ومضة من أضواء عوالم متري بولس

* بولس: "لم يضطرب عقل "مي" لأنها فقدت جبران بل لم تكن راجحة العقل·· فأحبته"
* لم لا يكون انهيار "مي" عائداً إلى فشلها في تحقيق حلم الأنثى داخلها؟!
بقلم: علي حسين الفيلكاوي
إن الداخل الى عوالم القاص الباحث والناقد متري بولس، تجذبه بقوة متوازية، رهافة اللغة، ودقة التعبير من جهة، والعمق التحليلي المؤدي لكشوف جديدة من جهة أخرى، وعلى مدى المساحة الزمنية الممتدة من 1984-2001 يمكننا تقسيم نتاجه على نحو ظاهري مبسط:
- العمل الإبداعي (القصة)·
- البحث الأدبي·
- البحث اللغوي·
وإن كان العمل الإبداعي يتكون من نتاج واحد يحتوي على ثمانية قصص، فإن البحث الأدبي قد استحوذ على جل نتاجه، بينما البحث اللغوي يكمن في كتاب واحد يتكون من سبعة أبحاث في الألسنية العربية·
تفاحة الخطيئة
يغمرنا الحدث منذ البدء في مجموعة القصص "آدم يأكل التفاحة ويتركني"، ولا يوفر سطرا للراحة أو الانتظار خارج حدود النص، ليخفينا بشكل متناسق في مساحة المكان المتجدد، ولننصهر مع مجموعة أبطال القصة تدريجيا الى أن نختفي تماما، بينما الزمن يتدفق نحو الماضي، ليبدو مثل نهر يحاول الصعود الى قمة الجبل، لنكتشف في كل قصة أن الحدث الحقيقي قد وقع بالفعل، وإن ما نقرأه هو جزء من الحقيقة التي نحترق لاكتشافها كاملة خارج حدود زمان ومكان النص·
الغموض والفشل
يقودنا أبطال القصة دائما مفتتحين النص، ليتشكل لنا مستوى أول من الزمن حدوده الحاضر، وبعد ما يشبه المقدمة القصيرة أو التعريف الموجز، يتماهي الأبطال متسللين بخفة من وراء أذهاننا نحو المستوى الزمني الثاني، الذي تتشكل حدوده في الماضي وفيه دائما تجري الأحداث، وغالبا ما يرافق الأبطال فعل الماضي (كررت الغوص - بحيرة على الرصيف)، وهي سمة بالطبع ستكون متكررة، وفي هذا المستوى الزمني أيضا هناك انتقال مزدوج يمتلك بعدين في آن نحو الماضي، ففي "آدم يأكل التفاحة ويتركني" وإذ يصل البطل في سرده الاسترجاعي الى مواجهة الأب، يبدأ بتذكر الحوار الذي دار بينه وبين "سهام" مما يشكل مستوى زمنيا ثالثا، ومن الملفت للانتباه أن جميع الأبطال من الرجال، غير أنه ركن الرجل في الزاوية وتصدرت البطولة امرأة في "حجرة مظلمة في زاويتها رجل"، إلا أن لأبطال متري بولس خاصية مشتركة، فهم دائبو الحركة والبحث عن هدف غامض، وقد عانوا جميعا من الفشل في النهاية·
حسبة الخيال
إن مجموعة القصص بكليتها تبدأ من النهاية، وعند مفترق النهاية تدشن رحلة أخرى من الخيال المفتوح يشكله ذهن القارئ ووعيه، وبرغم عتمة الطريق المؤدي الى الحقيقة الختامية، إلا أنه من الممكن لمس ذلك الخيط الخفي المضيء في غالب الأحيان، والنفاذ من خلاله الى مركز المعنى، ففي "حجرة مظلمة في زاويتها رجل" تجري أحداث القصة على مستويين، أحدهما ظاهري والآخر باطني، وفي المستوى الأول تبحث الزوجة في سلسلة من المواقف المختلفة عن زوجها الذي اختفى في ظروف غامضة، ولكنها لا تتمكن من معرفة مصيره، لتنتهي القصة الى هذا الحد وليدور القارئ بعدها في حلقات حسبة الخيال والوعي، ومن ثم الخروج بنتيجته الخاصة، بينما في المستوى الثاني نكتشف أن المغزى والغاية ليسا اكتشاف مصير الزوج، بقدر ما هو اكتشاف الزوجة لحقيقة زوجها، من خلال عملية البحث عنه، وهنا تكتمل فقط القصة، وتكمن نتيجتها الرئيسة، حيث يرتكز المعنى الحقيقي وراء أحداثها، وحيث تبدو نتيجة البحث في المستوى الأول مجرد حقيقة هامشية·
