمكن أن يؤدي التحرك باتجاه الحل القائم على دولة واحدة للشعبين، كما تقترح، الى زيادة احتمالات حدوث عمليات تطهير عرقي تقليدي؟ كما قال شارون ذات مرة أن هناك دولة فلسطينية بالفعل في الأردن؟
- هذا يعتمد على درجة التهديد الذي يمثله ذلك على إسرائيل، فهي ليست بحاجة الى تطهير عرقي في هذه المرحلة لأنها تسيطر على البلاد بأكملها· إن قيام دولة فلسطينية هو أمر ضروري لإسرائيل، لأنه ما لم يقم الفلسطينيون دولتهم، فسيظل هناك خطر وجودي يتهدد إسرائيل· فهناك ثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني في "المناطق" وأكثر من مليون فلسطيني داخل إسرائيل، وهو ما يهدد بقاء اليهود كأغلبية، ولذلك، فإن الطريقة الوحيدة للحفاظ على بقاء اليهود كأغلبية هو في وضع الفلسطينيين في جزر صغيرة تسمى دولة، وهذا ما تحاول إسرائيل فعله·
قد لا تنجح مثل هذه الخطوة الآن بسبب رفض المجتمع الدولي لفكرة البانتونات، كما كان عليه الحال في جنوب إفريقيا، أو بسبب استمرار المقاومة الفلسطينية أو بسبب المطالبات بدولة واحدة وإبداء اللاجئين الفلسطينيين الرغبة بالعودة، ولكن في الوقت الذي تشعر فيه إسرائيل بأنها مهددة ديموغرافيا - وبالتالي وجوديا - فقد تلجأ الى الترانسفير الفعلي كخيار أخير·
حرب اغتيالات
· تعقيبا على فكرة الترانسفير، كتب ديفيد بن غوريون في الثلاثينات أن "الأمر غير المقبول في الأحوال العادية قد يصبح مقبولا في زمن الثورة، وحينذاك إذا ضيعت الفرصة ولم تنفذ خططك في تلك الساعات المهمة، فإن كل شيء يضيع من بين يديك"·
· فهل عمليات الاغتيال التي تقوم بها إسرائيل تستهدف خلق "أوقات الثورة" كحجة لتنفيذ مآربها، كما فعلت حين نفذت غارات جوية على جنوب لبنان عام 1981 وأوائل عام 1982 من أجل استدراج الطرف الآخر للرد الذي وفر لها الذريعة لغزو لبنان عام 1982؟
- الاغتيالات تستهدف في الأساس تدمير القيادة الفلسطينية الحقيقية، فهي تريد زعامة فلسطينية عميلة كي تنفذ مشروع البنتونات، لقد قلت لصديقي الفلسطيني قبل أيام "انظر إن أبو مازن لم ينجح في مهمته ولا يبدو أن أبو علاء سوف ينجح، ألا يوجد قيادي فلسطيني قوي؟ فأجابني: لقد قتلتهم إسرائيل جميعا، لقد قتلوا معظم القيادات الفلسطينية مثل أبو جهاد والآن يهددون حياة عرفات، إنهم يقتلون كل القيادات التي يمكن أن تقف في وجوههم ولا تسمح ببقاء أحد سوى من يقبل بالتوقيع على قبول البانتونات، وأعتقد أن هذا جزء من استراتيجية إسرائيل، فهي تعتقد أنها إذا هزمت الفلسطينيين عسكريا، فيمكنها دفعهم الى الاستسلام، ولذلك تحاول تحطيمهم عسكريا·
· هل يوجد حل عسكري لهذا الصراع؟
- شارون يؤمن أن بالإمكان حل الصراع بالطرق العسكرية، وتعمل الحكومة والجيش في إسرائيل على أساس الافتراض بأن هذا وضع إما أن تكسبه أو تخسره، وبأن بالإمكان أن تكسب إسرائيل وتجعل الفلسطينيين أكبر الخاسرين، فقد نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن رئيس أركان الجيش موشيه يعالون قوله قبل شهرين إن إسرائيل قد كسبت المعركة ولم تبق سوى الرتوش،والاغتيالات هي جزء من الحرب لهزيمة الفلسطينيين، كما أنها أيضا جزء من عملية سياسية تستهدف تصفية القيادات التي لا توافق على خيار البانتونات·
معادلة الرعب
· هل يمكنك أن تصف ما أطلق عليه "معادلة الرعب" داخل المجتمع الإسرائيلي؟ وكيف أدت المصافحة التاريخية بين رابين وعرفات الى هز معادلة "العرب أعداؤنا"؟
