
" صداميون وأصوليون ومرتزقة يقفون وراء الهجمات ولا توجد مقاومة منظمة
" قد تعزّز المنظمة الدولية وجودها في العراق لكنها لن تجد من يملأ فراغ دي ميللو
" فشل المعارضة في توحيد صفوفها لإسقاط صدام استدعى الغزو الأمريكي
لم يسفر انفجار الشاحنة ضد مقر الأمم المتحدة في بغداد في التاسع عشر من أغسطس عن سقوط عشرات الضحايا من العراقيين والأجانب والموت المأساوي لممثل الأمين العام للأمم المتحدة الخاص في العراق سيرجو دي ميللو فحسب، بل عن إثارة الكثير من الأسئلة حول آفاق الاستقرار السياسي والسلام في العراق بعد نحو أربعة أشهر من سقوط نظام صدام، ومهما كانت التوقعات واعدة وتنطوي على الأرباح بالنسبة للتجارة الدولية، فإن الرسالة الحقيقية لهذا الهجوم هو أن من الأفضل الانتظار الى مزيد من السلام قبل أي تفكير بالاستثمار في العراق·
لقد شكل الهجوم على مقر الأمم المتحدة تصعيدا للعنف في اتجاهين: الأول يتمثل في استخدام السيارات الملغومة ضد أهداف مهمة "كان الهدف الأول هو السفارة الأردنية قبل أسبوعين" والثاني، اغتيال شخصية بذلت قصارى جهدها للاستماع الى مطالب العراقيين وإعادة السيادة التي فقدها العراق·
وسوف يفتقد دي ميللو كل الذين عملوا معه والذين يقدرون جهوده الحقيقية لنقل أكبر قدر ممكن من السلطات الى أيدي العراقيين، فخلال الأسابيع القليلة التي قضاها في بغداد، تمكن بمساعدة مستشاريه ومعاونيه، من تقديم إسهامات كبيرة للعملية السياسية في العراق، فقد بدأ منذ اليوم الأول لتعيينه في هذا المنصب، بالتحدث الى العراقيين وسؤالهم عما يشعرون به وما يريدونه وما الحل الممكن للمشكلات التي يعانون منها، وقد التقى بالعراقيين من شتى أطياف المجتمع وحاورهم واستمع الى مطالبهم·
توازن دقيق
وأقام هذا الدبلوماسي الأممي المتمرس توازنا دقيقا بين الحاكم المدني بول بريمر والمجلس العراقي الحاكم من جهة، وبين المجتمع المدني في العراق من الجهة الأخرى، لقد أدى عمله السياسي بحكمة ولكن بحزم، ووضع العراق في موقع أقرب الى طريق السيادة مما كان عليه قبل وصوله الى بغداد، وليس أدل على ذلك من تعيين مجلس الحكم الذي يتولى تعيين الوزراء ويجري الاستعدادات لوضع دستور جديد وإقرار ميزانية لعام 2004 ويسعى للحصول على التأييد الإقليمي، لقد سافر دي ميللو الى الدول المجاورة للعراق كي يشرح لها الخطوات التدريجية التي يجري اتخاذها لإعادة السيادة للعراق، وكيف أنه كان من الضروري أن تعبر هذه الدول عن تأييدها لهذه العملية، لقد أبلغ هذا الدبلوماسي البرازيلي النشط الدول المجاورة للعراق قبل أسبوعين فقط أن: "لدينا الآن مؤسسة يمكن النظر إليها باعتبارها ممثلة تمثيلا واسعا لمختلف الشرائح في المجتمع العراقي حتى وإن لم تكن منتخبة بصورة ديمقراطية، ويبدو أن لدينا الآن هيئة رسمية تحظى بالسلطة والمصداقية ويمكن التعامل معها"·
وفي حين تنوي الأمم المتحدة مواصلة مهمتها في العراق، وربما تعزز وجودها بعد هذا الحادث الأليم، إلا أنه لن يكون من السهل أن تجد مرشحا يملأ الفراغ الذي تركه دي ميللو·
وهناك الآن، ثلاث مشكلات سياسية تواجه العراق، الأولى نجحت عن القرار الأمريكي بحل الجيش العراقي وجهاز الشرطة، وسحب كل السلطات من الوزارات والمؤسسات العامة، وتركيز السلطة تحديدا، بيد سلطة التحالف الموقتة CPA، فالولايات المتحدة لم تقرر فقط الإمساك بكل السلطات منفردة ودون دعم أساسي من الأمم المتحدة وأدنى دعم من الدول الصديقة بل قررت أيضا فرض قيمها وأنظمتها وشركاتها وموظفيها على دولة دمرتها ثلاث حروب و12 عاما من العقوبات الدولية، ولم تبذل واشنطن أي جهد للاعتماد على الأجهزة والمؤسسات العامة العراقية، وكانت النتيجة أن أصبحت المؤسسات العراقية مجرد شركات مقاولات من الباطن للشركات الأمريكية والأجنبية·
