أصـحاب الكلام
سقف الخطاب والمؤسسة وكل هذا التماثل

محمد الأسعد
في ملحوظة قديمة سجلتها في دفتر يومياتي خلال الحياة في "صوفيا" تساءلتُ: لماذا تتماثل قصائد الشعراء العرب المعاصرين؟ في ضوء واقعة اختلاف البيئات والتجارب والقراءات، بالإضافة إلى خصوصيات أخرى، من المفترض أن يتمايز الشعراء، ومن المفترض في الأزمنة الحديثة بخاصة أن يكون هذا التمايز صاعقا لامجرد لمسات خفيفة تمس السطح ولا تتجاوزه إلى الأعماق، في الأزمنة الحديثة لم يعد الإنسان هو ذلك الكائن الذي ينظر من قاع البئر فيرى السماء بحجم الرغيف، ولا ذلك الذي يعتقد أن كل شعر قاله غير العربيّ باطل، بل هو كائن تتجاور في مخيلته وتتشابك الأمكنة والأزمنة، لماذا التماثل إذن، كأن الجميع يحفظون معجما واحدا ويدرجون تحت سقف واحد ويطلون من ناقذة واحدة؟ أظن السبب الجوهري يرجع إلى أن الشاعر بعامة يعتمد الكلام مرجعا لا التجارب، ويطل على وجوده ووجود ما حوله ومن حوله من نافذة الكلام، وحتى حين يغير نافذته ينتقل إلى نافذة كلام آخر، الكلام يأخذنا من أنفسنا، أو تأخذنا بنية خطاب عن معنى الشعر والشاعر، فنترجم التفرّد إلى صياغة مادة مبذولة، ونترجم التجارب إلى محفوظات، ونحاذر، وهذا هو اللب، أن نغامر في استكشاف تضاريس ما تحت الكلام·
عمومياتٌ بالطبع كل ما تضمنته هذه الملحوظة، إذ لم يكن ممكناً آنذاك تسجيل الشواهد الدالة "كنت بعيداً آلاف الأميال عن مكتبتي"، ولكن هل من الضروري دائما أن يكون ما نفكر به مسنودا بالشواهد الموزعة بين مئات المجموعات الشعرية، في الوقت الذي انتشرت فيه هذه الشكوى من التماثل وأدركها أكثر من متابع؟ هناك قراء أدركوا بحسهم البسيط هذه الواقعة، بل هناك شعراء أيضا أدركوا هذا الشيوع للغة الواحدة واعلنوا ضيقهم، بل واعترف بعضهم بهذا التزاحم، وكان آنذاك تزاحما وتدافعا حول نافذة الشاعر "أدونيس"، وأثار استغرابي تبريره لمشاركته في هذا الزحام، إنه يفعل هذا ليساهم في توسيع الخرق الذي يحدثه أدونيس في اللغة الشعرية!·
ليس مهما إذن تكديس الشواهد لإثبات وجود ظاهرة مبذولة، الأكثر أهمية تعليلها والتعليل يقتضي الذهاب إلى ما هو أبعد من هذا النص الأدبي أو ذاك، أعني الذهاب إلى منطق الخطاب العربي، ذلك الذي هو المفاهيم والقواعد وجملة الاشتراطات التي تحكم انتاج القصيدة والأغنية والمقال والرواية والسيرة الذاتية وخطبة الجمعة وبيان السياسي·· إلخ·
ü ü ü
نتعلم على مقاعد الدرس تمرينا بسيطا يسمى "املأ الفراغات"، في هذا التمرين نجد عبارة أو عددا من العبارات تنقصها كلمات معينة، وتكون هذه الأخيرة المنتزعة من سياق العبارة مصفوفة عشوائيا في سطر مستقل، وعلينا إظهار "براعتنا" و"ذكائنا" بأن نعرف الكلمة المطلوبة بالضبط لنملأ بها الفراغ، بهذه الطريقة تنبهنا المؤسسة منذ الصغر إلى أن بنية الكلام أو التعبير جاهزة، قبل أن نخلق بالطبع، وحتى حين لا تبدو كذلك "تنقصها كلمات" فهذه الكلمات جاهزة أيضا، وكل ما علينا فعله، أو كل ما على الكائن الإنساني فعله في عماء الوجود، التقاطها من المصفوفة، قد تكون هذه المصفوفة مما وفره كتبة المنهج المدرسي أو مما وفره المرجع الديني والديوان الشعري أو مما توفره صنوف من المراجع التي ترافقنا طيلة حياتنا، بهذه الطريقة يعد الفرد للانخراط، ليس في جماعة فقط بل وفي ثقافة تزوده بكل ما يلزمه ويكفيه، مثل هذا الكائن، الذي هو أنت وأنا يا صديقي الشاعر والكاتب والروائي والمفكر، سيعيش تحت سقف وظلال اللغة الجاهزة، كلاما وتعبيرا، متوهما إنه طائر حر في الفضاء·