اللغة والذاكرة
يمكننا أن نلحظ في مجموعة القصص الحركة الدائبة للشخصيات، وعلى وجه الخصوص الأبطال منهم، مما يستدعي التغيير المستمر للأمكنة، والذي لا بد أن تتوافق معه لغة مرنة، أجاد في استخدامها المؤلف، علاوة على استخدامه المفردات النابضة والمعبرة بجمل مختصرة، تتناسب والتقلبات الدرامية السريعة لشخصيات القصة، وقد ألفنا حضورا مكثفا لفعل الماضي الذي تقتضيه تقنية السرد الاسترجاعي، ومن الملفت ذلك التواصل على مستوى اللغة الى حد الامتزاج ما بين القصة والأخرى، وبهذا المعنى امتلكت اللغة المستخدمة في مجموعة القصص حيويتها الخاصة، وبالتالي استطاعت أن تحافظ على مضمون القصص نضرا متجددا، منذ صدورها الأول أي قبل تسعة عشر عاما·
ليست ثمرة الإبداع ما يتبقى في الذاكرة، بقدر ما هي الأثر الخفي الذي يختمر وراء الذاكرة، مشتعلا بوميض يشبه الإدراك المتقد، غائبا بنشوة روحية غامضة، ووفق هذا المفهوم أرى أن مجموعة قصص "آدم يأكل التفاحة ويتركني"، قد أنجزت الهدف، وبلغت نشوته·
في الحقيقة لا بد لنا قبل الختام، أن نتساءل عن سبب توقف العمل الإبداعي عند المؤلف منذ 1984، وقناعته بمجموعة قصصية واحدة، هل جذبته البحوث الأدبية بعيدا عنه؟ أم أشبع أعماقه البحث في بحار المبدعين الآخرين؟ أو ربما اعتقد متري بولس أن كتابة القصة، والشروع في جنة الخلق المحض، هي الخطيئة اللذة التي ترتكب لمرة واحدة، ثم يعقبها الهبوط والفناء في ملكوت الناس·· ربما·
البحث الأدبي
تأخذك البحوث والمؤلفات الأدبية لمتري بولس نحو اكتشافات جديدة في مفاهيم ألفتها، وتلقي الضوء الأول على المسافات البكر لعظماء مبدعين أمثال جبران، ميخائيل نعيمة، وغيرهم، بالإضافة الى الكثير من الدراسات النقدية التي تناول بها الأعمال الإبداعية لمؤلفين معاصرين·
يحاول المؤلف في كتابه "في الفن القصصي" أولا أن يضع تعريفه الخاص للقصة، الأقصوصة، الحكاية، الرواية، وفي هذا الكتاب الذي يتكون من ثلاثة أجزاء، يضع المؤلف جزئية تشكل مركز النص، أو نصا بأكمله تحت مجهر النقد والبحث والتحليل، في إطار رؤية نافذة خلاقة، فقد تناول على سبيل المثال الرحلة في كتاب "خالد" لأمين الريحاني "انطلاقا من التركيز على الرؤية" للوصول "الى معالجة الرحلة"، وقد رأى أن الريحاني "يطوف في الآفاق ليكتشف الكون أما غاية هذه المطالعة فسبر عالم الريحاني لكشف أعماق نفسه"·
واقع جبران وخيال مي
يتصدى المؤلف في كتابه "جبران ومي بين الواقع والخيال" - 2001 - وفي ثلاثة بحوث أحسبها أكثر بحوثه تشويقا - جبران ومي بين الخيال والواقع، مي زيادة والصراع الوجداني، روافد الأدب الجبراني، الى وصف حقيقة العلاقة بين جبران ومي، وأسباب احتدام الصراع الوجداني عند مي والذي أدى الى انهيارها جسديا وعقليا، بالإضافة الى إحاطته بالروافد التي أثرت في الأدب الجبراني، ومن الجدير بالذكر أن بحثي، الصراع الوجداني، وروافد الأدب قد نشرا سابقا في كتاب تحت عنوان "في أدب النهضة الثانية" 1985، وما تعنيه النهضة الثانية هو أن "النهضة الأولى قامت على ربط الأدب بالتراث العربي القديم، في حين لجأت النهضة الثانية الى ربطه بالحياة المعاصرة وقضايا الإنسان بعامة ومن هذا المنطلق بحث الأدباء الذين يمثلون النهضة الثانية على سبيل المثال لا الحصر، بينما بحثه "جبران ومي بين الخيال والواقع" نشر سابقا في كتابه "أدب الأعماق والأبعاد"، وخلص فيه الى أن "النظر في الأسباب يؤدي الى انكباب الباحث على الحوافز والأعماق، أما تعيين الأهداف فيحمل الباحث على تلمس الغايات القصوى أي الأبعاد"·
