رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 16 رجب 1424 هـ -13 سبتمبر 2003
العدد 1594

كتابة

البريكان الخالد، مرة أخرى (مواقف)

محمود سعيد

كنا (1) معتادين على التمشي بعد الدوام، لبعض الوقت، يومياً في الأسواق، على الكورنيش، قبل الحرب العراقية الإيرانية، وبعدها، ثم نتناول چاياً في مقهى صغير على نهر العشار، قرب شارع الكويت، قبل أن نفترق·

منذ نشوب الحرب العراقية الإيرانية، وقف البريكان ضدها، معظم حديثنا عنها، عن عدم جدواها، عبثها، وبينما كنا مندمجين بالحديث، وقبل أن نتذوق استكان الچاي الأول، بدأ القصف الإيرانية للمدينة، لم يكن للقصف وقت محدد، يحدث ذلك لا على التعيين، في أي لحظة، وقعت قنبلة على مقربة من المقهى، إلى الخلف، اهتزت لها أركان المقهى القديم، كاد يتداعى، ثم أعقبتها قنبلة أخرى إلى الشرق، ثم ثالثة·· إلخ، طفق الناس، يركضون باتجاهات عشوائية، الرعب يفترس ملامحهم، يلجؤون إلى أي ساتر يقيهم شظايا القصف، رجل قرفص قرب حائط، آخر انبطح على وجهه فوق الرصيف، امرأة تركض، تبكي طفلة على صدرها، تسحب آخر في عمر أربع سنين، يصرخ هو أيضا، اضطربت أنا أيضا، ولا بد أن ذلك ظهر على وجهي، من يستطيع أن يقاوم الموت العابث؟ خجلت، أطفالي من دون أب، تململت، أردت أن أنهض لكني عندما رأيت محمود صامداً لم يكترث خجلت، عندئذ ابتسم محمود، كأن شيئا لم يكن، حدق بي، نبر بهدوء وبلهجة واثقة: اطمئن، ليس هناك أي خطر علينا! حاولت أن أبتسم، لكني فشلت، خرج صوتي مشوشاً، احتججت، كل هذا الموت، واطمئن، لا خطر؟ متى يقترب الخطر إذن؟ سقطت قنبلة أخرى باتجاه الطويسة، اهتز المقهى من جديد، ظلت ابتسامته تعمر وجهه:

الجلوس هنا أفضل من الهرب·

كيف؟

لنناقش الموضوع بشكل علمي، نسبة سقوط قنبلة علينا ضئيلة جداً، إذا أخذت مساحة البصرة الشاسعة، وشبهتها بهذه المنضدة، فهذا المقهى هو رأس دبوس بالنسبة إليها، فلماذا تقع القنبلة على المقهى بالذات؟

منطق معقول، لا يزيل الخوف، القصف مستمر، ولا أستطيع أن أفعل أي شيء، أنهينا الجاي الأول، وطلب البريكان جايا ثانيا، ولم نغادر المقهى إلا في موعدنا الطبيعي، وكأنه لم يحدث شيء·

وحين اقتربنا من شارع الكويت صفعتنا المفاجأة، صدمنا، كان هناك شيء ما أشبه بالمذبحة، كارثة حقيقية، سقطت قنبلة على حافلة مملوءة بالمسافرين إلى بغداد، رأينا الحافلة مازالت تحترق بما ومن فيها بشر متفحم·

كان القصف قد توقف منذ خمس دقائق، وأصوات سيارات الإسعاف، والحريق، والنجدة، تضج مختلطة بصوت صافرة الإنذار، تبشر الناس بانتهاء القصف، وتفجعات النساء يصرخن، يبكين، يمزقن ملابسهن، يجززن شعورهن، بينما كانت الحافلة عبارة عن حديد ملتو على بعضه، لا شبابيك، لا طلاء، لابشر، فقط لهب يرتفع إلى عنان السماء، مختلط بالسواد، والضباب، يفوح بروائح البارود، واللحم البشري مشويا، والقير، والوقود··

بعد وصولي إلى البيت بنحو نصف ساعة، رن جرس التلفون، جاء صوت محمود محايدا، من دون انفعال:

- أحمد! احزر ماذا وجدت؟

- ماذا؟

- سقطت قنبلة في بيتي أتت على مكتبتي كلها·

جمدت! أي مصادفة، كنت أعرف مدى حبه، عشقه، عبادته للكتب، لكنه لم يسمح لنفسه بأن ينفعل، وقد فقد أعزّ ما يملك في الحياة!