- خلال الفترة من عشرينات القرن الماضي وحتى عام 1993، كنا نزرع في كل جيل يهودي أن "العرب هم أعداؤنا"، ونحن الأخيار وهم الأشرار، إنهم إرهابيون لا يريدون سوى قتلنا و"إلقاءنا في البحر" وأن لا حل سياسياً للصراع معهم، ولكن بعد "أوسلو" بدأت الأمور تتغير·
في أوسلو، العالم كله سجل تحولا، فقد شاهد الإسرائيليون في كل بيت تلك المصافحة وبدأ الكل يفكر في أن دولة فلسطينية قد تقوم الى جانب إسرائيل، وقد تضطر إسرائيل الى إنهاء الاحتلال، وربما حل مشكلة اللاجئين، في وقت كانت لا تزال هناك "معادلة الرعب"، وفي عامي 94 و95 بدت هناك آفاق لتغيير تلك المعادلة، بيد أن نافذة التغيير أغلقت مرة أخرى مع انتخاب بنيامين نتانياهو عام 1996·
لقد حسمت تفجيرات "حماس" للحافلات الإسرائيلية في ذلك العام السباق الانتخابي بين بيريز ونتانياهو لصالح الأخير، بفارق ضئيل جدا، وهذا بالطبع، أدى الى انهيار عملية أوسلو برمتها، فمع انتخاب نتانياهو عادت "معادلة الرعب" الى ما كانت عليه، بل إنها أصبحت اليوم - في عهد شارون - أكثر تجذرا من ذي قبل·
· علق نورمان فينكليشتاين ذات مرة بأن الإسرائيليين يضيعيون أوقاتهم دائما بانتظار "المعجزة" مثل وعد بلفور عام 1917 وموافقة أمريكا والاتحاد السوفييتي "السابق" على قيام دولة إسرائيل عام 1947، وخلال الأزمة الاقتصادية الخطيرة في إسرائيل عام 67 جاءت "معجزة" حرب الأيام الستة، ثم "معجزة" هجرة أكثر من مليون يهودي روسي في أواخر الثمانينات وحين بلغت الأزمة الديموغرافية أوجها في إسرائيل، فهل لك تعقيب على كل ذلك؟
- هذا صحيح، ونحن بالانتظار، لكننا ننتظر من موقع قوة، ففي كل تلك الحالات وعلى الرغم من أننا واجهنا مشكلات، لكننا بقينا الطرف الأقوى، واليوم نحن أيضا ننتظر، لأن الإسرائيليين لايرون بأن هناك أي حل، ولدينا نظام سياسي تكون فيه الأحزاب السياسية هي الحاكم الفعلي "وليس الشعب"، فأنت تصوت لصالح أحزاب وليس لصالح مرشحين في إسرائيل، ولذلك، فإن هناك مسافة شاسعة بين الأحزاب والناس، فلم يحدث في تاريخ إسرائيل أن حصل حزب ما على الأغلبية المطلقة، ولذلك ظلت تقام حكومات ائتلافية مع أحزاب قد لا يوافق عليها الناخب·
الجدار الحديدي
وكما أشار آفي شالايم في كتابه "الجدار الحديدي" فحين حاول جمال عبدالناصر التفاوض مع بن غوريون عام 1954، رفض الأخير ذلك العرض قائلا: إن العرب سيظلون يحاولون صنع السلام معنا لأننا أقوياء، وسيظل العرب يسعون الى السلام، ولذلك لا يمكننا أن نصنعه في هذا الوقت المبكر، أولا دعونا نحصل على كل ما نريد، أي أن الانتظار هنا ليس سلبيا، فأنت تخلق وضعا تقتنص فيه الفرصة، وتكون حينها جاهزا للمساومة·
لقد كانت حرب 67، بشكل ما، معجزة، وأمرا لا يصدق، ومن ناحية أخرى، فحين وقعت، كانت إسرائيل مستعدة لها تماما وعرفت بالضبط ماذا عليها أن تفعله، فخلال أسبوعين فقط، عرضت ما وصفته "خطة دايان" المتمثلة بتوطين اليهود في المناطق المكتظفة بالعرب (كالخليل) وخطة الون التي تقضي بإقامة المستوطنات كخطوط عزل إقليمية في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، وكانت إسرائيل قد سيطرت بالفعل على نصف أراضي الضفة الغربية·
وتقول إسرائيل اليوم إنه لا يوجد حل، ولكننا نحظى بدعم الولايات المتحدة وأوروبا، ونحن أقوياء عسكريا، وسوف يتعين على طرف ما أن يتخلى عن شيء ما في وقت ما، وحين يحدث ذلك، علينا الاستفادة من ذلك، أما الآن، فيمكننا الانتظار·
دولة حاملة طائرات!
