تـجـليات الممارسة النقدية

بقلم : جعفر حسن
يبدو أن المساحة النقدية على صفحات الجرائد بات يتجلى فيها أكثر من شكل لبروز ما بات يطلق عليه (الكتابة النقدية)، و أول اتجاه يمكن أن نلمسه، هو تلك الكتابات التي تتمحور بشكل كبير حول وصف الكتابة الأدبية، وثانيها يتمثل في تيار يحاول تحقيب الكتابة الأدبية، وثالث هذه الاتجاهات يحاول إنتاج معرفة بالنص، و حتى نكون منصفين تجاه ما يكتب علينا أن نميز بين ما ينتمي للنقد الأدبي وبين ما لا ينتمي لمجاله·
الوصف و علاقته بالنقد
هل تنتمي الكتابة الواصفة لمجال النقد؟ وللمسألة وجه يتعلق بإنتاج المعرفة، فالوصف يخلق نوعا من أنواع المعرفة فلا نستطيع إخراجه من دائرة المعرفة، ولعلنا عند التأمل في عملية الوصف نرجعها إلى حالة بسيطة من المعرفة لا تتجاوز سطح الأشياء، فالكلام عن عدد صفحات الرواية، و عدد فصولها، وعدد الصفحات التي امتد عليها كل فصل، وشكل الغلاف، ونوعية الورق، وحجم الخط ·· الخ، يساهم في إدراك صورة الرواية أو الديوان، لكنه لا ينتج معرفة بالنص، إذ إن المسألة يمكن تطبيقها على كل الكتب سواء كانت أدبية أو غيرها دون أدني اختلال·
إذ إنها بالشكل السابق تلامس المنتج المادي في تشكله، و ما يفقد هنا هي تلك المادة المصاغة في اللغة وباللغة، وتبتعد عن ملامسة ذلك الجزء الكامن في العمل الذي يمكن أن ينطبق على كل الأعمال الأخرى، لكنها يمكن أن تكون جزءا من الممارسة النقدية إذا ما توفرت لها مجموعة من الشروط، فتنطلق من علاقة السواد بالبياض في الديوان إلى امتداد البياض المتشكل في صفحة الديوان في ذهن المتلقي مثلا، و الذي يرفع درجة المعرفة بأقطاب عملية التلقي، كل العملية الوصفية كما تبرز على صفحات الجرائد إنما هي قاعدة بيانات لمشاريع نقدية لم تكتب بعد·
التحقيب و علاقته بالنقد
لعلنا ورثنا مسألة التحقيب الأدبي منذ ملامستنا للتاريخ العربي الإسلامي في دراستنا بالمدارس الابتدائية، وهو يتعلق بحقب حسب نوع الدولة أو المرحلة، فنجد أن التاريخ العربي يقسم إلى الجاهلي وصدر الإسلام و الأموي والعباسي والأندلسي، ولنا في كلاسيكيات تاريخ الأدب العربي صورة واضحة في هذه المسألة كما حقبها العلامة الكبير شوقي ضيف في تاريخ الأدب العربي، ولعل البعض الآخر يمكن أن يلامس التحقيب على أنه متطابق مع تصور الفكر العربي الإسلامي كما تجلى في بعض نواحيه حول دائرية ذلك التاريخ من عصور الظلام إلى عصر النهوض والاتساع ومن ثم عصر الانحطاط ومحاولة النهوض ··الخ، أو يتبدى فكر الحضارة كما تصورها ابن خلدون في علاقة الدولة بالعصبية ضمن دائرة تتصور خلود العلاقة بين البداوة في مقابل الحضارة والتي تتجدد باستمرار·
ولكن من يعتمد على فكرة التحقيب يلامس زمن إنتاج النص ليس بإرجاعه إلى النص ذاته والنظر في الكيفيات التي يظهر فيها الزمن باعتباره جزءا مكونا للنص، وإنما يرجع التحقيب إلى أحداث أخرى تتعلق بما يجري داخل المجتمع، وفي أسوأ الأحوال يرجع النص إلى حقبة زمنية (جيل، عقد، قرن)، وربما من خلال ربطه بمرحلة اجتماعية أو سياسية ما، أو حدث كوني مثل (النكسة، النهضة، الاستعمار·· الخ )، ويكون المنطلق هنا هو تلك العلاقة بين النص والواقع الاجتماعي الذي هو المرجعية الكبرى للنص في توسع كبير ،ولنا أيضا أن نتأمل في تلك العلاقة التي لا تبدو مباشرة، كما تحاول مسألة التحقيب إظهارها بشكل فج، و يمكننا النظر إلى النص نقديا باعتباره عملا متجاوزا لتاريخيته ذاتها من خلال الإمساك بالكلي والشمولي في تجلي اللحظة الراهنة، ومن هنا تظهر إشكالية المعاصرة في الحداثة، ويمكننا أن نجد بعض النصوص التي لا تلامس الحدث ذاته برغم كونها كتبت متلازمة معه زمنيا، ولنا أن ننظر إلى المدرسة الرومانسية في الأدب العربي، وكيف قامت بعزل الذات عن تيار الواقع في صلته المباشرة والتركيز على تأمل الذات كما تتجلى على صفحة النص·