وتوصل المؤلف في كتابه "جبران ومي بين الخيال والواقع" الى حقيقة العلاقة بينهما على أسس من التحليل العميق، ومجموعة من الوثائق المعتمدة، وخلص الى أن الأدب المهجري قاد مي الى جبران والعكس ليس صحيحا، وأن علاقتهما "منذ العام 1912 حتى العام 1918 كانت علاقة أدبية صرفة" وفي "شباط 1919··· أخذ يخاطب المرأة في مي "وبلغ حبهما مداه في 1924، وما بين خيال مي الطائر نحو "الضباب" وواقع جبران المقيد بعالم "الغاب" انطفأ اللقاء·
الصراع والهاوية
يجول بنا المؤلف في رحلة عميقة التشويق، مليئة بالأسئلة والاحتمالات، عن ماهية وجذور الانهيار النفسي وتشتت الإدراك عند مي زيادة في بحثه "مي زيادة والصراع الوجداني"، ويرى المؤلف أن شخصيتها العاطفية الانفعالية كانت تربة خصبة لتفاعل التجارب الحياتية، مما أدى لتجاذب عنيف ما بين رغبة الشعور وحواجز الإدراك، وقد وضع إصبعه على شرخ خفي يكمن في ثنايا كيانها، وهو موت شقيقها في مرحلة مبكرة من عمرها، فأسس الموت في كيانها حالة ثنائية قوامها طرفان يتصارعان، إضافة للعزلة المبكرة التي عانتها وهي طفلة في مدرسة داخلية، مما ساهم بشعورها بالاغتراب، واتساع الهوة بينها وبين الآخر، كل تلك الأسباب أسست لصراع دامٍ سوف يكبر معها، وباكتمال عناصره، سوف ينفجر بها·
لم يتوقف سيل التناقضات، ولم تخف وطأة الضغوط، إذ خبرت الخلاف الأول مع أسرتها إثر رفضها رغبة أهلها في زواجها من أحد أقاربها، لما يشكله من تهميش لمشاعرها وأفكارها، وقد عانت التمزق الداخلي في تبنيها النزعة الفردية الارستقراطية الممثلة بحياتها الأدبية، ومبدأ المساواة الذي لمسته وهز كيانها، مما أقام صراعا جديدا في دخيلتها بين ما يميل إليه القلب وما يمليه العقل، وفي ظل تفتت داخلي، وعزلة كامنة إبان طفولتها، يأتي التشتت المكاني الممثل بهوية الوطن والانتماء، كعامل ضغط مضاعف، فهي منتمية ولا منتمية في آن واحد لأوطان عدة، وأخيرا يرجح المؤلف "أن هواجس مي هي السبب الذي أدى بها الى حب جبران والتصدع نفسيا بعد موته، لم يضطرب عقل مي لأنها أحبت جبران وفقدته بل لم تكن راجحة العقل فأحبت جبران" وإن لم يكن موته سببا لعصابها فهو قد حطم مقاومتها وساهم في اضطراب عقلها، وما لم يقله الكاتب أن مي ربما اعتقدت أنها فقدت كل شيء إثر عجزها عن تحقيق النجاح على مستوى الأنثي البسيط، والاقتران بحبيب وتكوين أسرة برغم ما تشعر به من سمو وتميز في أعماقها، إضافة لانطفاء جذوة رسالتها الأدبية، فشهدت تحطم أحلامها من جهة وانهيار مشروعها الأدبي من جهة أخرى، وفي اللحظة التي شعرت بفقدانها لأحلام قلبها، وأدركت تفتت مبادئ العقل، وأن حبيبها الآتي هو الفشل، وأن أسرتها الوحدة، ولأنها تمتلك أرضية ممهدة بشتى ضغوط التناقضات، اتسعت تحت قدميها الهاوية، وانفجر الصراع، إن "عصاب مي هو النتيجة التي آل إليها صراعها مع ذاتها ومع الناس والكون" وتختصر هذه الجملة المحيطة بكل الأسباب، الجذر النهائي لمسببات الصراع·
