رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت30 رجب 1424هـ - 27 سبتمبر 2003
العدد 1596

بيت العرب ···بيت العنكبوت

 

* الأنظمة العربية تجرب أحدث أجهزة القمع والإرهاب والتعذيب ضد شعوبها·· فمتى توقف "الجامعة" هذه "المهازل" ؟

* الشعوب العربية أصبحت أسرى داخل سجون ومعتقلات أنظمتها

 

نــــزار حـيدر: 

لست ممن يتتبع أخبار، بيت العرب، الجامعة العربية، أو يتوقع خيرا من قراراتها، لأنها وبصراحة ليست من أولويات اهتماماتي، كما أنني لا أشعر بأهميتها بالنسبة لي كمواطن عربي، ولذلك أستنكف أن أضيع بعض أوقات فراغي في متابعة أخبارها فبعد تجربة قرابة أربعة عقود من الزمن، تأكد لي ولأمثالي بأنها ليست سوى منتدى للزعماء العرب وممثليهم يتحلقون حول موائدها المستديرة بين الفينة والأخرى للتلاسن والتلاوم والمشاجرة وتجبين وتجريم وتخوين بعضهم  بعضا قبل أن يفضوا اجتماعاتهم بإصدار البيان الختامي الذي لا يختلف عادة عن أمثاله من البيانات الختامية السابقة المملوءة بالاستنكار والتعاطف والتوسل والاستجداء والتهديد والوعيد الفارغ·

إنها لم تقدم حتى الآن أي مشروع حقيقي تكفل ونجح بحل أي مشكلة من مشاكل العرب المستعصية وأزماتهم المستديمة، لا السياسية منها ولا الاجتماعية ولا التعليمية ولا الصحية ولا الأمنية ولا الاقتصادية ولا أي شيء آخر، ولذلك فهي بصراحة لا تعبر عن  الواقع العربي وطموحاته ولا تشبع حاجاته أبدا·

ولكنني لا أكشف سرا إذا قلت إن أخبارها خلال الأسبوعين الماضيين كانت مثار اهتمامي وشغلي الشاغل، لسبب بسيط وواضح وهو، أن العراق الجديد كان محور أخبارها هذه المرة، وكنت أخشى ما أخشاه هو أن يتخذ العرب هذه المرة كذلك، وكما في كل مرة، قرارا جديدا يخطئون بحقه إذا ما رفضوا استقبال ممثل العراق الجديد في اجتماعات دورتهم الوزارية الجديدة فيضيفوا خطأ إلى أرشيف أخطائهم ويدقوا مسمارا آخر في نعش بيت الأنظمة والسلاطين·

ولكن بحمد الله فقد اتخذ العرب هذه المرة قرارا صحيحا ومناسبا، وإن كان  ناقصا، في الوقت الصحيح والمناسب، فللمرة الأولى يشغل مقعد العراق في اجتماعات الجامعة العربية مواطن عراقي كامل الأهلية ومن الدرجة الأولى يتمتع بثقافة عالية وأخلاق راقية وذكاء وقاد ولسان مهذب، لم يتورط بدم أو فضيحة مالية، عراقي وحدوي ودبلوماسي من الطراز الرفيع، مؤدب ومعروف الأب والأم ومن عائلة عراقية معروفة، ألا وهو صديقي العزيز وزميلي أيام النضال السلبي، الوزير السيد هوشيار زيباري·

فبعد عقود طويلة من الزمن شغل فيها الأوغاد والجهلة والقتلة والأميون واللصوص مقعد العراق الحبيب، شاء الله أن يستبدلهم بنماذج جديدة نتمنى عليهم أن يأخذوا العبرة من الماضين حتى يكونوا ذكرى حسنة وطيبة للأجيال القادمة وللمستقبل القادم، أعرف أن العرب اغتاظوا من تمثيل مواطن كردي لبلد عربي في اجتماعاتهم، ولكن مهلا مهلا فالعراق الجديد لكل العراقيين، ليس فيه لمفاهيم العنصرية والقومية والعصبية المقيتة دور في تقسيم وتمييز العراقيين، فكلهم سواسية في الواجبات والحقوق وأمام القانون، وأن مبدأ تكافؤ الفرص يشمل الجميع من دون استثناء أو تمييز، ولكل منهم الحق في أن يتصدى لأي موقع أو يتسلم أية مسؤولية أو منصب حكومي صعودا ونزولا، على أساس الكفاءة والأمانة بغض النظر عن أي اعتبار قومي أو ديني أو مذهبي أو سياسي أو أي اعتبار جاهلي آخر من الآن فصاعدا، على العرب ألا يفاجؤوا إذا ما بعث لهم العراق الجديد في المستقبل مواطنا تركمانيا مثلا أو آشوريا لتمثيله في اجتماعاتهم وليشغل مقعد بلاده، وليس مقعد قوميته، أمام العرب فرصة أن يفهموا ويستوعبوا هوية العراق الجديد حتى لا يفاجؤوا في كل مرة أعرف أنها مهمة شاقة لأن العراق الجديد يختلف كليا عما تعود عليه العرب وأن "العادة التي في البدن لا يغيرها إلا الكفن" ولكن ما في اليد من حيلة وأن من مصلحة العرب أن يفهموا العراق وإن كان فهمهم هذا بحاجة إلى ثمن يجب أن يدفعوه بسبب تراكمات الماضي وأخطائه وعنادهم القاتل الذي  وضع سلطانهم في مهب الريح أما أشجع ما سمعته الأسبوع قبل الماضي من الأمين العام السيد عمرو موسى، هو قوله إن الجامعة ستستمر في الاستماع إلى العراقيين المعارضين لمجلس الحكم الانتقالي إلى جانب ما  ستسمعه من أعضاء المجلس أنفسهم إنها كلمة حق ولا أقول يراد بها باطل، وهي أول كلمة صحيحة أسمعها من الأمين العام لـ "بيت العرب"، كما سماها أحد موظفي الجامعة العربية فبغض النظر عن النوايا فلست هنا في معرض محاكمة النوايا، وبغض النظر عن هوية وتوجهات العراقيين المعارضين الذين سيواصل موسى الاستماع إليهم، وبغض النظر كذلك عن هوية الجهة أو الجهات التي تقف وراءهم وتدفعهم وتدعمهم بهذا الصدد، إلا أنني أعترف أنها صراحة شجاعة ورأي سديد وقرار رائع، أتمنى أن تعممه الجامعة العربية على كل الأعضاء فتفتح أبوابها لكل المعارضين لأنظمة الحكم العربية، ولا تستمع إلى الأنظمة فقط، وتصغي إلى ادعاءاتها الفارغة وكذبها المفضوح فحسب، بل لو تتكرم الأمانة العامة وتعمم قرارها الجريء هذا على كل الدول العربية، لتستمع إلى المعارضين كما تستمع إلى السلاطين، وتصغي إلى الآخر كما تصغي إلى الحاكم، لعلها تكسب بعض الشعبية في صفوف الشعوب العربية فتعيد بعض الاعتبار إلى نفسها وبذلك ستتعرف الجامعة العربية عن قرب على البديل عن كل نظام حكم عربي، فلا تؤخذ على حين غرة كلما شهد بلد عربي تغييرا في السلطة، أو تأخذ وقتا طويلا للتعرف على البديل ـ الغريب والمجهول ـ في كل مرة يسقط فيها نظام عربي كما حصل ذلك بالنسبة إلى مجلس الحكم الانتقالي في العراق·