· وصف نعوم تشومسكي إسرائيل بأنها قاعدة متقدمة للولايات المتحدة، فما الدور الاستراتيجي الذي تلعبه إسرائيل للامبراطورية الأمريكية، وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للنشطاء المطالبين بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي على الساحة الأمريكية؟ وهل المطالبة بإنهاء الاحتلال في الولايات المتحدة تحظى بالأهمية ذاتها كما في إسرائيل أم أقل أم أكثر؟
- لا أتفق تماما مع تشومسكي، وأعتقد أنه يقلل من شأن قدرة إسرائيل على التأثير على الوضع الداخلي في الولايات المتحدة من أجل خدمة مصلحتها، فإذا أجريت تحليلا عقلانيا، ستجد أن الدعم الأمريكي لإسرائيل ستكون له نتائج عكسية على الولايات المتحدة، فهي تخسر العالم الإسلامي بأكمله وتخسر النفط، وهناك الآن احتلال العراق ومقارنة ذلك بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، لقد كانت هناك جدوى للتحالف الأمريكي - الإسرائيلي إبان الحرب الباردة، فقد كانت النكتة في إسرائيل تذهب الى أنها أكبر حاملة طائرات أمريكية على الإطلاق، ولكن ما جدوى هذا التحالف اليوم؟
فالمفتاح الذي يفقده الجميع باستثناء تشومسكي لأن ذلك هو موضوع دراسته، هو أن إسرائيل وضعت نفسها في موقع استراتيجي في قلب صناعة السلاح العالمية، فأجهزة وأنظمة التسلح الإسرائيلية المتقدمة تحظى بأهمية كبرى لصناعات تطوير الأسلحة في الولايات المتحدة، كما أصبحت إسرائيل المقاول الأكبر من الباطن للأسلحة الأمريكية، ففي العام الماضي وحده، وقعت إسرائيل عقدا كبيرا لتدريب وتسليح الجيش الصيني، ووقعت أخيرا عقدا بمليارات عدة من الدولارات لتسليح وتدريب الجيش الهندي فمن أين لها الأسلحة التي تقدمها لهذين البلدين؟ إنها أسلحة أمريكية·
· إسرائيل مهمة جدا للولايات المتحدة لأنها متقدمة صناعيا في مجالات التكنولوجيا والأسلحة، ومن جهة أخرى، ليست عليها قيود أو ضوابط أخلاقية، حيث لا كونغرس ولا اهتمام بحقوق الإنسان ولا قوانين تمنع الرشوة، ويمكن للحكومة الإسرائيلية أن تفعل ما تشاء، إذن، هناك دولة متقدمة خارجة على القانون، وأنت لا تتحدث عن دولة متأخرة خارجة على القانون مثل ليبيا، بل دولة متقدمة في مجال التقنية والصناعة العسكرية، وقد أصبحت تحظى بأهمية هائلة لكل من أوروبا والولايات المتحدة·
فعلى سبيل المثال، هناك قيود يفرضها الكونغرس الأمريكي على مبيعات الأسلحة للصين باعتبارها تنتهك حقوق الإنسان، وما تفعله إسرائيل أنها تدخل تعديلات على الأسلحة الأمريكية وتبيعها على أنها إسرائيلية متجاوزة الحظر الذي يفرضه الكونغرس·
مقاول من الباطن
وهكذا، تعتبر إسرائيل المقاول الأكبر من الباطن للأسلحة الأمريكية التي تباع الى دول العالم الثالث - فلا يوجد أي نظام رهيب في العالم إلا ويرتبط بعلاقات عسكرية مع إسرائيل من كولومبيا وغواتيمالا وأورغواي والأرجنتين، وتشيلي الى بورما وتايوان وزائير وليبيريا والكونغو وسيراليون·
ويتجول باعة الأسلحة الإسرائيليين في هذه الدول كالمرتزقة، فالرجل الذي كان يزود الجنرال نورييغا في بنما هو الإسرائيلي مايكل هراري، ويلتف المرتزقة الإسرائيليون على العقوبات الدولية المفروضة على سيراليون وأنغولا، وكانت إسرائيل مرتبطة بعلاقات مشبوهة وطيدة مع جنوب إفريقيا إبان نظام الفصل العنصري، وتقوم إسرائيل الآن بتطوير أنظمة صواريخ بالتعاون مع انكلترا وتطوير طائرة عسكرية مع هولندا واشترت ثلاث غواصات متقدمة من ألمانيا، إذن إسرائيل تتلاعب بدول كبرى·
