رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 23 رجب 1424هـ - 20 سبتمبر 2003
العدد 1595

وتــد

إن تُرك في الغاب··· "يتحيْوَن"!!

نشمي مهنا

تتراكم في سمائك غيوم سوداء، تملأ عينيك وقلبك، وتشد ذهنك لأيام، بعدما تنتهي من قراءة تفاصيل رواية واقعية، أو مشهد صارخ، مقتطع مما يسمى جوازا بـ"أدب السجون"، فحقيقته "بلا أدب"، ووصف مرارته أكبر من قفص الكلمات·

تجتهد كتابات أدبية مثل "حدائق الملك" و"بين ظلمتين" و"البستان الأحمر"، أو غيرها من كتابات صحافية في تقريب صور الجحيم الذي عاشه أصحابها لسنوات، ولا تزال أهواله عالقة بذاكرتهم الآدمية، العاجزة· يخيل لي أنهم في محاولاتهم جميعها (رغم نجاحها) كتأتاة طفل بريء، هاله ما رأى وأحس وجرب، فمضى يحاول نقل تجربته ويكرر عجزه في كل مرة، فيصّر على البكاء حبرا أسود، أو دمعا على ورق·

رياض الترك يتكلم في أحد أشرطة الفيديو (وزعته منظمة العفو الدولية) بخواطر غير مفهومة، أغلبها بلا رابط، ينجح - أحيانا - في شرح فلسفته الخاصة في قتل الوقت، وهو السجين المعتّق في أقبية السجون السورية، يقول إنه اتخذ الحبة السوداء أداة لتزجية نهاره الثقيل، منذ أن قدحت فكرة سرقة الحبات من إناء العدس الصباحي، فتوافرت له حصيلة كبيرة، يخبئها عن أعين حراسه، ليبني منها أشكالا معمارية، بحدود الوقت المسموح بين الوجبات، ثم يعيد المحاولة·· منشغلا عن عالمنا الخارجي الصاخب·

(تزجية وقت، ونهار، وأيام من عمر·· لن يتكرر!)·

منذ أسبوع ينشر الشاعر السوري فرج بيرقدار على صفحات ملحق "النهار" مشهدا من تجربة 14 عاما في السجون السورية، كانت كتابته أقرب للبكاء والتأتأة التي ذكرنا، لكنها ترشق وجوهنا بماء ذهب الحقيقة، فننتبه - كالمفجوعين - أن هناك عالما آخر وحياة أخرى، لا كما نعيش ونحيا ونسعى في صباحات شوارعنا المزدحمة، إنما تحت إسفلتها· هناك في البعيد·· الـ "تحت" أقدامنا!

في قراءاتي لتلك الآهات المكتوبة، لا أغتاظ على السلطات الحاكمة التي سرقت أعمار المظلومين، بقدر غيظي على "أدواتهم" ممن ينتسبون الى خلقنا وطينتنا الإنسانية، فالحراس المتلذذون بالتعذيب وبمشاهد سلخ الجلد الآدمي عن عظمات ظهر السجين هم أعظم جرما عندما تاهوا وراء لافتة "الدفاع عن الوطن" وصدقوا "خيانة" أبناء جلدتهم، أو ممن لم تعنهم اللافتات والأوهام الرسمية، لا هذه ولا تلك، إنما اندفعوا وراء نزعاتهم الشريرة، فـ "تحيْوَنوا"، وأطلقوا الوحش الكامن في ذواتهم المريضة وراء فريسة آدمية، تتلوى·

يروي بيرقدار عن صديقهم السجين الذي أجبر بعد التعذيب على ابتلاع فأر ميت، واصفا التفاصيل، أو يحاول وصفها، بمرارتها وحركتها ونشيجها، ليقف القارئ لحظتها على سريان قشعريرة تشككه حتى بذاته البريئة، وتصدمه بوجود قناع آدمي ناعم في حياتنا، قد ينتزع في أي لحظة، ليكشف عن بشاعة وجه وأنياب حادة تتسلى بالنهش دون غاية·

يقول السجين فرج بيرقدار بعد خروجه من ظلامية ذلك المشهد، وكأنه يعتذر للقارئ: "لم أكن أنوي الدخول في هذا الاستطراد المرهق··· ولست مقتنعا الآن بالتراجع عنه، ولم يعد لدي القدرة على العودة الى تفاصيل ما تعرض له ذلك السجين المضرب خلال الأربعة، أو خمسة الأيام اللاحقة· أعتقد أن بإمكانكم مساعدتي، أو على الأقل تفهم عدم قدرتي، وربما عدم رغبتي في استكمال ما بدأت···"·

ألم نقل إن كتاباتهم هذه أشبه بتأتأة الألم، ومحاولة وصف هذا الذي لا يترجم إلا بالصرخات·

لكن (لنتوقف قليلاً)···

حينما نتذكر أنهم كانوا "تحت الأرض" وكنا "فوقها" صامتين·· نتألم فجأة·· فهل نحن أبرياء؟!

ومن قال إننا والمسجونين (أنفسهم)، لن نرفع قناع آدميتنا الرقيقة و"نتحيْون"، لو أتيحت لنا فرصة شريرة كامنة في ذواتنا؟!

فدماؤنا وبصماتنا الوراثية وتراثنا وعالمنا بماضيه وحاضره ومستقبله وفكرنا السياسي والثقافي والتشريعي·· يدفعنا الى اغتنام الفرصة / النطفة القاسية المنغرسة في صلبنا، لنؤكد بها أن "الابن سر أبيه"!!

nashmi@taleea.com   

 

طباعة  

قراءة
 
شعر
 
سلة أخبارهم
 
المرصد الثقافي