
* واشنطن تجاهلت أسباب شعور شرائح واسعة من المسلمين بالذل واليأس
* كولومبيا وإسرائيل وباكستان وأمريكا، على التوالي هي الدول الأكثر عرضة للإرهاب
* حرب العراق صعبت من إقناع الدول بالانصياع لبرامج الأمم المتحدة للتفتيش
* إذا كانت واشنطن جادة في مكافحة الإرهاب فلتتوقف عن ممارسته ومساندة الدول التي تمارسه
* خطر "القاعدة" لم ينخفض عما كان عليه قبل الحرب الأمريكية على الإرهاب
* الولايات المتحدة جعلت العراق يمثل خطرا إرهابيا بعد احتلالها له
* إدارة بوش استغلت "الحرب على الإرهاب" لتركيز السلطة والثروة في يد الأقلية
* يجب على الأمريكيين المحبين للعدالة والحرية التصدي لسياسات بوش
* 31 في المئة من الضباط الأمريكيين يخشون تحول بلادهم الى دولة بوليسية
* رئيس أركان الجيش الهندي السابق: "إذا خاصمتك أمريكا فما عليك سوى امتلاك "النووي"
بقلم: ستيفن شالوم
قدم كينيث أديلمان، المسؤول السابق في إدارة رونالد ريغن والمقرب كثيرا من تيار المحافظين الجدد الذي يحكم في البيت الأبيض الآن، نصيحته للرئيس جورج بوش كي يضمن إعادة انتخابه في عام 2004، قائلا: "يجب علينا ألا نحاول إقناع الناس أن الأمور في تحسن، بل علينا إقناعهم أن الزمن الذي نعيش فيه هو زمن الإرهاب"·
إن حقيقة تزامن رفع درجة التحذيرات من هجوم إرهابي مع فضيحة أو أخبار سيئة ترغب إدارة بوش في عدم وصولها الى صدارة عناوين الصحف، تجعلنا جميعا، في شك إزاء وجود تهديد إرهابي بالفعل، ولكن تلاعب الإدارة بالتحذير من خطر إرهابي يجب ألا يحجب عنا الأخطار الحقيقية التي يمثلها الإرهاب·
ولهذا، فإن من المعقول أن نتساءل الآن، وبعد عامين على فاجعة الحادي عشر من سبتمبر: ما الذي فعلته الإدارة لتقليص خطر الإرهاب المعادي للولايات المتحدة؟ لا سيما وأنها رهنت مستقبلها بحماية مواطنيها من الإرهاب·
عالم مزعزع الاستقرار:
في شهر مارس 2003 قدم المستشار الخاص للرئيس بوش لشؤون مكافحة الإرهاب راند بيرز استقالته، وفي شهر يونيو صرح بأن "الحرب على الإرهاب جعلتنا أقل أمانا، وليس أكثر أمانا"، وقال بأن إدارة بوش ركزت كثيرا على مهاجمة الإرهابيين في الخارج "فلم يكن هناك ما يكفي من التركيز على الدفاع والتعاطي مع المصادر الأساسية للاذلال واليأس اللذين تشعر فيهما شرائح واسعة من سكان العالم الإسلامي"·
والمهم في الأمر أن بيرز ليس ليبراليا، فهو من مخضرمي مجلس الأمن القومي، وظل طوال أكثر من عشرين عاما ينفذ بإخلاص، سياسات فظيعة في ظل إدارة ريغن وبوش "الأب" وكلينتون، ففي العام الماضي، ومن أجل مساعدة أحد القضاة في رفض دعوى تعارض "خطة كولومبيا" التي هي عبارة عن برنامج مساعدات أمريكية لكولومبيا بمليارات عدة من الدولارات، أدلى بشهادة قال فيها إن المسلحين الكولومبيين تلقوا تدريبات في معسكرات تنظيم القاعدة في أفغانستان، وهو الزعم الذي أجبر على سحبه لاحقا لأنه لا يستند الى أي أساس، ومع ذلك، فقد أشار بيرز بطريقته الخاصة، الى المشكلة الحقيقية·
إن مفتاح تقليص الإرهاب ضد الولايات المتحدة يكمن في القضاء على أقصى قدر ممكن من "المصادر الأساسية للإذلال واليأس" إذن، ما مدى نجاح إدارة بوش حين يتعلق الأمر بـ "الشرائح الواسعة من سكان العالم الإسلامي"؟
أخطار حقيقية