التأثير والمؤثر
"والذي أفعله اليوم في وحدتي يعلنه المستقبل أمام الناس، والذي أقوله الآن بلسان واحد يقوله الآتي بألسنة كثيرة" جبران، دمعة وابتسامة ولا شك سيكتب الكثيرون، وتطرح الكثير من الرؤى والأفكار المختلفة حول جبران الإنسان والمبدع، وسوف ترصد مسيرة العطاء أيما رصد، وسوف يسير الباحثون الى أن يتحققوا من رؤية منبع النهر·
لقد كان الأدب الجبراني قاسما مشتركا في مؤلفات متري بولس، وقد كان جبران الإنسان حاضرا في أعماقه، فحتى في مجموعته القصصية نلمح ذلك الحضور على لسان بطل قصته - آدم يأكل التفاحة ويتركني - "علي أن أفهمهم كيف أحبت مي زيادة جبران دون أن تلتقيه، جبران شرب كثيرا حتى أتلف كبده" وفي تأكيد مذهل لمدى تمكنه من فهم جبران الإنسان من خلال أدبه يعلن بوضوح أنه "أدرى الناس بأن جبران كان أرق من أن يقتل، وأحن من أن يقسو" ووفق هذه الدراية الواثقة، يطالعنا واحد من أهم أبحاثه وهو "روافد الأدب الجبراني"، وقد فسر الرافد بالمؤثر ولم يربطه بالنتيجة وهو بالتالي ما صهره جبران من الآخرين، ليشيد به صرح رؤيته الخاص·
يرى المؤلف أن جبران آمن بالمبدأ الحلولي، وهذا ما جعله في رحلة مستمرة نحو الداخل، وعلى الدوام شعر أن ذاته هي مركز الكون، لأن الله مصدر الخلق موجود بها، وقد آمن أيضا بوحدة الوجود، وانتقل بنظرية النشوء والارتقاء "الى دائرة الروح"، وتأثر بأفكار وليم بليك، وتأر بالمعري وإن خالفه بالرأي، وقد كان له أيضا شيء من التصوف، وعلى وجه الخصوص آمن جبران بالتقمص، وهو يتم على شكل تطور معرفي يتدرج نحو الأسمى، ومثاله "الشاعر البعلبكي" - العواصف - وكتابه "النبي" بينما اعتبر جبران "المسيح إنسانا تأله ولم يعتبره إلها تأنسن"·
المتحول
يستكمل المؤلف برأيي بحثه "روافد الأدب الجبراني"، ببحثين جديدين في كتابه "ألغاز جبرانية 2001 وهما "وظيفة الميثولوجية" "وجبران ونيتشه" وفيه يطرح أسئلة عدة منها: متى تأثرت كتابات جبران بنيتشة؟ وما مدى هذا التأثر؟ ويخلص المؤلف الى أن "اطلاع جبران على نيتشة تم في حدود العام 1909-1910، وأول هذه المؤثرات على كتابات جبران هو إعادته لكتابة "الأجنحة المتكسرة" قبل نشرها عام 1912، "انطلاقا من منظور نيتشوي" ليبدأ التحول في اتجاهات الأدب الجبراني، فيأخذ منحى الهدم والعنف من أجل الخلق الجديد فيما يشبه عاصفة من الجحيم، أحرقت به جمود مفاهيم السلام الداخلي، وأنبتت في جذوره ثورة دامية من أجل تحقيق التفوق، وقد حملت رائعته "النبي" شكلا مستعارا من "زرادشت" نيتشة، برغم العلاقة الوثيقة ما بين "النص وسيرة جبران" بينما من صومعته رأى ميخائيل نعيمة من حيث الروح التي سكبها في ذلك القالب لم يدفع جزية إلا لخياله·
مؤلفات متري بولس
- آدم يأكل التفاحة ويتركني 1984·
- في أدب النهضة الثانية 1985·
- أدب الأعماق والأبعاد 1987·
- أبحاث في الألسنية العربية 1988·
- التكوين الأدبي 1991·
- الخوارق، جزءان 1993/1985·
- كما في الكتب 1999·
- في الفن القصصي 3 أجزاء 2001·
- جبران ومي بين الخيال والواقع 2001·
- ألغاز جبرانية 2001·