إن الإصغاء إلى ما يقوله المواطن العربي المقموع في بلاده من قبل الأجهزة الإرهابية السلطوية، هو بعض الحق الذي يمن به على جامعته العتيدة وبهذا الصدد أقترح تأسيس جامعة عربية ـ شعبية ـ إلى جانب الجامعة العربية ـ السلطوية ـ، يحضر اجتماعاتها المواطن العربي العادي ليقول فيها كلمته ورأيه في قضايا بلاده وأمته بكامل حريته وبعيدا عن أعين السلطة وأجهزتها القمعية المخيفة فما دامت المسافة طويلة بين الشعوب العربية وصناديق الاقتراع التي تختار من خلالها حكامها، فلنفسح لها المجال لاختيار جامعتها العربية على الأقل، إذ ليس من الإنصاف أبدا أن تبتلى بسلاطين  مفروضين عليها في بلدانها، وبممثلين عنها مفروضين عليها في مثل هذا المحفل ـ الوحدوي ـ العريق·

أما القرار أو التوصية الشجاعة والفريدة من نوعها التي صدرت عن الاجتماع الوزاري للجامعة الأسبوع قبل الماضي، فهو ما يتعلق بموضوع المقابر الجماعية التي تم الكشف عنها في العراق بعد سقوط النظام الديكتاتوري الشمولي، أشهد كذلك أنه قرار شجاع وتوصية رائدة وإن جاءت متأخرة جدا جدا جدا إلا أنها مع  ذلك تبقى شجاعة وجريئة، قد تساعد على تطييب خاطر العراقيين من الجامعة العربية التي ظلت مصرة على دعم وإسناد نظام المقبور صدام حسين حتى آخر لحظة بهذا الصدد أقترح ما يلي:

أولا - أن يوقع كل الزعماء العرب على هذه التوصية لنتأكد من براءتهم·

ثانيا - أن تشكل الجامعة العربية لجنة خاصة لتقصي حقائق المقابر الجماعية والسجون الجماعية في البلاد العربية ليتم الكشف عنها والوقوف على حقيقتها اليوم وليس غدا، فقد يساعد ذلك في إيقاف مجازر الأنظمة والحكام العرب بحق شعوبهم·

إن الشعوب العربية، وللأسف، تحولت اليوم إلى طوابير أسرى في معتقلات الأنظمة، كما تحولت إلى  فئران تجارب في مختبرات الأنظمة تجرب عليها أحدث أجهزة القمع والإرهاب والتعذيب، وإن الأنظمة تتصرف بأرواحها ودمائها وأموالها وأعراضها كيف ومتى تشاء، فلماذا لا تبادر الجامعة العربية إلى فعل أي شيء من أجل إيقاف هذه المهزلة؟

مازال السلطان في البلاد العربية هو الآمر الناهي بلا منازع، وهو صاحب السلطة والصولجان ، وهو حارس السجن وحفار القبور، أما المواطن فليس أكثر من مجرد دمية لاحول لها ولا قوة، قد أنهكها الجوع والتخلف والفقر والأمية  والمرض والخوف وضياع المستقبل لا نريد أن تفاجأ الجامعة العربية بالمقابر والسجون الجماعية في البلاد العربية كلما سقط نظام أو تغير سلطان أو هلك ملك، ولذلك أقترح عليها أن تمسك بالمبادرة وتسبق الزمن لاكتشاف الحقائق قبل فوات الأوان، فإذا عفا العراقيون عنها مرة فإن الشعوب العربية لن تعفو عنها في كل مرة.

nazarhaidar@hotmail.com

طباعة  

الحصاد
عشرة أعوام على توقيع اتفاق "أوسلو" للسلام بين الفلسطينيين والصهاينة

 
لابد من توافق وطني على مضامينه
تنفيذ مشروع الإصلاح السياسي "ضرورة اجتماعية"