بقلم :جعفر حسن
أصدر فهد حسين كتابه (إيقاعات الذات) في طبعته الأولى عام 2002م، وذلك ضمن مشروع الإصدار المشترك الذي تتبناه وزارة الإعلام ـ الثقافة والتراث الوطني، وقد راقبنا عن كثب ما كتب حول هذا الكتاب سلبا أو إيجابا، و لعل البعض استطاع أن يربط بين عنوان الكتاب باعتباره يتكلم عن إيقاعات الذات و بين تلك الذوات في تفاعلها مع المكان من جهة ، كما أبرزت في خلفية العمل تفاعل ذات الناقد مع النصوص الإبداعية من جهة أخرى، والتي جمعتها السردية كما تتجلى في طابعها الأدبي، ولعل المسألة بعدت عن الهاجس النقدي كما يتبدى أمامنا من خلال اشتغال الكاتب عليها، ولعل فهد حسين في كتابه لامس منطقة شديدة الحساسية حين وصل إلى نص أمين صالح الإشكالي بذاته·
ويتبدى هاجس فهد حسين حول جماليات المكان بشكل كبير حيث يتسلل إلى كل تلك المقاربات لقصص وروايات مختلفة، ربما جمعت بينها تلك المنهجية الصارمة التي عودنا عليها فهد حسين، والتي لم تختف بالرغم من كون تلك المقاربات في أغلبها أعدت في الأصل لتكون مقالات متناسبة مع سرعة الحياة التي تتطلبها الصحافة، وبالرغم من ذلك إلا إن فهد حسين لم يتخل عن تلك المنهجية الظاهرة في نصوصه، ونقول هذا بالرغم من أنه يفتتح هذا الكتاب بالتقرير التالي عن حاله "وحين تعاملت مع هذه الأعمال السردية لم أضع مسبقا منهجا معينا أو موجودا للدراسة والتقصي" ص 10-9 ويبرر ذلك من خلال قوله: "لأن هذه المقاربات كتبت في أوقات متفاوتة وفي ظروف مختلفة، و لم أكتبها منذ البداية لتكون في كتاب" ص 10، ولكن المسألة لا تظهر على هذه الشاكلة فنسمع ذلك الهسيس الهاجس بإيقاعات المكان في تجلياته المختلفة و التي ستنضج فيما بعد بشكل أكبر في دراسة موسعة على ما نعتقد·
فمنذ البداية يميل فهد حسين في تحليل قصة (الحصار) للقاص والروائي عبد القادر عقيل إلى تلمس قيمة المكان كما يتجلى في هذه القصة، وقد كانت مسألة التنظير للمكان طافحة في ذلك التوجس الذي انبرى يتفتق حول المكان المحاصر، ولعلنا لا نستبق القول بأن المكان المحاصر هو سجن معنوي بطريقة ما، ويقوم في المتخيل فنجده يقول "كلما حاولت الدخول والتوغل في دهاليز النص فرض عليك النص تقصي الدلالة اللغوية والبحث في عالم المنظومات المرئية عن فسحة المكان المادي، واللامرئية التي تظهر بعد الولوج في متخيل البعد التراثي الأسطوري الذي سطره متخيل الكاتب الذهني"ص 13·
ومنذ أن لفت انتباهنا مطاع صفدي في ترجمته لمشيل فوكو حول المراقبة والمعاقبة وولادة السجن انتظمنا في تصور حول جماليات المكان فيما بعد للكاتب ذاته، و لكن الفن لا تنفر منه تلك الجماليات وإن كانت تتكلم عن السجن سواء كان حقيقيا أم قائما في المتخيل، ويمكننا تلمسه في الواقع متمثلا في السياج كما يبرزه النص، و حضور الجريمة ·· ليتحول المكان إلى سجن معنوي بالتظافر مع تلك المشاعر الفياضة التي يقتنصها الكاتب ، كما هي الزوجة التي تفرض حصارا أو سجنا معنويا على نفسها ببقائها في البيت·
ولعلنا نلفت الانتباه هنا في هذا الخصوص إلى أن ثقافتنا مليئة بالمكان المتخيل، فمنذ العصر ما قبل الإسلامي كانت هناك تلك التخيلات عن وبار ووادي عبقر التي يعتقد العرب في تلك المرحلة بأنها مساكن الجن ، و العالم الأرضي، وخيالاتهم عن السماوات، وأرض بابل التي بلبلت فيها الألسنة ··الخ، ومدينة الذهب و الزبردج والياقوت التي اختفت عن الأنظار إلى الأبد، لتبقى بذلك في المتخيل الجمعي كما يتجلى في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة·
ولعلنا نحمل في داخلنا تلك التجربة الإنسانية عن المكان المتخيل في حالة الحلم سواء أحلام المساء أم أحلام اليقظة التي تدفعنا للسفر في عوالم الأمكنة والأزمنة المتخيلة بحرية تامة وجمالية باهرة، ولنا أن نتخيل المكان في اندغامه في الحالة النفسية، وبها يتحول ضمن جماليات السرد الروائي والقصصي إلى سجن ما يقع في متخيل الكتابة وفتنتها الخاصة·
أليست الكتابة هي تأبيد للزمن في مساحة المكان؟ أليست الهندسة هي تفكير في الإمكانات المفتوحة على جماليات المتخيل القابل للتحقق في المكان، وما هم أن يكون هذا المكان صفحة ما، هكذا يشير فهد حسين إلى تلك الهندسة المكانية التي يتبعها أمين صالح في كتابته لنص (الطرائد)، فنسمعه يقول: "هذه الإيقاعات جاءت بقياس هندسي، و وجدت في البناء القصصي ليس لتكون مخالفة سردية لواقع تقنيات النظام الحكائي، أو عامل القصص الفني أو من أجل التزويق الجمالي، أو التمظهر الشكلي، بل جاءت في فضاء الأوراق النصية استفزازا للمتلقي لكي يعيش حالة من التأمل في واقعه" ص26·