ولنأخذ بعين الاعتبار - مثلا - "مشروع بو للآراء العالمية" الذي أجرى مقابلات مع ستة عشر ألف شخص حول العالم: "لقد تهاوى التأييد الشعبي للولايات المتحدة في معظم أنحاء العالم الإسلامي، وانتشرت الرؤية السلبية للولايات المتحدة التي كانت مقصورة على دول في الشرق الأوسط، الى السكان المسلمين في أندونيسيا ونيجيريا، فمنذ الصيف الماضي، تراجعت التقييمات الإيجابية للولايات المتحدة من 61 في المئة الى 15 في المئة في أندونيسيا ومن 71 في المئة الى 38 في المئة في نيجيريا، وعلى ضوء الحرب "الأخيرة على العراق" بدأت نسبة متزايدة من المسلمين ترى أن هناك أخطارا حقيقية على الإسلام·
وقد عبرت غالبية السكان في 7 دول من أصل 8 أجريت فيها استطلاعات للرأي، عن القلق من أن الولايات المتحدة ربما تصبح تهديدا عسكريا لبلادهم··· وقد انخفض تأييد الحرب على الإرهاب بقيادة أمريكية في أوساط معظم جماهير المسلمين·
ومن المهم بدرجة موازية أيضا، أن أغلبية راسخة في مناطق السلطة الفلسطينية وأندونيسيا والأردن ونصف سكان المغرب وباكستان يقولون إن لديهم بعض الثقة على الأقل في أسامة بن لادن "يفعل ما هو صحيح في القضايا الدولية"·
وفي باكستان، فاز الأصوليون المناوئون للأمريكيين في الانتخابات المحلية في مقاطعتين من أصل أربع مقاطعات ويشكلون الآن، ثالث أكبر الأحزاب في البرلمان الوطني،وهو أفضل وضع تحققه هذه الأحزاب على الإطلاق، فللمرة الأولى، لا يأتيهم الدعم فقط، من المناطق المحاذية لأفغانستان، بل حتى من المدن·
وفي الكويت، حقق الأصوليون وأنصار الحكومة مكاسب مهمة في انتخابات مجلس الأمة في شهر يوليو الماضي، بينما مني الليبراليون بهزيمة ساحقة، وفي أندونيسيا، كتبت مراسلة "نيويورك تايمز" جين بيريز تقريرا ورد فيه أن "الجمعية الإسلامية لم تكن سوى المجموعة الأكثر تطرفا من بين عدد من المجموعات التي عززت مواقعها نتيجة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر والرد الأمريكي عليها في أفغانستان"·
نكسة للحرب على الإرهاب
فما هو تأثير هذه المشاعر المتنامية من العداء للولايات المتحدة على العالم الإسلامي؟ يضع المركز العالمي لبحوث الأسواق الذي يتخذ من لندن مقرا له ويُعنى بتقييم التهديدات الإرهابية لصالح مؤسسات عالمية كبرى، يضع كولومبيا وإسرائيل وباكستان، باعتبارها الدول الوحيدة في العالم التي تواجه خطر الإرهاب أكثر من الولايات المتحدة، وحذر المركز في شهر أغسطس الماضي من أن "هناك احتمالات قوية بوقوع هجمات، على غرار الحادي عشر من سبتمبر، داخل الولايات المتحدة"، وأن "العمليات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، فاقمت المشاعر المناوئة للولايات المتحدة"·
صحيح أن الكثير من أعضاء تنظيم القاعدة قتلوا أو اعتقلوا، لكن إجماع الخبراء لا يبشر بالتفاؤل، فقد خلص "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" المحافظ، في شهر مايو الماضي الى أن تنظيم القاعدة "أصبح أكثر مكرا ولا يقل خطورة" عما كان عليه قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001، وكتب جاسون بورك الذي يعكف على وضع كتاب حول "القاعدة" يقول إن "الصراع في العراق أدى الى أن تنامي استقطاب المجموعات الراديكالية لعناصر جديدة أصبح الآن واضحا لدرجة يقر بها مسؤولو البيت الأبيض، وهذه نكسة للحرب على الإرهاب"·
ويورد الخبير في تنظيم القاعدة في جنوب شرق آسيا روهان غوناراتنا أن التنظيم لم يكن يواجه مشكلات في تجنيد أعضاء جدد من بين المسلمين الذين غذت الحرب على العراق مشاعرهم المناهضة للولايات المتحدة والغرب·
