كتب محرر الشؤون العربية:
أمر طبيعي أن يتصدر الاهتمام بالشأن العراقي أجندة الكويت في سياستها العربية والخارجية للأسباب الواضحة، فالكويت بحكم جوارها وصغر رقعتها أكثر المتأثرين بما يحدث في العراق، فالخوف والقلق اللذان كانا يساوران الكويت وأهلها من نظام صدام حسين المقبور وتهديداته لأمنها واستقلالها لا يأتي بعدهما من حيث الدرجة إلا عدم الاستقرار في العراق واستمرار الاضطراب وتحوله الى صراع داخلي وفوضى، والعكس صحيح فاستقرار العراق واستتباب الأمن فيه يفتحان أبوابا واسعة للتعاون بين القطرين على طريق نهوض المنطقة وانتعاشها اقتصاديا، وإذا ما نجحت تجربة إقامة نظام ديمقراطي تعددي في العراق فإن ذلك سيؤدي الى تحــول تاريخي في المنطقة نحو إقامة نظم حكم ديمقراطية·
هذا الاهتمام بالشأن العراقي برز في خطاب الشيخ صباح في الأمم المتحدة، فقد استغرقت سبع فقرات (300 كلمة) من الخطاب لوضع العراق، عبر فيها عن تمنياته بأن يستعيد العراق استقراره واستقلاله ووحدة أراضيه واستئناف دوره العربي، وعن ثقته بقدرة العراق بما يملكه من رصيد حضاري وثراء في الموارد الطبيعية على تجاوز المرحلة الصعبة·
وقد برز اهتمام الكويت بالشأن العراقي باستقباله وفود مجلس الحكم الموقت وبذل الجهود التي تكللت بالنجاح في عودة العراق للجامعة العربية وأخيرا منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، ومن المؤكد أن تضطلع الكويت ودول الخليج في المؤتمر الذي سيعقد في مدريد للدول المانحة للمساهمة في إعمار العراق، فمشروع إعمار العراق الضخم ستستفيد منه الدول المجاورة له وعلى الأخص دول الخليج·
ولذلك فالكويت تنتظر بفارغ الصبر ما يجري الآن في الأمم المتحدة ومجلس الأمن وما تتمخض عنه هذه المناقشات من اتفاق أو اختلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشأن المرحلة القادمة في العراق، وهو أمر محل خلاف إن لم يكن صراعا بين أمريكا والدول الأوروبية·
فالولايات المتحدة تخشى من تعاظم المصاعب التي تواجهها في المستنقع العراقي، فاستمرار الخسائر البشرية للقوات الأمريكية وعدم اكتشاف أسلحة الدمار الشامل بات هاجسا يؤرق إدارة بوش مع اقتراب الانتخابات الرئاسية وتراجع شعبية بوش من ناحية، وارتفاع صوت معارضة الحزب الديمقراطي وانتقاداته لسياسة بوش واليمين المتطرف في إدارته، لذلك جاء حديث بوش في الأمم المتحدة مخاطبا حلفاءه بنسيان الخلافات السابقة والقبول بالمساهمة عسكريا وماليا مع الولايات المتحدة في إعادة بناء العراق ومناشدته أو قبوله بإناطة دور مهم للأمم المتحدة بعد أن همشتها سياسته وتجاوزتها·
ويواجه بوش مطالبة فرنسا بتسليم السلطة الى العراقيين في غضون شهور لا سنين، وموقف فرنسا والأوروبيين يستند الى أنه لا يمكن أن تكون هنالك مشاركة من دون أن يكون لهم "الأوروبيين" سلطة والموقف أو الرأي الفرنسي يجد له مساندة حتى في الأوساط الأمريكية·
فقد طالبت جريدة "بوسطن غلوب" في افتتاحية نشرت في الهيرالدتريبيون بأن أمريكا تعترض على رأي فرنسا بتسليم سريع للسلطة الى العراقيين لأن الكونغرس الأمريكي لن يقبل بتخصيص 20 مليار دولار لإعمار العراق من دون أن يكون لبول بريمر قرار في كيفية صرفها·
لكن مقالة "بوسطن غلوب" تقول إنه قد يكون من صالح الولايات المتحدة المسارعة بتسليم السلطة الى الحكومة العراقية الموقتة، فتنزع حجة من يصورها بأنها قوة استعمارية وتزيل تردد الدول التي ستشارك في مؤتمر الدول المانحة في مدريد التي لن يكون لها عذر بعدم الالتزام بالمساهمة في بناء العراق، وأن ذلك سيشجع دولا كثيرة لإرسال قوات عسكرية للمحافظة على الأمن في العراق وتقول "بوسطن غلوب" أيضا إن ذلك أي تسليم السلطة للحكومة العراقية قد يؤدي الى تصحيح العلاقة الحالية مع بول بريمر، فبدلا من أن يكون مجلس الحكم والحكومة مستشارين لبول بريمر الذي يتولى سلطة التنفيذ سيصبح بريمر مستشارا للمجلس، وبذلك تتحقق الشراكة الصحية والصحيحة·
مما يظهر من التطورات الأخيرة يبدو أن الأطراف أخذت تليّن موقفها فالولايات المتحدة توافق على أن تلعب الأمم المتحدة دورا أساسيا وتوافق على تسليم السلطة للحكومة العراقية ولكن من دون استعجال أو تباطؤ·
في الوقت نفسه أفصح الرئيس شيراك عن توضيح ما يقصده بتسليم السلطة في غضون شهور الى مجلس الحكم الانتقالي، بأن ذلك قد يكون تدريجيا خلال فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر·
في الوقت نفسه تمت تصفية الخلافات بين ألمانيا والولايات المتحدة بعد الاجتماع الذي تم بين المستشار شرويدر والرئيس بوش وتشير البوادر الى أن تسوية ما سوف يتم التوصل إليها عند نظر مجلس الأمن الاقتراح الأمريكي الذي يفوض بنشر قوات متعددة الجنسيات ودعم مجلس الحكم العراقي الموقت والتعديلات المقترحة عليه المقدمة من قبل فرنسا·
إن الوصول الى صيغة متفق عليها في مجلس الأمن بإعطاء الأمم المتحدة دورا أساسيا في العراق يفتح الباب لمساهمة دول أخرى بإرسال قوات لحفظ الأمن،
ثم الاتفاق في مؤتمر الدول المانحة القادم في مدريد بتوفير الأموال اللازمة لإعادة إعمار العراق بما يتراوح بين 150-70 مليار دولار·
الوصول الى هذه الصيغة سيكون بادرة أمل لاستقرار العراق وإعماره وإقامة نظام فيدرالي تعددي ديمقراطي، وهو ما سوف يكون لصالح كل أقطار المنطقة·