رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 9 رجب 1424 هـ - 6 سبتمبر 2003
العدد 1593

وتــد

 

جثث القناعات

 

نشمي مهنا

ماذا يمكنك أن تضيف أو تغيّر أو تعدّل من هندام أفكارنا البالية، المعشعشة في عقولنا منذ قرون؟·· تفرّغ لنفسك!

ومن قال إننا نريد المجازفة بأفكار جديدة، وبعالم مفتوح، نحن الذين نتحلى بسكينة المؤمنين، ودفء عالمنا المغلق·

هكذا تعلمنا واعتدنا، أن نتعامل مع تيارات الفكر كالموضات، نرتدي ونخلع بلا قناعات حقيقية، فقط·· متى ما فتحت لنا يد القدر باب التحولات، قبل ذلك نظل بأحضان عنكبوتاتنا لعقد زمني أو أكثر (والعقد هو مدة حياة الحاكم، أو بقاء الحزب، أو ما شئت من السلطات··)·

ولا تذهب بعيدا، فتصدّق أن شعوبنا يكرهون أنظمتهم المستبدة، حاول أن تقتنع، وتردد "أنهم يعشقون طغاتهم"، لكن حاذر من زعيم المعارضة حينما تصرح بذلك أمامه، فقد يغلي به الغضب لحظتها، ويقتلك!

تذكّر·· يوم خرج شعب شقيق لك، عن بكرة آبائه وأجداده في تشييع جنازة زعيمه، الذي ظل يتداول الحكم بينه وبين نفسه لأكثر من ثلاثين عاما، وفي ضحى التشييع أوصى بالحكم لابنه!

تخيّل أنك من مواليد 1/9/1969 في مدينة طرابلس الغرب، هل يدور في بالك سؤال: لماذا لا يعوّضنا الزعيم القذافي عن سنوات الكبت الـ 34·· مثلما عوض الدنيا عن جرائمه؟!

هل تقتنع أن صدام خطف من الكويت فلذات أكبادها؟! (ما لم تكن كويتيا)·

كثير من إخواننا العرب، كانوا ينفون التهمة عن نظام صدام، فهل ترتبك الآن قناعاتهم وهم يرون نعوش الأسرى عائدة أم يبحثون عن سخافات أخرى؟!

أحد الرموز الفضائية العربية، أزبد مرة بوجه الشاشة، معلقا على مشاهد نبش المقابر العراقية: "يا أخي·· ماذا تنتظر من حاكم يريدون إسقاط نظامه·· هل يرميهم بالورود؟!"·

لو تأملت قليلا، فلن تدينه·· لأنه نموذج منّا، إنما - الأولى - أن تدين التربة التي أنبتتنا - جميعا - كشياطين، لا تهنأ إلا بحفلات الدم·

هل قرأت "بيان القاهرة الثقافي" هو "عينة" أخرى؟ مازال مثقفونا يرتكبون المعصية ذاتها، يدينون "الاحتلال الأمريكي" لأرض الرافدين، دون أي إشارة لمجازر نظام صدام البائد!

هل تحمل قناعتهم نفسها؟ أنا لا أراه احتلالا أبدا··

هل تابعت زيارة وفد الكويت الثقافي الى دمشق وبيروت وتونس·· حاملين رسالة التأييد للصمود العربي بوجه العدو الصهيوني؟! خطاب مراوغ، وكاذب، اخترعته الحكومات وردده وراءها المثقفون!

يُعلّق المتهمون الإسلاميون "بالمراوح" لسحب اعترافاتهم·· فنصمت، هل كانت حكوماتنا تريد أن تثبت أن صيفنا في الخليج·· منعش؟!

تبتلع الغياهب والسنوات أسرى لبنانيين في عاصمة الأمويين·· فتعتصم شعوبنا بحبل "المصالح المشتركة" "والأخوة العربية"!

يختفي صحافي مصري بين ظهرانينا، بسبب ليبراليته ودعواته الصريحة للحرية، وتأييده لحرب تحرير العراق ونصدق أنه "فص ملح"!

يتزنر طفل فلسطيني صغير بالمتفجرات، ويلقي بنفسه بين المدنيين الأبرياء·· فندعو له بالشهادة!

يتحرش "حزب الله" بإسرائيل، ويختطف، ليؤكد "تسعيرة" قيمتنا المهدورة، فيبادل ألف أسير عربي بجثة جندي إسرائيلي، ونصفق لرفرفة رايات "جهاده"!

الصمت، يد ثالثة، تساعد القاتل على خنق ضحيته!

ولطول مكوثنا في سواد كهف القناعات، أصبحنا لا نرى للشمس فضيلة، وإن سحبها الآخرون، وعلّقوها في سمائنا، فسنسمهم "محتلين"، لن نسمح لهم للإيقاع بيننا وبين "جلادنا الوطني"!

 

nashmi@taleea.com  

 

طباعة  

إصدار
 
عرض
 
المرصد الثقافي