ما الذي نفعله أو يجب أن نفعله لنكون جديرين بهذه الألقاب؟ أن نبرز براعتنا في اختيار الكلمة المناسبة للفراغ المناسب، وعلينا بالنماذج الشهيرة والراسخة التي سيكون ما عدا طرائقها باطل أو أعجمي، هذه النماذج هي نوافذنا على كل ما يخطر ببالنا من قضايا وجودنا· وما هي قضايا وجودنا؟ هذه وصفة جاهزة، وما هي الأسئلة؟ هذه هي الأسئلة والأجوبة حتى أعتقد أننا نجتاز امتحانات طفولتنا وكل امتحان يصادفنا فيما بعد بمساعدة أشباح تساعدنا فنغش ونخادع أنفسنا بفضل ما تلقيه على أسماعنا من همسات مشفقة أحياناً أو آمرة وصارمة في أحيان أخرى·
ü ü ü
إذا كان هذا هو المشهد الذي نستفيظ عليه وفيه، ويأسرنا من دون أن نعي أننا في قبضة المؤسسة وتمثيلاتها، فإن المفقود في هذه الحالة هو الأفق، أي الممكن الكامن والمحتمل الذي ينقض الثابت ويتحداه، الأفق لا يأتي من الكلام ولا من القالب ولا تهبنا إياه أي بنية مغلقة، بل يأتي من التجربة، وتهبنا إياه غوامض الالتباس على الحافة القلقة الفاصلة بين الأبيض والأسود، يعلّمنا التمرين المدرسي الظاهر البراءة أن الالتباس حالة عابرة، وتعلمنا الحياة والفيزياء واللسانيات أن الالتباس في صميم الوجود حالة أصلية، فكيف يجرّب، والتجربة التباس، من يقيم في ظلال مفهوم أن الوجود جدار أو سطر تنقصه بلاطة أو لفظة هنا أو هناك، موجودة في كل الأحوال، إن لم تكن في متناولنا بين نثار على أبعد تقدير، ويمكن الوصول إليها بالتذكر أو الاستظهار أو تصفح ديوان الشعر؟
بعض الثقافات الخارجة على البنية، أو المضادة للبنية كما تسمى، تقيم تمييزا بين المتذكر والمقول في التو واللحظة، أو تمييزا أعمق بين الطقوس "شعرية أو دينية أو اجتماعية أو سياسية" وبين غايتها الأصلية، فإذا كان التذكر استرجاعا لتجربة والطقس تمثيلا مكرورا، فإن التجريب نقيض الإثنين معا، ما يتجاهله المتذكر أن الكينونة حالة صيرورة، وما يفترضه الطقس أن التقدم سعي نحو بداية وجهد لتكرارها لهذا السبب تحمل اللغة العربية وتحفظ لنا دلالة طريفة من نوعها على معنى الأوائل والأواخر، الأول هو السابق دائما في كل شيء، والمتأخر هو اللاحق دائما في كل شيء، كأن الزمن يتراجع في اللغة عائدا دائما نحو البداية/النهاية حتى وإن لمسه الإنسان بجميع حواسه متقدما·
وتضيف لنا اللغة دلالة أخرى أيضا على معنى "الأصالة" أكثر طرافة، إنها لا تعني ما تعنيه في اللغات الأخرى، أي التفرد، بل تعني تحديدا استنساخ أصل أو جذر ثابت التماهي معه أو محاكاته بوصفه الهوية الأولى، ولا شيء غير الأولى بالطبع، لأن كل تعاقب في الزمان فساد يصيب الهوية والأصل، وكل تعاقب ابتعاد عن النبع الأصلي، وكل تغير وصيرورة إفساد للنقاء الأصلي، لدينا بالطبع ما يقابل التفرد والإفراد والفريد من ألفاظ ولكن بدلالات سلبية، المنفرد أو الذي يتم إفراده هو المجنون والمجذوم·
حين نصل إلى هذه الافتراضات الضمنية القارة في عمق الخطاب العربي لا يدهشنا الجهد المبذول باتجاه التماثل وترجيع أصداء الرنين الأول أو المشهد الذي نتذكره بالأحرى وتبثه فينا بمختلف الوسائل ثقافة المؤسسة (الشعرية والدينية والسياسية والاجتماعية على حد سواء)·