ولعل التحقيب لا يظهر فقط في النقد الأدبي على أنه تحقيب زمني وإنما يظهر بوصفه تحقيبا جغرافيا، فنجد هناك تصنيفات مثل الشعر البحريني المعاصر ،وشعراء الجليل، وشعراء البصرة ·· الخ، و لعل ذلك التصنيف يفقد من ناحيته ذات الصلات بالنص إذ يضع الموقع الجغرافي في أساس التحقيب ولا يلتفت كثيرا إلى طبيعة النص، فنجد مثلا شاعرا مثل غازي القصيبي يوضع ضمن دائرة الشعراء البحرينيين، بينما يتحسس المسألة نقديا الدكتور عبد الحميد المحادين في دراسته المهمة (جدلية المكان والزمان والإنسان في الرواية الخليجية)، فنسمعه يقول: "ولقد واجهت الدراسة في تحديد مجالها إشكالية، هي تحديد مدلول ((رواية خليجية)) وذلك لتغاير في بعض المعطيات·
وللنظرة الأولى يبدو مفهوم الرواية الخليجية :كل رواية كتبها خليجي، وتنطلق من فضاء خليجي، بغض النظر عن مكان إقامة الروائي الدائمة"، ولعل الإجراء الأكاديمي يبرر ذلك التحقيق و يقبله على أساس أنه عملية إجرائية بحتة لتحديد مجال الدراسة، و لكن العمل النقدي لا يتجلى إلا في تلك الظواهر المرصودة في الأعمال محل الدراسة، وربما نجد ذلك في ما يبرز من الأمكنة داخل الروايات العربية (الخليجية) كما تظهر في أفق الصحراء و المدينة والبحر، الأمكنة القديمة والحديثة، الواقعية والمتخيلة عند عبد الحميد المحادين·
النص وإنتاج المعرفة
لا تبدو المسألة سهلة هنا، فإنتاج المعرفة يحتاج إلى أدوات نظرية تنطلق ضمن الممارسة العملية في التعامل مع النص، ومن هنا تبرز ضرورة المنهج، ولعل ذلك المنهج لا يبرز مباشرة في العمل النقدي، و يمكن أن لا يفرد له مساحة واسعة من التنظير كما فعل مثلا (إبراهيم غلوم)، ونحن ننظر إلى منهجه الاجتماعي في التعامل مع نصوص القصة القصيرة كما برز في كتابه (القصة القصيرة في الخليج العربي)، فعدم تنظيره لهذا الاتجاه لا يعني عدم دخوله وهيمنته على العمل برمته، وحين نلامس هذا الجانب لا يسعنا إلا النظر إلى ذلك العمل المنجز في الثقافة العربية، والذي أبدعه علوي الهاشمي في دراسته المهمة المتمثلة في السكون المتحرك، تلك الدراسة التي أفرد لها مقدمة نظرية أبدعها ضمن إطار متفرد مفكر فيه حول بنية الأعمال الشعرية، و التي تخترقها من قاعدتها الأولى المتمثلة في العمود وتحولات البنية الإيقاعية في قصيدة التفعيلة حتى تصل بالرحلة إلى قصيدة النثر التي لم يكن مخططا لها أن تندمج في الدراسة حسب النظرية المقترحة و المقدمة في البداية، ولكنه أفرد لها مكانا خاصا وإن كان يتناسب مع تأصيلها ضمن إبداعات الشعري العربية وقت إنجاز الدراسة·
كذلك فعل فهد حسين في دراسته (تجليات الذات) وإن لم يفرد مجالا نظريا للكتاب إلا أننا يمكن أن نعرف بسهولة ذلك المنهج الذي يخترق أعماله المتعددة، وكذلك هي حال دراسته المتقدمة حول (المكان في الرواية البحرينية)، وكذلك فعل الناقد عبد الله جناحي في كتابه لعبة الاختراق، ويمكن أن نضيف إلى القائمة العديد من الأعمال المنجزة التي نشر الكثير منها في البحرين، ولكن ما تقدم هو محاولة لتبيان أهمية البناء النظري في الكتابة النقدية التي تذهب أبعد من مجرد اقتباس مناهج محددة إلى المساهمة في تعزيز المفاهيم وتطويرها من خلال عملية النقد الأدبي، كما فعل الدكتور علوي الهاشمي في تطويره لمصطلح (التعالق النصي) بعد تجريب التعالق كمفهوم متحقق في النقد أمام ما تطرحه النصوص من تحديات متعددة لهذا المفهوم، إنه إنتاج للمعرفة·