وهناك تجار أسلحة إسرائيليون في الداخل وآخرون ينتشرون كالسمك في البحر في دول ليس فيها انضباط قوي للقانون مثل أوزبكستان وكازاخستان وروسيا والصين وأندونيسيا، هذه الدول التي لا يستطيع الأمريكيون العمل فيها بسبب القوانين التجارية من جهة والقيود التي يفرضها الكونغرس من جهة أخرى·
إذن هذا هو السر، فإذا فتحت موقع اللجنة الأمريكية - الإسرائيلية للشؤون العامة "إيباك" مجموعة الضغط اليهودية الأقوى في الولايات المتحدة، على شبكة الإنترنت، فسوف تجد موضوعا بعنوان "التعاون الاستراتيجي" وفيه أن هناك معاهدة رسمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتحالفاً رسمياً يعطيان إسرائيل الحق في الاطلاع على مختلف أشكال تكنولوجيا الأسلحة·
وحين تريد "إيباك" حشد الدعم لإسرائيل داخل الكونغرس، فإنها لا تذهب الى الأعضاء لتطلب دعمهم لأن إسرائيل دولة يهودية مسيحية ولأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وهو ما تفعله أيضا، بل تحشد التأييد لإسرائيل على خلفية "أنك عضو في الكونغرس وعليك مسؤولية أن تؤيد إسرائيل، لأن ذلك هو السبيل كي يكون للصناعات في ولايتك علاقات تجارية مع إسرائيل ولأن هناك الكثير من الباحثين في مجال التسلح يعملون في الجامعات الواقعة في منطقتك ولأن هناك الكثير من الأعمال في منطقتك التي تعتمد على الصناعات العسكرية والدفاعية"، أي أنهم يحاولون أن يذكروه بمدى اعتماد ولايته أو منطقته على إسرائيل، وبالتالي، فإن التصويت ضد إسرائيل يعني أنك تصوت ضد الدجاجة التي تبيض ذهبا·
امبراطورية
وفي معظم المناطق في الولايات المتحدة، يعتمد أعضاء الكونغرس بدرجة كبيرة على الصناعة العسكرية، فأكثر من نصف العمالة الصناعية في ولاية كاليفورنيا مرتبط بالصناعة العسكرية بشكل أو بآخر، وإسرائيل تقف في وسط كل ذلك، وهذا هو جانب من قوتها·
وحين نأتي نحن أعضاء "اللجنة الإسرائيلية المناهضة لهدم المنازل" الى أحد أعضاء الكونغرس ونتحدث عن حقوق الإنسان وعن الاحتلال وعن الفلسطينيين، يأتينا الرد "انظروا·· أنا أعرف، فأنا اقرأ الصحف ولست أصم، ولكن ليس هذا هو الأساس الذي أعتمد عليه في التصويت، أنا أصوت لما هو في مصلحة أبناء دائرتي الانتخابية"·
ولذلك، إذا كان المرء يفكر في نشاط وحملة دولية، فإن جزءاً أساسيا من ذلك يجب أن يكرس لفضح صلات إسرائيل بالصناعات الدفاعية في الولايات المتحدة، وبصناعات الأسلحة ودعم إسرائيل لأنظمة قمعية وتأييدها لانتهاكات هذه الأنظمة لحقوق الإنسان، وتأثير كل ذلك على العالم·
وإذا أردت الحديث عن امبراطورية، فإن إسرائيل - على الرغم من كونها دولة صغيرة - تمثل عضوا رئيسيا في هذه الامبراطورية، ومرة أخرى، إذا نظرت الى موقع "إيباك" على شبكة الإنترنت، فإنك تجد أنهم يقولونها بصريح العبارة إن مهمة إسرائيل هي حماية مصالح الولايات المتحدة التجارية في الشرق الأوسط، وهم يقولون "إننا (أي إسرائيل) نطور أسلحة الليزر من أجل حماية المصالح الأمريكية، فإسرائيل تعتبر نفسها جزءاً من الامبراطورية الأمريكية وهي تفخر بذلك، ومع ذلك تجني إسرائيل فائدة عالمية كبرى من شن حملة علاقات عامة تصورها وكأنها الضحية، وأنها دولة صغيرة محاطة ببحر من الإرهابيين العرب والمتطرفين المسلمين·