وأضاف أنه "مقابل كل 5-3 أعضاء في الماضي، لديهم الآن 10-5 أعضاء إضافيين ونتيجة لذلك، فسيكون بمقدور المجموعات الإرهابية النشطة أن تنمو وأن تصبح أكثر قوة وتأثيرا"، وقد أبلغ غوناراتنا "اللجنة الوطنية حول الهجمات الإرهابية" على الولايات المتحدة أن أقل من 20 في المئة من سكان الدول الإسلامية - باستثناء فلسطين - يدعمون الإرهاب بشكل فاعل "ولكن ذلك قد يتغير مع مرور الوقت، خاصة بعد 11 سبتمبر وتدخل الولايات المتحدة في العراق" على حد تعبيره، أما جيسيكا شتيرن مؤلفة كتاب "الإرهاب باسم الله: لماذا يمارس الأصوليون المتدينون القتل؟" فتقول إن "الولايات المتحدة احتلت دولة لم تكن تمثل خطرا إرهابيا هي العراق، وحولته الى بلد يمثل هذا الخطر بالفعل"·
أوهام وحقائق
لقد خلفت إدارة بوش التي كانت تحذر بشدة من أن صدام حسين قد يسرب أسلحة الدمار الشامل الى تنظيم القاعدة أو إلى إرهابيين آخرين، خلقت الآن وضعا قد تتحول فيه مثل تلك الأوهام الى حقائق·
فربما توصل الإرهابيون في العراق الى المواد المشعة ونهبوها وربما حصلوا على نفايات نووية من موقع "التويثة" أو غيره من المواقع النووية التي ظلت بلا حراسة أمريكية خلال الأسابيع التي أعقبت الحرب، فتلك لم تكن مواقع أو منشآت عسكرية ولكن يمكن استخدام بعض المواد المفقودة منها في صناعة "القنبلة القذرة"·
لقد ظل الرئيس بوش يبالغ دائما في الخطر الذي قد ينجم عن امتلاك صدام لأسلحة الدمار الشامل، ولكن لا يوجد ما يدعو الى الاعتقاد بأن الردع ما كان لينجح مع هذا النظام كما فعل مع ستالين وماو، غير أنه ما من شك في أنه كلما زاد عدد الدول التي تمتلك مثل هذه الأسلحة، أصبح العالم أكثر خطرا، ولذلك، فإن من المنطقي أن نسأل عن تأثير سياسة بوش الخارجية على حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، وليس من المحتمل أن تكون نتائج حرب العراق في هذا المجال، إيجابيا·
وكما كتب جوزيف سيرنسيون، مؤلف كتاب "الترسانات القاتلة: البحث من أسلحة الدمار الشامل"، وهو أيضا من كبار الباحثين في مؤسسة كارينغي، فإن "المسؤولين الأمريكيين يوردون التقارير التي تفيد بأن كوريا الشمالية تسارع الخطى في برنامجها النووي بدلا من التخلي عنه، كما عمدت إيران على زيادة إظهار برنامجها النووي المفترض أنه لأغراض سلمية وتصر على المضي قدما فيه، الأمر الذي يمكنها من الحصول على اليورانيوم المخصب الذي يستخدم في تصنيع القنابل النووية، وإعادة معالجة البلوتونيوم، وكما قال قائد الجيش الهندي عقب حرب الخليج 1991، "ربما يعتقد المسؤولون في بيونغ يانغ وطهران، أنك إذا وجدت نفسك في يوم ما تواجه معارضة من الولايات المتحدة، فمن الأفضل لك أن تمتلك السلاح النووي"·
وما من شك في أن إقناع الدول التي تلقى معارضة من الولايات المتحدة، بالانصياع لبرامج الأمم المتحدة للتفتيش على أسلحة الدمار الشامل، سيكون أصعب من أي وقت مضى، وذلك لأن العراق حين قبل بالمفتشين - على مضض - فقد أتاح لهم الفرصة بتدمير بعض صواريخه وجعل نفسه عرضة للتجسس الأمريكي، ومع ذلك تعرض للهجوم من قبل الولايات المتحدة·
أدوات مشروعة
