رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت30 رجب 1424هـ - 27 سبتمبر 2003
العدد 1596

لابد من توافق وطني على مضامينه
تنفيذ مشروع الإصلاح السياسي "ضرورة اجتماعية"

                                                                                   

بقلم: ناصر يوسف العبدلي

* التطور والإصلاح والتجديد أمور حتمية لأي مجتمع يتمتع بالحيوية

* أي إصلاح يحتاج قبل تحقيقه إلى إرادة ورؤية وتصور وأسس علمية

* استحواذ أفراد الأسرة الحاكمة على عدد كبير من مقاعد الحكومة أدى إلى ضعف أداء السلطة التشريعية

* مطلوب تمكين السلطة التشريعية من ممارسة دورها المناط بها ومنح المرأة كامل حقوقها الدستورية

* لا بد من السماح للكتل السياسية بممارسة حقها داخل أوعية قانونية مثل تشكيل الأحزاب السياسية

 

لم يعد هناك مجالا للشك في أن الساحة المحلية مقبلة على احتضان صراع من نوع جديد لم تشهده هذه الساحة منذ إقرار الدستور عام 1961 من الممكن أن نطلق عليه "صراع الحرية" ويتمثل إطاره الرئيسي في محاولة للنهوض بأعباء مشروع الإصلاح السياسي بعد أن أخفقت الكتل السياسية القائمة في توليد مثل هذا المشروع، أو حتى في توفير الأرضية المناسبة المفترض أن يدور في إطارها أي حوار حول مضامين هذا الإصلاح وحجمه والقنوات التي يجب أن يسلكها·

وربما يكون من باب الخطأ أن يتصور البعض أن مثل هذا الصراع يأتي نتاجا لتطورات حدثت أخيرا على الساحة سواء على شكل مماحكات نراها في جلسات البرلمان أو على صفحات الجرائد، بل تبلورت محاور المشروع الديمقراطي عبر مخاض طويل بين الفكر القائم على محاربة المشروع الديمقراطي ذي النزعة المرتكزة على العدالة الاجتماعية من جهة، والفكر التجديدي المحتضن للمفاهيم التي حرص الدستور على تكريسها ضمن نصوصه من جهة أخرى·

 

ضرورة اجتماعية

إن مصير أي حركة سياسية تحدده في نهاية المطاف طريقة التعامل مع "الضرورة الاجتماعية" وليس من الممكن بأي حال من الأحوال تمرير أي مشروع سواء أكان سياسيا أم اقتصاديا في حال تجاهل مثل هذه الضرورة، وربما من خلال تقييم المرحلة السابقة سنجد أن توظيف مثل هذا المحور المهم بدا أقل مما كان متوقعا، في حين سلمت في المقابل جميع تلك الكتل السياسية زمام أمورها لافتراضات شكلية لا تمس الواقع الحقيقي، تغنيها عن بحث جذور إخفاقها بعد أن عكس أسبابا تتعلق بطبيعة تكوين هذه الكتل·

 

تطور حركي

إن التجديد والإصلاح أحد "حتميات" التطور الحركي المستمر لأي مجتمع يتمتع بحيوية مقبولة خاصة وأن الوضع الجامد والراكد لن يستطيع الصمود أمام أي تطور ورفض تلبية مقتضياته، ولهذا السبب فإن تطور ظروف الحياة والتغييرات الدائمة في هذا الكون المتحرك تفرض على الإنسان باستمرار أن يعيد تشكيل نظامه الفكري حتى يستطيع الانسجام بشكل أكبر مع واقعه ويخيل لي أن معظم الأزمات التي تعيشها المجتمعات ويخوضها الأفراد هي إفراز واضح لعدم وجود الانسجام المطلوب مع تطور الحياة وهذا ما يؤدي في المحصلة النهائية إلى الإصابة بنكسة، لا أستغرب إذا تحولت إلى رد فعل عنيف أو تقضي عليه بالإحباط، من هذا المنطلق لابد من توفير عناصر التجديد والتأمل فيها بشكل جيد حتى لا نخضع لأي صدمات أو إحباطات مؤلمة تعصف بنا بين الحين والآخر كما هو حاصل اليوم·

 

جوهر القضية

لقد بات واضحا أن كل الطروحات المعتمدة في معالجة كل الاختلالات الحاصلة على كل المستويات لا تلامس جوهر قضية الإصلاح·· بل ربما لا تستطيع أن تحدث التغيير الفعلي المطلوب منها·· حيث تمحورت حول نبش كثير من القضايا الجانبية لتحويلها إلى أكباش فداء بدلا من القضية الرئيسية وهي قضية الإصلاح السياسي·

ورغم أن خطوة إقرار الدستور وضعت النظام السياسي على أعتاب حقبة جديدة من التحديث وهو ماميزه عن جميع دول المنطقة، إلا أن هذه العملية بقيت في نهاية المطاف محدودة ولا يمكن المراهنة عليها لخلق نظام ديمقراطي حقيقي على الأقل في المدى المنظور ويمكن اكتشاف ذلك من خلال مؤشرات عدة أهمها ما يلي:

1 - تغييب التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، واستئثار الثانية بعدد من المعطيات تمنع الأولى من ممارسة المهام المنوطة بها، بالإضافة إلى استحواذ أفراد الأسرة الحاكمة على عدد كبير من مقاعد السلطة التنفيذية بكثافة (6 أصوات) مما أدى إلى ضعف أداء السلطة التشريعية وجعلها عرضة للاستقطاب كما حدث خلال السنوات الماضية·

2 - عدم السماح للكتل السياسية بممارسة حقها في تنظيم نفسها في أوعية قانونية شدد عليها الدستور في نصوصه·· سواء على صعيد تشكيل الأحزاب السياسية أو جمعيات النفع العام، والاكتفاء بموقف ضبابي من هذه الاستحقاقات اللازمة للعملية الديمقراطية·

3 - إجهاد القوى الوطنية ذات العدد القليل في البرلمان من خلال افتعال معارك لا علاقة لها بالقضايا الرئيسية لتفويت الفرصة عليها إذا ما رغبت في فتح الملفات ذات الأهمية القصوى·

4 - جمود البنى الفوقية وعدم تمكنها من تجديد نفسها خلال السنوات الماضية أدى إلى تأجيل عملية التطور الديمقراطي "الحتمية" وأبقى البلاد في احتقان دائم كانت نتيجته تعليق الدستور أكثر من مرة·

5 - احتكار وسائل الإعلام "تلفزيون، إذاعة، وكالة أنباء" وربط مرجعيتها بالحكومة في حالة التباين الشديد مع متطلبات الإصلاح السياسي بدلا من ربط مرجعيتها بالدولة حسبما تقضي المواءمة السياسية، والاستمرار في إغلاق باب التراخيص لوسائل إعلامية جديدة تعكس حقيقة المخاض الاجتماعي السائد على الساحة·· في تصنيف يعبر عن نوع من العنصرية تجاه الأطراف المكونة لتشكيلات المجتمع الكويتي·

6 - شل إرادة المجتمع من خلال وسائل شتى تحت شعارات وذرائع واهية مثل "المصلحة الوطنية"، وتفسير مثل هذه المضامين لصالح مشروع السلطة وعلى مقاسه انتهاء باستخدام المال السياسي لشراء ضمائر المواطنين مثلما يحدث في كل انتخابات برلمانية وتوظيف حاجة المواطن لتمرير بعض المعاملات إلى عامل مؤثر في نتائج الانتخابات·

7 - إحجام الكتل السياسية في مفارقة غريبة عن تحريك القضايا الراكدة وتأتي في طليعتها قضايا الإصلاح السياسي والدفع بها إلى الأمام، وحث الناس على التفاعل معها مثل قضية تداول السلطة وقبلها الحفاظ على المكتسبات التي لم تكن داخلة ضمن مشروع السلطة، ولكن فرضتها الظروف مثل فصل ولاية العهد عن رئاسة مجلس الوزراء حتى لا نعود إلى الوراء مرة أخرى·· وعدم الانجرار خلف تمجيد الشكليات التي تحولت إلى مفاهيم يراد ترسيخها في العقل الباطن للمواطن على أنها خصلة من خصال الديمقراطية·

 

مشروع الإصلاح

ويبقى هذا الواقع المتردي يمثل هاجسا ودافعا محتملا للتحفز تجاه مشروع الإصلاح·· دون إضاعة عقود أخرى من الزمن هباء كما حدث خلال السنوات الماضية؟!

إنّ أي عمل أو إصلاح قبل تحقيقه في الواقع يحتاج إلى إرادة ورؤية وتصور وأهداف، وأسس فكرية وعملية يمكن البناء عليها·· بشرط أن تنهض بها الفئة الواعية في المجتمع من خلال حشد المواطنين لتحقيقها·

ويرى كثير من المفكرين ممن تناولوا هذا الجانب في دراساتهم ومنهم د·مصطفى السيد مدير مركز بحوث الدول النامية في ورقة قدمها إلى مؤتمر "حول دور الدولة في عالم متغير" الذي تناول الكثير من المحاور المهمة الخاصة بالدولة والإصلاح السياسي والمؤسسي "أن فرص تحقيق الإصلاح السياسي والمؤسسي سوف تتضاعف لو كان هناك اتفاق بين القوى الاجتماعية والسياسة الرئيسية على عناصره الرئىسية والالتزام بتنفيذها"·

 