معاداة السامية الجديدة
· لقد أصبحت صورة الضحية أداة سياسية تستخدمها إسرائيل تماما مثل معاداة السامية·
- نعم فمصطلح معاداة السامية تغذيه إسرائيل من فكرة أنها الضحية، لقد أخذت وزارة الخارجية الإسرائيلية تستغل مصطلحاً جديداً خلال السنوات القليلة الماضية هو "معاداة السامية الجديدة"، وعثرت على بعض أساتذة الجامعات الذين يحاولون إكساب هذا المصطلح بعض المصداقية، ويعني أن أي انتقاد لإسرائيل هو ضرب من معاداة السامية، وقد أثبت هذا النهج فعاليته·
فسوف تجد عضو الكونغرس يقول إنه "إضافة الى التصويت لمصلحة جمهور الناخبين في منطقتين، فإن آخر ما احتاجه في جهود إعادة انتخابي هواتهامي بأنني معاد للسامية"، فهذه معادلة معقدة وقوية وتسمح لإسرائيل بأن تظل بمنأى عن المساءلة، ولذلك لا يمكن تطبيق القانون الدولي على إسرائيل، ولا يمكن مطالبتها باحترام التزاماتها تجاه حقوق الإنسان ولا يمكنك تحميلها المسؤولية عن أي جريمة ترتكبها، لأنها هي الضحية وهي الطرف الضعيف ولأن ما تقوم به هو من قبل الدفاع عن النفس، وكذلك لا يمكن لأحد انتقاد إسرائيل، فنحن اليهود والآخرون هم الذين يضطهدوننا، وهذه شبكة معقدة من العلاقات العامة لا يمكن اختراقها، ولهذا السبب أيضا، تزدري إسرائيل وتتحدى كل من يعارضها·
صورة الضحية
فعلى سبيل المثال، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع عشر من سبتمبر الماضي بأغلبية 133 دولة مقابل 4 دول ضد تهديد إسرائيل بإبعاد ياسر عرفات، والدول الأربع هي إسرائيل والولايات المتحدة وميكرونوسيا وجزر سيشل·
وهذا يحدث منذ سنين، وحصل في السبعينات وصوتت ميكرونوسيا الى جانب إسرائيل، فتساءل الإسرائيليون أين هي ميكرونوسيا؟
ولذلك، أرسلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" صحافيا الى تلك الدولة، فذهب إليها فوجد أنها بلاد صغيرة وبدائية حتى أنه لا تصدر فيها صحيفة واحدة، فسألهم لماذا تؤيدون إسرائيل؟ فقالوا له إن 100 في المئة من ميزانيتنا تأتي من الولايات المتحدة، ولذلك نفعل ما يريده الأمريكيون منا، وهكذا، فهذا هو الحليف العظيم لإسرائيل في منطقة المحيط الهادئ! وهذه هي المشكلة، فالعالم كله قد يكون ضد الولايات المتحدة ولا تعبأ بذلك، لأن صوتها يفوق قوة على 133 صوتا في المنظمة الدولية·
إذن نحن بحاجة لتغيير صورة إسرائيل كضحية، بمعنى آخر، علينا إعادة صوغ الأمور، فإسرائيل تعرض الصراع بطريقة معينة وإذا بقينا في إطار ردود الفعل على ما تفعله، فلن نكسب المعركة أبدا، فمن ينجح في رسم صورة الصراع هو الذي يكسب الرهان، ومن ينجح في تحديد إطار الجدل السياسي يكسب، لأن النتائج تستخلص من طريقة صوغ الأشياء، فعلينا أن نفضح إسرائيل باعتبارها دولة إقليمية كبرى وجزءا أساسيا من الامبراطورية الأمريكية، لأنها كذلك بالفعل، فاقتصادها أكبر بثلاثة أضعاف من اقتصادات مصر وفلسطين ولبنان والأردن وسورية، مجتمعة، إسرائيل ليست "داود" المنطقة الصغير، بل هي جالوت·
" المصدر:
from occupied palestine.org "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com