ومن منظور سلامتنا على مدى العامين منذ هجمات 11 سبتمبر، عملت الولايات المتحدة جاهدة لخلق عالم أكثر خطورة، فقد أوقفت الجهود لتحسين الالتزام الدولي "بميثاق الأسلحة السامة والبيولوجية" وأصرت على تحفظاتها على "ميثاق الأسلحة الكيماوية" مما أتاح للرئيس رفض التفتيش على المنشآت الأمريكية بذرائع الأمن القومي، وفي ما يتعلق بالأسلحة النووية، رفضت إدارة بوش المصادقة على "معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية" وقالت إنها لا تستبعد استئناف التجارب النووية، وأعلنت أنها قد تستخدم الأسلحة النووية ردا على أي تهديدات كيماوية أو بيولوجية، وأن هناك حاجة لأسلحة نووية جديدة لاستهداف أي مواقع أسلحة بيولوجية أو كيماوية في دول معادية مستقبلا، فضلا عن مواقع قيادة محصنة لها تحت الأرض، وقد بدأت بإجراء البحوث بهدف إدخال تعديلات على نوعين من القنابل النووية التي تمتلكها، واقترحت إلغاء الحظر المفروض منذ عشر سنوات على بحوث وتطوير القنابل النووية الصغيرة·
وكما أشارت "منظمة الحد من التسلح"، فإن "سياسات الولايات المتحدة ذات القوة السياسية والعسكرية الأكبر في العالم تؤدي الى إضعاف جهود منع انتشار الأسلحة من خلال إعطاء الإشارة للدول الأخرى بأن الأسلحة النووية تمثل أدوات مشروعة وضرورية ويمكنها تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية، فليس من شأن مثل هذا النهج - إذا ما طبق - سوى زيادة مخاطر سعي الدول والمجموعات الأخرى لامتلاك - وربما استخدام - مثل هذه الأسلحة يوماما"·
كم هي آمنة أمريكا
إذا كانت إدارة بوش تزعزع - بسياساتها الخارجية - الاستقرار في العالم أجمع، فماذا عن سياساتها الداخلية؟
بموجب "قانون الوطنية" وقانون آخر سابق له، من المؤكد أن وزارة العدل اعتقلت أو احتجزت أعداداً كبيرة من الناس، وهي الأفعال التي تعرض الحريات المدنية للخطر بينما لم تفعل الكثير لمواجهة الخطر الحقيقي للإرهاب·
وفي الواقع، فإن هناك تصوراً أن خطر الإرهاب في الداخل قد تزايد·
لقد أصبح الخطر على الحريات الأساسية ماثلا للعيان ولم يعد المرء بحاجة الى الرجوع الى مصادر يسارية - ليبرالية لإثبات وجوده، فقد تبين من استطلاع للرأي أن 31 في المئة من ضباط الأمن الأمريكيين يعتقدون أن هناك خطراً من تحول الولايات المتحدة الى دولة بوليسية، فقد حذر المنظّر الأيديولوجي المحافظ البارز والزعيم السابق للأغلبية في مجلس النواب ديك آرمي من أن وزارة العدل "قد خرجت عن نطاق السيطرة" وأنها "أصبحت أخطر فروع الحكومة"، وأصدرت ثلاث ولايات بما فيها ولاية ألاسكا التي يحكمها الجمهوريون، فضلا عن 157 مدينة وبلدة ومقاطعة، قرارات تعارض "قانون الوطنية"·
وفي مقابل هذا التآكل في الحريات المدنية، لم تحرز الإدارة تقدما ملموسا على صعيد الأمن، ففي الأسابيع التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر، جرى اعتقال المئات بصورة سرية، وقد بُرىء جميع المعتقلين تقريبا من أي صلة بالإرهاب، وقد استغرقت عملية التبرئة في المعدل نحو 80 يوما، كان يتم خلالها احتجازهم في ظروف قاسية وتعرضوا أحيانا لسوء المعاملة، وفقا للمفتش العام لوزارة العدل، وكما قال البروفيسور في القانون ديفيد كول، فإن:
"جون أشكروفت بالغ كثيرا في نجاحاته، فقد زعم أنه وجه اتهامات لـ 225 مجرما في التحقيقات بشأن الإرهاب، لكن الغالبية العظمى من هذه الاتهامات كانت ذرائعية جنائية (مثل الغش باستخدام بطاقة الائتمان أو الكذب على عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالية) واستخدمت هذه الاتهامات لتبرير اعتقال أناس تبين أن لا صلة لهم بالإرهاب، وبالمثل، زعم أشكروفت أنه أبعد 515 شخصا، لكنه لم يذكر سياسة وزارة العدل التي تفوض بإبعاد الأشخاص وذلك فقط بعد تبرئتهم من قبل "إف· بي· آي" من أي صلة لهم بالإرهاب"·