وفي الوقت الذي رحب فيه العراقيون بانتهاء نظام صدام، فإنهم يتطلعون الآن الى أمنهم المعيشي وأمن ممتلكاتهم وتوافر الخدمات الأساسية والوظائف·
ضوء في نهاية النفق
ثانيا، هناك غياب لأي منظور وطني من قبل المؤسسة السياسية العراقية، ولم تتمكن الأحزاب السياسية ذات القاعدة الشعبية من أن تفرز شخصية وطنية يمكنها أن تقود البلاد، فكل القادة الذين برزوا أخيرا لم يتميزوا بسعة الأفق وأثبتوا أنهم يخدمون انتماءهم الطائفي أو القبلي أو الإثني ولا يخدمون شعبهم على نطاق وطني، وفشلت الأحزاب السياسية كذلك، في تبني برامج سياسية أو اقتصادية واضحة من شأنها جذب اهتمام الجمهور وتظهر لهم أن هناك ضوءا في نهاية النفق، لقد اتسمت تحركات المجلس الحاكم الذي يمثل مختلف الأحزاب السياسية وكذلك الأفراد، بالبطء وفشل حتى الآن في تعيين الوزراء، وركز المجلس بدلا من ذلك، على تصفية وتطبيق عقوبات جماعية ضد العناصر التي كانت مرتبطة بالمضي وليس العمل على تشجيع "عملية الحقيقة والمصالحة" للمستقبل "على غرار ما حدث في جنوب أفريقيا بعد انهيار نظام الفصل العنصري"·
فالمعارضة في أثناء حكم نظام صدام لم تتمكن من توحيد صفوفها وإقامة القيادة الضرورية لخلق مقاومة وطنية، مما استدعى حدوث غزو أجنبي لإزاحة صدام، ولاتزال رموز المعارضة حتى اليوم يتمرس كل منهم في إقليمه المحلي، وغير قادرين على المضي الى الأمام وخلق أحزاب وطنية تعتبر ضرورية من أجل إقامة عراق موحد ومستقر وحديث·
ثالثا، يبدو أن معظم الهجمات يقف وراءها موالون لصدام حسين وأصوليون متطرفون ومرتزقة·
ولكنهم معزولون ولا يحظون بدعم شعبي كبير، فليست هناك حتى الآن أي إشارات على ولادة حركة مقاومة وطنية، وفي حين أنه لا توجد مشاعر حب تجاه قوات الاحتلال، وبينما يرغب معظم العراقيين برحيل هذه القوات في أسرع وقت ممكن، إلا أن هناك شعورا عاما بالحاجة الى هذه القوات الآن، من أجل وقف المزيد من التدهور في أوضاع البلاد·
ويرغب معظم العراقيين بمخرج سلمي من هذا الوضع، بيد أن المشكلة تنبثق من الطريقة التي تتعامل بها قوات الاحتلال وعدم فهمها لثقافة البلاد، إضافة الى حقيقة أنهم يتصرفون كقوة فوق القانون·
استعجال
لقد كتب الكثير حول الآفاق الاقتصادية للعراق، لاسيما في ظل وفرة موارده الطبيعية واليد العاملة الماهرة هناك، ومع ذلك، فإن العراق اليوم، ليس سوى شبح لما كان عليه في الماضي، قبل الدمار الذي لحق به على يد الحكم الدكتاتوري وخوض ثلاث حروب وخضوعه للعقوبات الدولية على مدى الإثني عشر عاما الماضية، والأهم من ذلك أن الروح المعنوية للشعب العراقي تحطمت من جراء التدهور الاجتماعي الاقتصادي وحقيقة أن البلاد تخضع للاحتلال·
والإدارة الأمريكية تريد تحديث العراق بطريقة تجعل منه نموذجا للديمقراطية والمؤسسات الحرة، تحتذي به الدول الأخرى في الشرق الأوسط من أجل إنهاء حالة الجمود في المنطقة، ولكن واشنطن تستعجل ذلك وتريد أن تسير في هذا الطريق بمفردها لأن لديها أجندة تريد تطبيقها، ولكن ربما يكون من الأنسب اعتماد برنامج أكثر وعيا بالوضع العراقي وتشارك فيه الأمم المتحدة "بتفويض أوسع وأقوى من المنظمة الدولية"، ويأخذ في الاعتبار وجهات نظر العراقيين أنفسهم، كما كان يحاول أن يفعل الراحل دي ميللو·
والآن، فإن من الصعب وضع تصورات جديدة لإعادة تأهيل العراق وبث الروح في اقتصاده، ولكن من المؤكد أنه ليس من الممكن أن يتم ذلك بشكل فاعل وحيوي في ظل الظروف الراهنة في العراق·