رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 16 رجب 1424 هـ -13 سبتمبر 2003
العدد 1594

اثنان من رموز المحافظين الجدد في واشنطن يدقان ناقوس الخطر:
عواقب وخيمة للفشل في العراق على مصالحنا وزعامتنا للعالم

                                               

 

 

" العراق سيكون منطلقا - أو مقبرة - لرؤية بوش لشرق أوسط جديد

" الموارد المالية والعسكرية المخصصة للعراق حتى الآن ليست كافية

" الدعوات لـ "تدويــل" الشأن العراقي في الكونغرس خطأ وتخدم الأعداء

"  تحقيق الأمن وحماية الحدود مع سورية وإيران يحتاج إلى فرقتين إضافيتين

 

بقلم: روبرت كيغان ووليام كريستولü

يعتبر روبرت كيغان ووليام كريستول وهما من الرموز البارزة في تيار المحافظين الجدد في واشنطن أن نجاح المهمة الأمريكية في العراق هو مسألة حياة أو موت لمشاريع السياسة الخارجية الأمريكية ولقيادة الولايات المتحدة للعالم بل وحتى للأمن القومي ذاته·

والفشل - في نظرهما - يشكل ضربة مدمرة لكل ما تتوق الولايات المتحدة لتحقيقه خلال العقود المقبلة·

ففي ظل تعثر المهمة الأمريكية في العراق ووقوع المزيد من الهجمات ضد القوات الأمريكية وضد العراقيين المتعاونين معها، وفي ظل التباطؤ في إعادة الخدمات الأساسية للمواطنين، وهي العوامل التي تجعل العراقيين يتشككون بصورة متزايدة في حقيقة النوايا الأمريكية، يبدو أن المحافظين الجدد بدأوا يوجهون سهام انتقاداتهم لطريقة تعاطي إدارة بوش مع الوضع العراقي·

ومن أجل ضمان نجاح المهمة الأمريكية في العراق، يقترح الكاتبان "تخصيص ما يكفي من الموارد المالية والبشرية وبشكل يتناسب مع المخاطر المترتبة على فشلنا في العراق، لأن هذا الفشل - إذا حدث - فستكون له عواقب كارثية على المصالح الأمريكية في المنطقة والعالم"·

 

ألقت مستشارة الرئيس بوش لشؤون الأمن القومي كونداليزا رايس خطابا مهما قبل ثلاثة أسابيع، دعت فيه الولايات المتحدة للقيام بما اسمته "التزاما يمتد لأجيال" لإحداث إصلاح سياسي واقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط التي عانت من التجاهل لفترة طويلة، التزاما لا يختلف عن ذلك الذي قطعناه على أنفسنا لبناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لقد كان خطابا مثيرا، ومما جعله يحظى بالاهتمام هو الإدراك بأنه يعكس رؤية الرئيس بوش، فالرئيس يدرك أن القيم والمصالح الأمريكية تتلاقى - كما كانت دائما - في مشروع واحد يجعل الشرق الأوسط أكثر ديمقراطية ويحسن حياة الناس الذين يعانون منذ زمن طويل، وفي الوقت ذاته، يعزز الأمن القومي للولايات المتحدة·

ومع كل إعجابنا بهذه الرؤية الجريئة وبعيدة المدى، إلا أن هناك ما يبرر الشعور بالقلق إزاء تطبيق هذه السياسة في الاختبار الأول وربما الأكثر أهمية لـ "التزامنا عبر الأجيال"·

ودعونا لا نخطئ الحسابات، فرؤية الرئيس، إما أنها ستنطلق في العراق بنجاح خلال الأشهر القليلة المقبلة أو تموت هناك·