المشهد الأبدي الذي لا شيء بعده، و"بعده" هذه هي العدو الأول لكل هذه المؤسسات، لأنها تعني الأفق تحديدا، ما يمكن أن نصير إليه ويصير إليه الكون والموجودات، أي ضياع المفردات الجاهزة التي نرمّم بها ثغرات الجدار أو سطور تماريننا المدرسية·
ü ü ü
في التجربة وحدها لا نتماثل بقدر ما نختلف، لا نرجع إلى أصل بقدر ما نتفرد، لا نتذكر بقدر ما نقول لسنا ظاهرة صوتية إلا في لحظة عابرة من التاريخ، ولسنا أيتاما إلا لأن الغرب أضاء عراء وجودنا، في هذه اللحظة وفي هذا العراء يتحجّر معنى العبادة في الطقس، ومعنى الشعر في صياغة الألفاظ، ومعنى الحياة في استظهار الكلمات·
في التجربة وحدها يولد الإنسان مرة ثانية، لا يتوقف عند ميلاده العضوي، ولا عند ثقافته التي اندرج في إطارها، فأصبحت بالنسبة إليه كالماء بالنسبة إلى الأسماك، ما إن يتخارج عنها بوعيه حتى تصادفه مخاوف الضياع والموت، الإنسان المائي لا يموت حتى وإن مات·
موته المخيف هو الذي يلقاه على رمال الشاطىء أو في الوديان البعيدة، لماذا؟ لأن الاندراج في قالب بيئة وثقافة (تنطوي على الزمان كله بمواصفات اللغة العربية التي ذكرنا) يكيّف الإنسان نفسيا وعضويا حتى، بحيث يستعصي عليه الدخول في قالب آخر، تماما كما تستعصي الحياة على الأسماك في الهواء الطلق، وكما كانت تستعصي على المحكوم عليه بالنفي في أيام دولة المدينة·
أمر بديهي إذن في مثل هذه الوضعية الغريبة في نظر المتخارجين عنها أن يدعو الإنسان واعيا أو بلا وعي، ربّه أن يجنبه الدخول في التجربة، فالتجربة امتحان للكينونة وخروج من الرحم الأول، حيث جنة التماثل والتكرار والأمان، إلى مهب العواصف ولا أحد يعرف متى تهب الرياح ولهذا على الإنسان أن يكون مستعدا ليذرّي قمحه في كل لحظة هذا هو ما يقوله متصوف هندي، ولكن من يجرؤ على وضع نفسه على حافة خطرة مثل هذه؟ إن لنا في الكينونة القارة، أو نسيان الوجود العميق بتعبير هيدغر، ولنا في المؤسسة والقالب وتحت السقف المألوف، شخصية عامة غير مسؤولة (أي غير مخاطبة شخصيا) تمتلك كامل مواصفات الكينونة هي ليست "الأنا" بل البديل أو القناع أو الدور، وقد تكون كل هذه مجتمعة معا، ونشطة فكريا وجسديا، إلا أنها ليست "الأنا" الحقة، أي الذات المخاطبة والمعنية بالخطاب الإنساني والطبيعي والإلهي عناية بالأصالة لا بالنيابة، لهذا كل ما نمارسه لا نمارسه كذوات لا متحددة، محتملة، ممكنة، تكتسب هويتها مما تصير إليه في حرية الصيرورة لا التحرر من·· أو من أجل·· بل نمارسه كذوات عامة (متواهمة) أي متحددة وجاهزة وقارة، ولهذا السبب بالضبط يفتقر الخطاب العربي في كل تجلياته الشعرية والفنية والفكرية والسياسية إلى مبدأ وثراء "الحوار"، أعني مبدأ إلقاء الذات في مهب التجربة: مواجهة الآخر والطبيعة والوجود وقد علقت ثوابتها وسلمت بحالة لاتحددها وإمكانية أن تتغير وتتبدل·
مفهوم الحوار السطحي الشائع هو المبدأ الحاكم: أن نلقى الآخر والطبيعة والوجود ونحن وراء نوافذنا، ونتطلع إليه من عمق آبارنا، ولا يجب أن تخدعنا ادعاءات من يرحلون إلى "الآخر" على الخريطة أو الأرض، فهم يحملون معهم نوافذهم وآبارهم أيضا·