صورة

رن جرس التلفون، كنت أنتظر(2) مكالمته لكي أخرج، صممت على أن أعيد هذا اليوم طلبي منه أن نأخذ صورة معا، لكني أخشى أن يرفض كما فعل قبل خمس سنوات! سيخجلني رفضه! لكن الصورة ضرورية، نتمشى كل يوم بعض الوقت، يطول أو يقصر، نجلس في أي مقهى نصادفه، لكن لنا قانوناً يحكمنا، نتجه كل خميس نحو بار لنحتسي شيئا من البيرة، منذ أسبوع وطيلة الجلسة، ومحمود يتكلم عن الكتب الجديدة التي قرأناها معا، ثم فاجأني:

- سأقرأ لك قصيدة جديدة في الغد·

أمتع لحظات حياتي حينما أسمعه ينشد أمامي إحدى قصائده، يختفي من الوجود، يصبح كتلة من الموسيقى والشعر، والكلمات، والألحان، والشعاع، والنور، أغمض عيني، أتشرب المتعة، أذوب أنا الآخر، ينغرس صوته، تعبيراته، حروفه، عميقا في ذكرى، أحقيقة ما أسمع؟ ما أعيش؟ أم وهم خيال؟ لا أقاطعه حتى ينتهي، ثم أسأله عما يعن لي بعدئذ، يعيد القراءة، ثم يجيب عن أسئلتي! وفي مثل لمح البصر ينتهي الوقت، ثلاث ساعات: آه؟ أهذا معقول؟ أتساءل مع نفسي، كيف أخلد اللحظة التي تمنحي سعادة لا تدانيها سعادة الفراديس العلا؟ في الأقل ولو صورة واحدة؟ رفض قبل خمس سنين، هل سأجرؤ على الطلب؟

تسابق عاطف وعلي نحو التلفون، ابتسمت، معركة دائمة بينهما، اتفقنا، طفلاي وأنا بعد طول نقاش حام، وصياح طويلين، أن صاحب الحق في رفع السماعة من يكون الأقرب، تغضنت ملامح علي، كاد يبكي، تعمدت التأخر، جاء صوت عاطف:

- نعم، بابا في البيت·

 عينا عاطف تلمعان بالنصر، همس:

- أستاذ محمود·

يميز صوته، أخذت السماعة، جاء صوته هادئا عميقا:

- أمستعدأنت؟

يعرف أنني متأهب، وأنني أنتظره لكنه لفرط أدبه الجم، يكرر السؤال كل مرة·

- نعم، أين هذه الليلة؟

- أذهبت إلى السفينة السياحية من قبل؟

- أهذه التي تقع على شط العرب قبل البراضعية؟

- لا يوجد غيرها·

- حسنا سأجيء إلى بيتك·

- لا ، سأخرج الآن، سنلتقي في شارع الجزائر، بعد خمس دقائق·

نهاية الخريف، الجو دافىء، مجلة في يد محمود، لابد أن فيها شيئاً مهما سيريني إياه، يأخذ نفسا عميقا ما أن نصل شط العرب:

- أشعر بارتياح ما أن أصل الكورنيش·

- أنا أيضا·

- أجمل شارع في العراق·

- هو وشارع أبو الخصيب·

- الأفعى··

ضحك، وضع يده على فمه، ضحكت أنا أيضا·

- شكراً للهنود الذين صمموه·

- من يصدق أن الرشاوى تخلق مثل هذا الجمال؟

شُق الطريق بعد الاحتلال الإنجليزي، كان المساحون من المجندين الهنود، اعتادوا أخد الرشاوى من أصحاب المزارع لتصبح مزارعهم على الطريق فتلوى الشارع كالأفعى·

- ما إن تدخله السيارة حتى تطفو على بساط أخضر سحري أشبه ببساط الريح·

يلاحظ باهتمام كل شيء، سفن الهنود الخشبية المتراصة· "البوم"، الأشجار، المقاهي الغاصة بالبشر، النوارس، يفكر بصفاء، لكني اليوم، وحينما تفعل الجعة فعلها في الرأس، سأطلب منه الصورة، حتى لو رفض·