مقاتلون أعداء
وفي بعض الحالات القليلة التي أدين فيها أشخاص باتهامات بأن لهم صلة بالإرهاب، هناك ما يبرر الاعتقاد بأنهم أقروا بأنهم كانوا مذنبين ليس لتورطهم في أعمال عنف، بل لتعرضهم للتهديد باعتبارهم "مقاتلون أعداء" وبالتالي، يصبحون خارج نطاق الحماية وفقا للحقوق الأساسية·
إن التعامل المناسب مع الإرهاب لا يتطلب السلطات الإضافية لـ "قانون الوطنية"، ناهيك عن السلطات الواسعة التي يتضمنها "قانون الوطنية رقم (2)"· ولكن لهذا القانون قيمة واضحة بالنسبة إلى المسؤولين الذين يزمعون على جمع معلومات غير محدودة حول مواطنينا، (ذلك ليس دقيقا، حيث يريد أشكروفت تدمير سجلات مبيعات الأسلحة المخزنة في قاعدة بيانات على المستوى الفيدرالي بعد 24 ساعة وحظر استخدامها في التحقيقات حول الإرهاب)·
فالممارسات في الدول البوليسية ليست فقط غير فاعلة وغير عادلة، بل قد تؤدي الى نتائج عكسية، فالشرط الحاسم للكشف عن أي خلية إرهابية في الولايات المتحدة هو الحصول على دعم الجاليات في الولايات المتحدة، ولكن إجراءات التصوير وأخذ البصمات على أساس إثني وخضوع المقيمين لمقابلات تحت ضغوط شديدة وعمليات الاعتقال السرية وسوء معاملة أبناء الجالية المسلمة، كل ذلك أضعف من الدعم الذي كان يمكن أن تحصل عليه وزارة العدل من هؤلاء·
وفي الواقع، فإن هناك الكثير من الإجراءات التي يمكن، وكان ينبغي، اتخاذها لتقليص خطر الإرهاب، وهي خطوات قوبل الكثير منها بالمعارضة من إدارة بوش لأنها تتطلب تنظيم الشركات الخاصة أو الدعوة الى الإنفاق الحكومي الذي قد يستنثي تخفيض الضرائب عن الأثرياء·
وخذ على سبيل المثال، المنشآت الكيماوية، فوفقا لوكالة حماية البيئة، هناك 123 منشأة كيماوية أمريكية يمكن أن يؤدي تسرب الغازات منها الى تهديد حياة مليون شخص على الأقل، إضافة الى 700 منشأة تهدد حياة 100 ألف شخص وثلاثة آلاف منشأة تهدد كل منها حياة عشرة آلاف شخص، وهناك اقتراح بقانون يقضي بتطبيق الحد الأدنى من إجراءات السلامة على هذه المنشآت منذ شهر أكتوبر 2001، لكن هذه الصناعة والمسؤولين في البيت الأبيض أصروا على "التطبيق الطوعي" لهذه الإجراءات·
ومثال واحد حول مشكلة الاعتماد على تطوع الشركات الخاصة هو ما وجدت جريدة "نيويورك ديلي نيوز" في يوليو 2003 من أنه ليس هناك أي إجراءات أمنية في منشآت ماثيسون ترايغاس في شرق روثرفورد في نيوجيرزي مما قد يضع 7,3 مليون شخص من سكان منطقة نيويورك في خطر في حال حدوث أي تسرب للغازات منها·
تشيرنوبل أمريكي
أو خذ، على سبيل المثال، منشآت الطاقة النووية، وخاصة النفايات النووية وأماكن تخزين الوقود المستنفد، والتي تشكل خطرا أكبر من المفاعلات نفسها، إذ إن تعرض هذه الخزانات لعملية إرهابية قد يشعل النيران التي قد تؤدي الى تسرب الإشعاع، ووفقا لدراسة أعدها عالم الفيزياء فرانك فون هيبل، فإن مثل هذا الإشعاع قد يؤدي الى تلوث يزيد 70 مرة عن التلوث الذي سببه مفاعل تشيرنوبل عام 1986"، وأشارت دراسة أخرى لمختبر بروكهافن الوطني أن اندلاع النار في مثل هذه المستودعات قرب مدينة قد يؤدي الى وفاة 140 ألف شخص نتيجة الإصابة بأمراض مختلفة من السرطان، فضلا عن خسائر مادية تفوق نصف تريليون دولار·