ولدينا في عالم الشعر، أو الشعرية بعامة، تطبيقات تستحضر الشعرية المشهد بغض النظر عما هو هذا المشهد، سواء جاء من الذاكرة أو التوهم، وتثبته على الأغلب، كما في الشعر التقليدي، بالأوامر والتأكيد والتعريف وأحيانا بالشرح والتفسير حذر إساءة الفهم والالتباس، وإن تساءلت فما ذلك إلا تهيئة لمدخل مسرحي إلى جواب جاهز مسبقا· لا سؤال في لغة المشهد لأنه يقوم على أساس صورة وجود مغلق ومكتف يستحضره الشاعر ويقرر في إطاره حالته العاطفية، والمشهد وصف بالضرورة أيضا، أي تقرير حالة، وحتى حين يحضر المجاز، أو معنى المعنى كما يقال، لا يتجاوز حضوره الحلية البراقة، أو احتيالا للدوران حول المشهد من أجل العودة إليه، ربما يفسر هذا تعامل الشعرية العربية مع الوجود بالقطعة لا بالجملة، دائما هناك "آخر" لا الكل الذي نحل فيه أو يحل فينا، ودائما هناك بدايات ونهايات·
تتطابق حالة الحوار الحق، والواضح من سطورنا إنها تعني العيش في اللاتحدد والممكن والاحتمال في مواجهة الذات والآخر والعالم، مع حالة اندماج المشهد بالأفق كما يحدث في الطبيعة التي تتنكر لها اللغة ورسامو الخرائط، ومع إلغاء تمارين "املأ الفراغ" أو حل "الكلمات المتقاطعة" أو "أكمل بيت الشعر التالي" والبدء من لوح الكتابة الأبيض·
ü ü ü
لا تعيش هذه المفاهيم والافتراضات التي وصفنا جملة منها في الكتب والأغاني والقصائد والمسرحيات والروايات والمواعظ فقط، بل تنتقل منها وتدخل في أطوار استحالة كما هي استحالة اليرقة إلى فراشة، من الهواء والورق والرموز إلى المدارك والأفهام والعقول إنها تقولب الفكر والسلوك أيضا، مبرهنة على أن تقسيم مستويات وجود البشر في المجتمعات إلى بنى فوقية وتحتية مجرد افتراضات ذهنية بعيدة عن حقيقة الكل الكبير وعلاقاته الشبكية المتبادلة، في العلاقات لا يعلو شيء شيئا، ولا يأخذ الأولوية هذا دون ذاك، فالعربي لا يتصور حيه الخاص وفق الصور التي رسمها عمر بن أبي ربيعة أو نزار قباني أو أحمد رامي فقط، بل ويعيش حياته أيضا بخفة عمر وتعاظم نزار وخور أحمد، ولعل الصور التمثيلية التي صنعتها "عبرات" المنفلوطي و "الأجنحة المتكسرة" لجبران ومقامات العصر العثماني الغنائية هي التي تتنقل بيننا جيلا بعد جيل وتصنع لنا مشاعرنا وعلاقاتنا أكثر مما تصنعها وقائع الحياة القاسية· صحيح أننا نحن من يصنع الكلام، ولكن الكلام يصنعنا أيضا· وفي مرحلة تاريخية معينة مثل التي نعيشها الآن وتتميز ببطالة اليد والفكر معا، يتوقف الإنسان عن التجريب، وفي مثل هذا الغسق لا تطير بومة منيرفا بل يخمد صوت النبض في كل الجهات، هنا يتسيد الكلام ويصبح الصانع الأمهر والوحيد إلى أن يتوهم الإنسان أن الكلام هو الأصل لا الجسد، وأن الطقوس هي الحياة لا التجارب، وتحت سقف هذا الوهم تصبح حركته في الألفاظ ومنها وإليها·
هكذا أو لهذا يخرج من يقول إن العرب ظاهرة صوتية، ومن سيضيق ذرعا بالبلاغة، ومن يسلم نفسه للأفق منقطعا عن أي مشهد أو حوار سوى ما يهجس به ولكن حتى في هذا النوع من الرفض نجد الخطاب ومسلماته يواصل أفاعيله، فالرافضون يستبدلون التمارين المدرسية بأخرى ولا يحملون التمرين نفسه، ويصنع الخارجون إلى الأفق مشهدا آخر، ويلقي الواقفون على الحافة بجسور لتمهيدها، الكل يتماثل مادام في العتمة ذاتها والكل يغني الأغنية نفسها مادام تحت السقف ذاته·