اختار منضدة ملاصقة لجدار الشط، كان الجزر في أقصاه، منسحبا عن أرض ربطة، ندية، نظيفة، مليئة بالحصى، الحجارة، بقايا علب فارغة، قناني مختلفة الأحجام، تبحث الجرذان الضخمة فيما بينها عما يؤكل، فيما بدأت سفينة ضخمة زرقاء تشق عباب الماء·

كنت متلهفاً لسماع القصيدة، ولم أنتبه إلى أننا قضينا أكثر من ساعة ونحن نتكلم عن أشياء عادية، لا علاقة لها بالشعر، أول الأمر فتح المجلة، انظر، ما هذا؟

دفع المجلة بين قنينتي الجعة، والمزة·

- صورة كاريكاتير

نعم كاريكاتير، لكن انظر إلى براعة الرسام؟ دقق فيه·

الكاريكاتير، لرسام فرنسي، تخطيط لعرفات، يبدو لأول وهلة اعتياديا لا شيء مثير جديد فيه، لماذا إذا هذا الاهتمام؟ حدقت به مليا، حينذاك أخذت أسراره تتضح، كما يتضح المنظر بعد جلاء الضباب، عبارة عن خطوط متقاطعة، متوازية، متنافرة، تبدو وكأنها خطوط عشوائية، شطبت كيفما اتفق، يمين، يسار، أعلى أسفل، يد عابثة لا علاقة لها بالفن، يد طفل ربما، لكنها وبالرغم من كل ذلك فإنها تدل بوضوح على عرفات، كوفيته، أنفه الأسطوري، شفتاه الشهوانيتان الغليظتان، عيناه الجاحظتان، بما فيهما من معانٍ متضاربة· خبث، ألم، خنوع، ذكاء·· إلخ·

ما هذا أهو كاريكاتير أم لوحة فنية؟ أي سحر؟

ابتسم: إنها عبقرية الفن·

ثم لاح قادماً في بوابة "البار السفينة" مصور شاب أسمر، طالما رأيناه، يدور بين الموائد يتصيد لحظات السعد، كنت أجلس في مواجهة الباب، لم يره محمود، كان ظهره نحو البوابة، ابتسم محمود، كأنه كان يقرأ أفكاري·

- حسنا، سنأخذ اليوم صورة، لكن لي شرطين·

كيف عرف بوجود المصور؟ ربما من عيني؟ لا أدري! تلهفت:

ما هما؟

أولا، أن لا تريها لأحد قبل موتي·

وخمنت أنه اشترط ذلك لأنه لا يريد أن يعرف ذلك الأحد أنه يجاهر بـ"المنكر"، صورته وأمامه قناني الجعة!

- وثانيا أن لا تُنشر!

زهد

صديقي "سعود"، من أصل زبيري· متخرج في ألمانيا، فرع النفط، ولأنه لم يكن بعثيا فقط عين في وظيفة كتابية، لا يحسد عليها، بعيدة عن اختصاصه، اشتد التضييق عليه، وعلى زوجته الموظفة كثيرا، وبالرغم من أنهما صمدا، إلا أن القلق من تصرفات السلطة الوحشية والمدمرة يسيطر علىه كلما لقيته، وعندما اتخذت سلطات العبث والشر تصفية اليساريين، والديمقراطيين، وغير المنتمين لحزب البعث (1978) فقدت صديقي سعود، لم أعثر له على أي أثر، قلقت أشد القلق، لكنني، ولحسن الحظ، بعد نحو عشر سنوات، وبينما كنت في مطار الكويت، أنظر نتيجة التحقيق في جوازي، قبل أن يسمحوا لي بالاتجاه إلى دبي، سمعت من ينادي علي، رأيت شخصاً أنيقا، واثقاً من المستقبل، وبعد أن أمعنت النظر إليه، اكتشفت أنه "سعود" كانت فرحتي شديدة، عرفني إلى شخص كان يقف قربه:

- ··· البريكان، المدير العام لمنشآت النفط في المنطقة الـ····

رنت في ذهني كلمة البريكان، عرفت من سعود أنه هو أيضا يعمل في حقل اختصاصه، النفط أيضا، وهو مسؤول وحدة نفطية، ثم التقيت سعود مرة أخرى وأخيرة في دبي، بعد نحو سنتين، أيضا، وسألته عن·· البريكان، وما هي  شهادته، فابتسم·