استمرارية واستقرار

إن حالة الجمود بكل ما يرافقها من فساد والتي أخذت عناوين "الاستمرارية، والاستقرار" طوال الفترة الماضية لا يمكن أن تصادر التطور الاجتماعي للأبد، رغم كل ما تقدم عليه من تعطيل وجمود، حيث تفعل قوانين الجدل فعلها من حيث المآل، وتخلق نقائض الواقع الراهن عبر صراع خفي في معظم الأحيان، وظاهر في بعض الأحيان، وهو ما يولّد أزمات واختناقات في مواجهة الاستحقاقات المحيطة بها، سواء أكانت تلك الاستحقاقات داخلية أو خارجية وهو ما يستدعي بالضرورة الاستجابة لأحد أمرين·· إما الاستسلام وعدم القدرة على مواجهة تلك الاستحقاقات وبالتالي الانسحاق تحت وطأة الضغوط·· أو الاستجابة لمنطق التطور والتغيير والإذعان له·

لقد أثبتت التجربة السابقة أن الدوران في حلقة مفرغة من خلال البحث في كيفية نفخ الروح في البنى والمؤسسات التي أصابها "التكلس" لن يجدي نفعا وسيتحول الأمر إلى هدر للإمكانات ومضيعة للوقت·· لأن الواقع الاجتماعي السياسي الذي يعيشه المجتمع، وحجم التحديات تعطي مؤشرا شديد الوضوح على أن نية الإصلاح إذا أريد لها أن تصل إلى هدفها في معالجة مجمل مكامن الخلل والضعف فلا بد من حشد إرادة جماهيرية واسعة خلفها، ومن المهم أن تعي هذه الإرادة أهمية وضرورة الإصلاح عبر المؤسسات التي تحدثنا حولها في مقالة سابقة وهي مؤسسات المجتمع المدني لأنها الأصدق تعبيرا عن إرادة الناس والأكثر قدرة على تلبية طموحاتهم، ومن أجل الوصول إلى هذه الحالة لا بد من إصلاح سياسي في "العقلية السائدة" وحتى في "الممارسة"·· لأنه من غير الممكن الانتقال إلى القرن الواحد والعشرين استنادا إلى فكر مختلف قائم على الاستحواذ·

 

شراكة وطنية

ومن أجل ذلك لابد أن يعتمد الإصلاح السياسي على رؤية ومشروع فكري وسياسي لتحقيق الشراكة الوطنية، وسن قوانين تترجم المساواة بين المواطنين ولا تبيح التمييز بينهم، والتواصل واللقاءات على المستوى الوطني والجماهيري تشارك فيها النخب والشخصيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على اختلاف أطيافها السياسية والمذهبية والثقافية والفكرية التي أبدت تقبلاً حسناً وإيجابياً للتعاطي مع مطالب الإصلاح الوطني·

إن المشاركة الوطنية الجادة مع خطوات الإصلاح تساهم وبشكل كبير في تقوية الصف الوطني وتأصيل الثقافة الديمقراطية، ولكن للأسف فإن درجة التخلف للنظام السياسي تعتبر من أهم المعوقات أمام أي إصلاح سياسي، يضاف إلى ذلك الضعف البنيوي للكتل السياسية العاملة على الساحة السياسية المحلية والتي فقدت اهتمامها بالعمل الجماهيري، أو امتلاك فعالية ترتبط بنشاطات اجتماعية استبدلت الشرعية القانونية من خلال خطوة غير موفقة بالشرعية الجماهيرية وراحت تستجدي تلك الشرعية القانونية من السلطة نفسها، وتلك المعوقات تحدّ من تسريع الاتجاه نحو التطور الديمقراطي·

 

مؤتمر وطني

ويمكن تقليب بعض الأفكار من أجل النهوض بالمشروع الإصلاحي ومنها استغلال أجواء الانفتاح العالمي تجاه الديمقراطية والدعوة إلى مؤتمر وطني تحضره جميع الفعاليات المهتمة بالإصلاح السياسي، ثم إعادة هيكلة الإطار القانوني بما يتوافق مع تفعيل عملية الانفتاح السياسي، من خلال تكريس عملية الفصل بين السلطات، وتمكين السلطة التشريعية من ممارسة الدور المناط بها وشرعنة وضع القوى السياسية باعتبارها أحزابا، فضلا عن منح المرأة كامل حقوقها الدستورية التي لم تمنحها بعدُ هذا الحق ويدخل في هذا السياق أيضا قضية تجديد النخبة الحاكمة، وإطلاق العمل المدني، فيما يتعلق المحرك الآخر بتطوير الشق القيمي في عملية الانفتاح السياسي من أجل التأسيس لثقافة سياسية دافعة إلى تدعيم ذاك الإصلاح·· تصور العملية السياسية بوصفها منافسة بين الفئات المختلفة، وليست موضعاً للاحتكار الأبدي من قبل فئة بعينها·

ü رئيس الجمعية الكويتية لتنمية الديمقراطية

طباعة  

الحصاد
عشرة أعوام على توقيع اتفاق "أوسلو" للسلام بين الفلسطينيين والصهاينة

 
بيت العرب ···بيت العنكبوت