وربما لن نحتاج إلى كثير من الجهد لندرك تجلي إحساس فهد حسين بالمكان في أثناء كتابته عن (رأس العروسة) لمحمد عبد الملك، حيث إنه ومنذ لحظة العنوان يقول بفضاء الأمكنة فيها، فنسمعه يقول: "فالأمكنة التي تناولها الكاتب في هذه المجموعة كثيرة، وتحمل إيقاعات فنية وجمالية استطاع القاص أن يلبسها الطابع السوسيولوجي، ويقيدها بالحزام المرجعي"ص 34، كما نسمعه في الصفحة ذاتها و هو يقول: "إن للمكان في حياة البشر قيمة كبرى فاعلة منذ التكوين الأول للبشر وحتى نهاية الرحلة الحياتية، (··/··) و مهما كان فالمكان هو المرايا العاكسة التي تحمل التقاطبات الحياتية سواء أكان حيزا فرديا أم قوميا أم إنسانيا" ولعله يشير هنا أيضا إلى الجسد باعتباره مكانا داخلا في "التابو" ودائرة المحرم، باعتبارها مكانا متخيلا أيضا، ومن ثم يعاود رصد تلك الأمكنة في تجلي علاقتها بالإنسان (المنـزل الكبير، المطار، الفندق ، المكان الرحب في العتمة الشارع العام، الجزيرة و السجن، العمارة، الوطن العربي)·
إن يعاود الاهتمام ذاته بمسألة المكان الذي يحدث فيه الحدث في السرد القصصي باعتباره الصنو الآخر للزمن الذي يقيد به ضمن دائرة العادات والتقاليد التي أشار إلى تقاطبها في قصص محمد عبد الملك، ثم يعود في تناوله لقصة (أنت النار و أنا الفراشة) لعبد العزيز الصقعبي، ليضع لمقاله عنوانا ذا دلالة في افتتان فهد حسين بالمكان و جمالياته التي تبدو (عمارة الماضي و قبو الحاضر) ولعل المسألة ذات دلالة في المكان بلفظتين هما (عمارة و قبو) وإن كانتا تحملان لك شحنة سلبية في سياقها، كما تجلت في العنوان (عمارة الماضي، وقبو الحاضر)، ويستكملها بلفظة السجن (الصقعبي في سجن العادات و التقاليد)، وهو هنا يرصد تلك الأمكنة التي تناولها الكاتب عبر الرحيل فيقول: "فالأمكنة التي تعامل معها الكاتب تكشف عن حركة الانتقال والترحال المصاحب إلى تلك الثنائية المتقاطبة في الصخب وإعلاء الصوت والضجيج"ص 45، كما يقول: "إن الاهتمام ببعض الأمكنة في معظم القصص، مثل: المقهى والتمثيل والبيوت الطينية والمطار، أعطي دلالة التأكيد على الدور الذي يجب أن يلعبه المكان في حركة الاتصال بين حضارة الأجيال المتعاقبة"ص 46·
إن تساؤلا يبرز أمامنا هنا، ما الذي أضافه فهد حسين في كتابه (إيقاعات الذات قراءة في السرد العربي) في الجانب التنظيري للمكان؟!
وللإجابة عن هذا التساؤل يبرز أمامنا هذا العنوان الباهر حقا والخارج على الأكاديمية تماما في "سيمولوجيا الحزن في (أغنية الماء والنار) الحزن والجسد بوصفهما سجنا معنويا للكاتب البحريني عبد الله خليفة"، أعتقد أن فهد حسين هنا قد أضاف شيئا جديدا إلى المساهمة النقدية في هذه المسألة، ولعل التساؤل الثاني يبرز حول تلك العلاقة النفسية التي تربط بين الحالة الشعورية والمكان، وتلك الكيفيات التي تعمل بها لتقوم بتحويل المكان إلى سجن معنوي، هل معتقداتنا في بعض الأحيان تضفي علينا نوعا من الاعتقال الاختياري الذي يحجب الرؤية أمامنا ويقيم أسوار الحصار؟ وهل ندخل السجن بمحض الاختيار؟ هل أهواؤنا ورغباتنا وتشكلنا النفسي سجن ما؟ أهو تجلي قدرية الوجودية بكون الكائن محكوما بالحرية؟!!!
لعلنا أشرنا إلى تلك الخيوط التي كانت تهجس بها تجربة فهد حسين في هذا العمل الذي يتناول السردية، وبالرغم من أننا يمكن أن نلاحظ بسهولة عدم امتداد هذا الهاجس في مقاله حول (حكايات للناشئة لحمد النعيمي)، و هو المقال الذي غلب فيه الجانب التربوي على ما لمسناه من خط يتشكل عند فهد حسين، إلا أننا نرى أنه سيظهر عما قريب في كتابته حول جماليات المكان، وربما تكون مقالاته الأخرى تهجس بالاتجاه ذاته الذي أشرنا إليه، و أحيل القارئ الكريم إلى مقالاته الثلاثة المتبقية ليتلمس معي خيط المكان فيما تناوله الناقد فهد حسين في رواية (النواخذة) لفوزية شويش السالم و رواية (وردة) لصنع الله إبراهيم، ورواية (أيام يوسف الأخيرة) لعبد القادر عقيل، على الرغم من أنها لم تتضح تماما لكنها موجودة باعتبارها بذرة تنمو في اتجاه الشمس·