- الثانوية·

- لأنه هاجر إلى السعودية في بداية الستينات·

لكني نسيت، أو لم يتصدر الموضوع الأهمية القصوى آنئذ في فكري، لم أسأل سعود عن قرابة رئيسه بمحمود البريكان، أهو أخوه، ابن عمه؟ إلخ·

محمود البريكان (1931) من عائلة نجدية سكنت الزبير، وللزبير علاقة قوية بكل من الكويت والمملكة السعودية، وأهل الزبير الأصليون يُقبلون مواطنين كاملي المواطنة في كلا البلدين العربيين، ويحملون جوازي الدولتين إضافة للجواز العراقي، ويعرف أهل البصرة الكثير ممن درسوا معهم في إحدى مراحل الدراسة، عرفوه زميلا عاديا في الدراسة و حسب، فإذا به يصبح بعد أن أنهى الدراسة وزيرا، وكيلا للوزير، مديرا عاما، مسؤولا كبيرا في المملكة العربية السعودية، أو في الكويت، لا بل هناك وزراء متعاقبون من عائلات زبيرية، عاشت، وربما مازالت، في البصرة والزبير، كعائلة "أبا الخيل" على سبيل المثال·

لو لم يكن البريكان زاهدا، بسيطا، متقشقا، لاستغل هذه الميزة العائلية، هذا الحق الطبيعي، و لتسلم أعلى المناصب "كالبريكان الثاني" ولربما أصبح وزيرا أو في مرتبة وزير ببساطة، ففي الخمسينات والستينات، كانت العائلتان الحاكمتان في هذين البلدين تعتبران المواطن المثقف عملة صعبة، ليس من السهولة العثور عليه، لو فعل ذلك لكان ربما لايزال على قيد الحياة·

خدمة الإنسان، والنجاح الخادع

عندي قصيدة "عمودية" للبريكان منشورة سنة 1949 كان عمره آنذاك 18 سنة، لكن فيها من عناصر القوة ما يجعلها في مستوى أعظم قصائد الشعراء الكلاسيين، من دون استثناء، وأعتقد أنهم لو قرؤوا ما قاله في لقاء في صحيفة البيان عام 1969 - ردا على اتهامه بالعزلة والغياب وشحة النشر، لوضعوا حدا للكثير من أحكامهم، وتكهناتهم·

 قال البريكان: "ليس هناك قانون واحد للأدباء، لأن الأدباء مختلفون طاقة وهدفا، فمن الأدباء من يناسبه ويكفيه النشر في الصحف والمجلات والإذاعات، إنهم يطفون فوق الأحداث اليومية ويخاطبون الذوق السائد، ويطلبون شهرة لا تدوم ونجاحا شخصيا خادعا·· ومن الأدباء من يتطلعون إلى مستويات خاصة، ويطمحون إلى إنجازات حقيقية باقية، وإلى تحقيق أعمال فنية كبيرة· إنهم يتمسكون بأصالتهم أمام مختلف المؤثرات فمن الطبيعي أن لا ينخرطوا في أي جوقة، وأن يبتعدوا عن الأجواء الأدبية الدعائية، إنهم مشغولون بالحياة والإبداع، وهم يريدون أن يخدموا قضية الإنسان، بالطريقة التي تناسبهم، فبالطبع يكتب المرء ليقرأ له الآخرون ولكن من حقه أن يحدد أسلوب التزامه، فالامر قناعة شخصية وعلى كل أديب أن يقرر طريقه، وأن يحدد وسائله، ومجالاته تبعا لذلك"·

يبدو جليا من هذا التصريح أن البريكان اتخذ قراره منذ فترة مبكرة، وعن وعي، ودراسة وأنه ينأى عن الأجواء الدعائية، فقد لاذ بقلعته الخاصة من الانحدار، والسقوط، وتمسك بأصالته ليبتعد عن أي جوقة تغني أمجاد سلطة الأميين الكاذبة، وبذلك تجنب النجاح الخادع، وخدم قضية إنسانه الكريم بطريقة تتناسب وأخلاقه الرفيعة·

 

عن مجلة "الثقافة الجديدة" ـــ بتصرف

(1) اتصال تلفوني مع القاص المبدع أحمد محمد أمين·

(2) عن مكالمة تلفونية مع القاص المبدع أحمد أمين أيضا

طباعة  

قضية
 
شعر
 
وتــد
 
المرصد الثقافي