أغصانها العالية
نشمي مهنا
التفكير الجمعي، يشعرنا بالدفء والثقة والاطمئنان، يمدنا براحة المختبئ بين حشود، أو المتكئ - عن ريح مجهولة - خلف جدار· نتشابه لنأتلف، ونتناسخ لنأمن، نتناقل قناعات يابسة ثابتة لعقود، نتبادلها، نعيرها ونستعيرها، نتوارثها ونورثها، دون إضافة أو نقص، خوف أن ننفرد أو نُفرد·
ومَنْ مِنَ العرب والأعراب والأعاجم يقبل أن ينتهي به الحال أو مرض الاختلاف بمثل ما انتهى إليه "البعير المعبّد" كما وصف طرفة؟!
يحدث أحيانا، بدافع النزق وحب المغامرة والاكتشاف أن تطاول أيدينا أغصاناً عالية خضراء، لكننا نقع على جذع شجرتنا العتيقة، بعضنا يرتضي بالأمان الواسع الذي يضعه تحت قدميه الجذع الواطئ، وقلة يضمدون رضوضهم ويكررون المحاولة، بالقفز والطيران الى تلك الأغصان الطرية، فينجحون، ويواصلون الصعود الى الأعلى، فتصغر في أعيننا - نحن الأرضيين - خيالاتهم البعيدة، وكأنهم ليسوا منا!
قد يهون أن "نأكل ما نشتهي ونلبس ما يشتهي الآخرون"، خوفا من سهامـ (هم)، لأن الملبس، على مرارة محوه لألواننا وتعميمه لألوان وأذواق الآخرين، إلا أن زمنه لا يستهلك أعمارنا كما يفعل جبل الفكر، الذي لا يتزحزح إلا بين زلزال وآخر· (وكم من الكوارث مرت بحجم الزلازل لم تفتت منه صخرة!)·
كالحيتان، نسبح في بحر قناعات "عمومية" مزيفة، دون إرادة منا، مقيدين بحركتنا الكلية تحت رنين تعاليمها، وبإشارة مايسترو أمواج المحيطات، أينما يلقي بنا هذا الدفء، وحتى ولو أخذنا - لا على غرة - الى الهلاك·
وإلا لماذا تنتحر الحيتان جماعات؟ ألم يكن بين هذا السرب المائي حوت واحد حزين، لا يريد هذه النهاية المأساوية التي رسمها له "الكل"، يريد أن ينجو بذاته الجميلة التي لا أحد يستحق أن يضحي بها لأجله؟
ستردد غرائز(نا) : لا، لأننا اعتدنا على ممارسة طقوس قناعاتـ (نا)، جماعات، كي نطمئن أن لا مخالف، أو لا مختلف، أو لا عاصي أو منفرداً!
نبني لأحزاننا مآتم جماعية، ونمارس أفراحنا برقص جماعي، ونجتر أفكارنا من قاموس واحد·
ليجرب أحدنا، إن مسّه جنون فرح عارم، وغيّمت به نشوة مباغتة، أن يرقص وحده، فيحرك كما يشاء معازف جسده، ويعطلها حين وأينما شاء··!
ليحاول أحدنا "النط" الى الغصن الأخضر العالي، وإن كسّرت محاولاته الأولى أضلاعه·
للذة الاختلاف نار شرِهة، ستدفّعك ثمن مغامرة لا بد منه، فامضِ إليها، قد تكون هي السبيل الوحيد إلى النجاة بالـ"أنا"، بعيدا عن رماد "الكل"!
nashmi@taleea.com