وفي الواقع، فإن للولايات المتحدة مصلحة أكبر في العراق من رؤية لشرق أوسط أفضل وأكثر أمانا، فالوضع العراقي ينطوي على خطر على اتجاه السياسة الخارجية للولايات المتحدة وعلى قيادتها للعالم وعلى الأمن الأمريكي نفسه، فالفشل في العراق سيشكل ضربة مدمرة لكل ما تطمح واشنطن لتحقيقه أو بالأحرى، ما يجب عليها تحقيقه، خلال العقود المقبلة·

تشكيك في النوايا

ونحن نعتقد أن الرئيس بوش ومستشاريه يفهمون مدى خطورة هذه المهمة، ولهذا السبب يشعر المرء بالحيرة لأن إدارة بوش قد فشلت - حتى الآن - في تخصيص موارد لإعادة بناء العراق، تتناسب مع المخاطر الكبيرة التي ينطوي عليها فشل الولايات المتحدة هناك، ومن المؤكد أن الجهود الأمريكية في العراق منذ انتهاء الحرب لا تمثل فشلا، بل إننا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأخطاء التي وقعت فعلا، مقارنة بما كان يتوقعه منتقدو الإدارة، فإن النتائج ربما تكون مثيرة للإعجاب على أكثر من صعيد، إذ لم تغرق البلاد في عنف طائفي أو أثني، ويتوفر الماء والغذاء في البلاد، والمستشفيات تعمل وبحالة جيدة، ولم تعم الفوضى أرجاء العالمين العربي والإسلامي احتجاجا وغضبا على شن الحرب على العراق كما توقع الكثيرون من أصدقائنا الأوروبيين، بكل ثقة·

ولكن غياب الفشل المأساوي - لسوء الحظ - ليس دليلا على نجاح وشيك، وكما أشار عدد من المحللين المرموقين الذين زاروا العراق أخيرا، وكما أظهرت الأحداث المروعة التي وقعت هناك خلال الأسابيع الأخيرة، فإن المرء يجد الكثير من دواعي القلق، فالأمن الأساسي سواء للعراقيين أو لقوات التحالف أو الجهات الدولية الأخرى، لا يزال مفقودا·

وقد أدى الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي في معظم أرجاء العراق، الى الإضرار بسمعة الولايات المتحدة كقوة احتلال تتحمل المسؤولية، ودفع بالكثير من العراقيين للتشكيك بالنوايا الأمريكية، ويهدد باستمرار عمليات الاغتيال وتخريب المنشآت العامة من قبل عناصر موالية لصدام أو - ربما - إرهابيين دخلوا البلاد من سورية أو إيران، لزعزعة استقرار البلاد الهش منذ إنهاء الحرب·

وباختصار، ففي حين يمكن للولايات المتحدة، بقليل من الحظ، تحقيق النجاح في العراق على مدى الأشهر القليلة المقبلة، فإن الخطر يكمن في أن الموارد التي تخصصها الإدارة للعراق الآن، ليست كافية ويتم نشرها ببطء لا يتلاءم مع حالة العراق الطارئة والملحة·

وإذا لم تسارع واشنطن الى معالجة هذه الإخفاقات قريبا، فإنها قد تقود - مع مرور الوقت - الى كارثة·

3 أسئلة كبرى

وفي هذا السياق، تواجه الولايات المتحدة ثلاثة أسئلة كبرى:

السؤال الأول: أين هي القوات الأمريكية؟

من الواضح على نحو مؤلم أن عدد القوات الأمريكية العاملة في العراق قليل جدا، ويتحدث مسؤولون عسكريون أمريكيون في المجالس الخاصة عن الحاجة الى فرقتين إضافيتين للعمل في العراق، والحقيقة البسيطة الآن هي أن هناك القليل من الأخيار الذين يقومون بمطاردة الكثير من الأشرار، وبالتالي، عمليات التخريب المستمرة، وهناك عدد قليل من القوات لا يكفي لحراسة الحدود مع سورية وإيران لمنع تسلل إرهابيين دوليين يحاولون فتح جبهة جديدة ضد الولايات المتحدة في العراق، وهناك عدد من القوات لا يكفي لحماية البنية التحتية الحيوية والمباني العامة، وعلى العكس مما يقوله البعض، فإن المزيد من القوات لا يعني مزيداً من الإصابات في صفوف القوات الأمريكية، بل إن المزيد من القوات يعني إصابات أقل في صفوف الأمريكيين والعراقيين معا·