وهذه المواقع ليست آمنة الآن على الإطلاق، ومن الحلول ذات التكلفة المعقولة للمشكلة والتي لا تزيد عن 45 مليون دولار لكل منشأة سنويا وذلك من أجل تحويل أحواض النفايات الى مواد جافة، الأمر الذي يجعلها أقل عرضة لهجمات إرهابية، ولكن إدارة بوش لم تبحث في هذا الحل أو في غيره من الحلول التي تترتب عليها تكلفة مادية على هذه الصناعة·
وكانت وزيرة النقل الأمريكية قد وصفت الموانئ، في شهر مايو الماضي، بأنها الجزء الأكثر عرضة في شبكة المواصلات الأمريكية، وقالت إنه "في ظل هذا العدد الهائل من الحاويات التي تدخل البلاد، ليس لدينا نظام جيد للتعرف على ما تحويه هذه الحاويات وأعتقد أن هذه واحدة من المشكلات التي لم تتمكن بعد من التعامل معها"، فقد تمكن أحد مراسلي "نيوزويك" أخيرا من قيادة سيارته الى أن وصل الى خطوط الشاحنات في مرفأ بالتيمور الذي يصفه مسؤولو الجمارك الأمريكيون بأنه يتمتع بأفضل حماية، من دون أن يوقفه أحد، وأمضى ساعتين يتجول بين الحاويات دون أن يراه أحد·
وحين يتعلق الأمر بالتخطيط للرد على عمل إرهابي - لا يقل أهمية لسلامتنا - فإن السجل ليس أفضل حالا، فقد أجرت "مؤسسة راند" دراسة لصالح "مراكز الرقابة على المرض" لعمال الطوارئ في 40 مدينة وبلدة، وأظهرت الدراسة أن غالبيتهم يشعرون أنهم أقل استعدادا وأقل حماية، وورد في تقرير لـ "مجلس ستيد حول العلاقات الخارجية" أنه "على الرغم من أن الجمهور الأمريكي - في بعض الجوانب - أصبح الآن أكثر استعدادا للتعاطي مع الخطر الإرهابي، مما كان عليه قبل عامين، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تفتقر للاستعداد الجيد لمواجهة هجوم كارثي على الأراضي الأمريكية"·
دعاية وخوف
وبطبيعة الحال، فإن الأمريكيين ليسوا وحدهم ضحايا الإرهاب وإذا كانت الحكومة الأمريكية معنية فعلا بتقليص خطر الإرهاب الدولي فعليها التوقف عن تقديم الدعم للدول التي تمارس الإرهاب ضد مواطنيها مثل أندونيسيا وكولومبيا وتركيا، وعليها كذلك، أن توقف سياسات الإرهاب التي انتهجتها منذ زمن طويل، سواء كان ذلك ضد كوبا منذ عقود عدة أو ضد نيكاراغوا منذ الثمانينات، أو العقوبات الاقتصادية التي راح ضحيتها أعداد مريعة أو استخدام القنابل العنقودية في مناطق مدنية في أفغانستان والعراق·
إن نفاق "الحرب الأمريكية على الإرهاب" يثير الخزي، ولكن ذلك لا يعني أن الإرهاب المناوئ للولايات المتحدة هو خرافة، إنه خطر حقيقي ومميت ويتطلب ردا جديا، وقد ردت إدارة بوش بالفعل، وجاء ردها على شكل غزو خارجي والقيام بالاعتقالات التي لم تصل الى شيء معين، وفتح معتقل غوانتانامو وتوجيه الإنذارات للمواطنين باستمرار وسن قوانين الوطنية، أي إن ردها اتسم بالدعاية والخوف، لكن حربها على الإرهاب كانت مجرد خدعة، فبهذه الحرب عملت على زيادة أخطار الإرهاب في الخارج دون أن تحمينا منه في الداخل، لقد استخدمت إدارة بوش مسألة الإرهاب و"الحرب على الإرهاب" من أجل مزيد من تركيز السلطة والثروة في أيدي الأقلية، لقد أعلن أشكروفت أن أولئك الذين يعارضون "قانون الوطنية" إنما يساعدون الإرهاب، وقال بوش إن "من ليس معه فهو ضده" في الحرب على الإرهاب، فإذا كان الأمريكيون معنيين حقا بأمنهم، ناهيك عن العدالة والحرية، فيتعين عليهم أن يقفوا ضده·
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com