تفكير حالم

ولكن الأنباء السيئة بالفعل هي أن البنتاغون يخطط لمزيد من خفض عدد القوات خلال الأشهر القليلة المقبلة·

ويأمل مسؤولو الدفاع الأمريكيون أن تحل قوات عراقية وأخرى من دول حليفة من شتى أنحاء العالم، محل القوات الأمريكية، ونخشى أن يكون ذلك مجرد تفكير حالم، إذ يبدو من غير المحتمل ظهور أي قوة عراقية قادرة على حفظ الأمن قبل الربيع المقبل، وبالنسبة للمجتمع الدولي، بصرف النظر عما إذا كنا سنتمكن من إقناع فرنسا ودول أخرى على الإسهام بشكل جدي في قوات دولية تعمل في العراق، فإن حلفاءنا الأوروبيين ليست لديهم - في الواقع - تلك الأعداد الكبيرة من القوات التي يمكن أن يستغنوا عنها ويقبلوا بإرسالها الى العراق، كما علينا أن ندرس الآثار السلبية التي قد تترتب على تسليم أمن العراقيين لقوات دولية ليست مجهزة ومدربة بشكل جيد·

لهذا السبب، فإن دعوات بعض أعضاء الكونغرس من أجل "تدويل" القوات في العراق وإعطاء الأمم المتحدة دورا بارزا، ليست مفيدة ويجانبها الصواب، في هذا المنعطف الحاسم، لقد كان السيناتور بايدين محقا بالقول إن "لدينا فريقا يتمتع بالكفاءة ولكن ينقصه كل شيء" ولكنه أخطأ بالإشارة الى أن جزءاً مهما من الحل هو بـ "تدويل" الوضع، وحين يقول عضو مجلس النواب مارك كيرك أن "كل جندي من قوات دولية لحفظ السلام يأتي الى العراق يمثل فرصة لاستبداله بجندي أمريكي"، فإنه - بذلك - ينعش آمالا زائفة في أذهان الشعب الأمريكي، ومثل هذه الدعوات لـ "التدويل" تعطي إشارة للبعثيين والأصوليين المتطرفين بوجود رغبة أمريكية لنفض يدها من العراق·

وأنه صحيح - لسوء الحظ - أن الولايات المتحدة ليس لديها قوات يمكن أن تستغني عنها أيضا، لقد كان يتعين البدء بإعادة بناء قواتنا قبل عامين، ولكن الصحيح أيضا أن فكرة زيادة عدد قواتنا في العراق أو بصورة عامة، لا يلقى ترحيبا من قبل إدارة بوش، ولكن، حان الوقت بالنسبة للولايات المتحدة كي تتجرع المرارة وتتحمل دفع الثمن، فإذا ما حلت الكارثة مع قدوم الربيع، قد تصبح مهمتنا أصعب، وربما يكون قد فات الأوان·

السؤال الثاني: أين هي الأموال؟

الشيء ذاته ينطبق على الموارد المالية التي سعت الولايات المتحدة لتأمينها من أجل إعادة بناء العراق، إنه لأمر غير معقول أن يتواصل انقطاع التيار الكهربائي في العراق بشكل جعل الرأي العام العراقي ينقلب ضد الولايات المتحدة، فهذه واحدة من المشكلات التي يمكن حلها لو توافرت الأموال، وكذلك، فإن الاقتصاد العراقي بحاجة الى مساعدة من أجل إعادة بناء البنية التحتية وتحسين الحياة اليومية للمواطنين واستبدال التشاؤم بالتفاؤل·

وعانى العراقيون خلال الآونة الأخيرة أيضا، من شح في المساعدة الديمقراطية، في وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي انفجارا في النشاط السياسي في العراق·

دفعة على الحساب

إننا نفهم مخاوف إدارة بوش من طلب الأموال اللازمة للعراق من الكونغرس، فمن شأن طلب هذا العون الذي قد يصل الى 60 مليار دولار، أن يوفر فرصة لمرشحي الرئاسة الانتهازيين من الحزب الديمقراطي، الذين بدأوا يتذمرون بالفعل من أن الأموال التي تنفق في العراق كان من الأولى إنفاقها في الولايات المتحدة، ولكن - مرة أخرى - هذا هو الوقت المناسب لاتخاذ القرار الصعب، وليس بعد ستة أشهر حين يتحول العراق الى أزمة وتبدأ الحملة لانتخابات الرئاسة الأمريكية، فإذا كانت كونداليزا رايس وغيرها، جادين في القيام بـ "التزام عبر الأجيال" شبيه بالتزامنا في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، فإن ذلك يمثل الدفعة الضرورية على الحساب·

والسؤال الثالث: أين هم الموظفون المدنيون الأمريكيون؟

القوات الأمريكية في العراق، ليست هي وحدها التي تواجه نقصا في القوى البشرية، فكل من عاد من العراق يعلق على النقص المذهل للمدنيين الأمريكيين أيضا، فحتى وقت قصير، لم تكن في العراق سوى حفنة من موظفي وزارة الخارجية الأمريكية، فقد واجهت وزارة الخارجية صعوبة في جذب المتطوعين للعمل في العراق، وهذا أمر مفهوم، لكنه غير مقبول، ولو كانت الإدارة جادة في عقد مقارنة مع السنوات الأولى للحرب الباردة، فعليها أن تتذكر أن الحكومة الأمريكية بكاملها كرست نفسها - آنذاك - لمواجهة التحدي الجديد، ونحن بحاجة الى أن نفعل شيئا مشابها الآن، ويجب على الإدارة أن تصر على أن تدخل وزارة الخارجية على الخط بكل ثقلها، وفي الواقع، نحن بحاجة لنشر دبلوماسيين وموظفين وتوظيف وحشد الناس والموارد بطريقة ملحة وجادة، فالعمل بهذه الطريقة التي تجري الآن، ليس مقبولا، وعلينا أن نجعل من إنجاز مهمتنا في العراق أولوية قصوى، ويجب على حكومتنا أن تتعامل مع الشأن العراقي بهذا الشكل·

هذه هي المشكلات الجوهرية التي تحتاج إدارة بوش لمعالجتها، فالنجاح في العراق في متناول أيدينا، ولكن هناك ما يدعو للخوف من أننا في ظل التعامل الحالي مع الوضع، لن نظفر بذلك النجاح، ويدرك الرئيس جورج دبليو بوش أن الفشل في العراق أمر لا يمكننا تحمله، والآن، فقد حان الوقت للتحرك الحازم للحيلولة دون الفشل·

ü كيغان أحد مؤسسي "مشروع القرن الأمريكي الجديد" وهو زميل بارز في "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي" ومحرر في مجلة "ويكلي ستاندارد وكاتب منتظم في "واشنطن بوست"·

أما كريستول فهو أيضا من مؤسسي "مشروع القرن الأمريكي الجديد" ورئيس مجلس إدارته، ورئيس تحرير "ويكلي ستاندارد" وسبق له أن عمل رئيسا لطاقم موظفي نائب الرئيس الأسبق دان كويل·

 

" عن مجلة ويكلي ستاندارد "

طباعة  

لماذا لا نسلم "الإدارة المدنية" لشخصية أوروبية؟ يجب التنازل عن بعض سلطاتنا في العراق·· وأمريكا لن تنجح بمفردها