رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 2رجب1424هـ-30اغسطس2003
العدد 1592

وتــد

حينما قلت للطاغية!

 

نشمي مهنا

في السبعينات والثمانينات، مُرِّرت علينا تجارة صحافية غريبة، حينما كانت تثير فضولنا "مانشيتات" تتصدر صحفنا العربية والمحلية مثل: "طبيب عبدالناصر يكشف للمرة الأولى أسرار وفاته"، "أحد الضباط الأحرار يفضح ممارسات الحركة من الداخل"، "بعد صمت طويل حلاق عبدالناصر يتكلم بصراحة"!! "مصور السادات·· يتحدث عن ملامحه النفسية بعد أن عايشه عشرين عاما عن قرب"·

في بداية الأمر، كنا نقرأ تلك الكتابات واللقاءات بهدف المعرفة، ثم تحولنا الى المتابعة لمجرد التسلية، ثم·· ضجرنا من كل ذلك، بعد أن أصبحنا لا نصدق عبارات غاضبة قالها أحد النكرات في وجه عبدالناصر، يطالبه فيها بفتح المعتقلات·

خصوصا وأن شهود الراوي - رحمة الله عليهم - شبعوا موتا!

وماذا يمكن أن يكشف لنا حلاق "الريس" عن حقيقة خطيرة لا يعرفها أحد غيره، وهو الذي كان منكبا لأمر أهم، عندما كانت عيناه طوال فترة خدمته مسمرتين على صحن خد منتفخ، ويداه مرتجفتين خوفا من شرارة فورة غضب؟!

قد تكون حقيقته الوحيدة، الغائبة عنا، أنه كان - في سريرة نفسه - يتمنى أن تكون أمواسه ناعمة، طرية، كي لا تجرح شعرة واحدة مختبئة في ثنايا غمّازة "الريس"!

جميعها عنتريات فارغة، تدعي وقوفها بوجه الريح، بعد أن آمنت وعلمت يقينا بمواعيد العاصفة، وعنتريات أخرى لم يكن همها البطولة·· ولا "ليلى"، إنما عيناها تتلألآن على أموال الشيخ "أبو ليلى" أو "رئيس تحرير" قبيلتها!

عادة صحافية (عربية فقط) تكررت أكثر من مرة، وفي أكثر من ليلة مقمرة شهدت وفاة رئيس عربي، وكأن هؤلاء كانوا يعدون العدة ويحضّرون صفحات عن بطولاتهم للكشف عنها بعد وفاة الطغاة·

عُرف أحد الصحافيين ــ مع اختلاف المقارنة وكان يعمل في إحدى المجلات الفنية في القاهرة ــ بتحضير المراثي الفنية لكبار الفنانين والممثلين ممن بلغوا من العمر حافة الهاوية، أو اقتربت منهم يد المرض، فقد وُفّق ولأكثر من مرة بالسبق الصحافي، في رثاء أم كلثوم، عبدالحليم، الأطرش، وغيرهم إلا أن حيلة هذا الصحافي الذي كان يغيظ زملاءه لم تنجح مع فنان القرن العنيد محمد عبدالوهاب، إذ توفي الصحافي قبله بسنوات·· وظلت مرثيته مطوية بين أوراقه·

هي بالتأكيد عادة عربية قديمة، وبإمكاننا أن نستعيد صورا لجذرها الغائر في تاريخنا، حينما نتخيل مشهد ندماء الخليفة وشعرائه وحاشيته وبطاناته يتقافزون لسماع نبأ وفاته·

 يفرشون سجادة حمراء جديدة للقادم الجديد، ويقسمون أمامه بولائهم وعدائهم العميق للخليفة الطاغية المقبور، بل قد يقلب بعض شعراء الخليفة "البائد" أبيات قصائدهم، لتتحول الى هجاء مُر يدعون أنهم قالوه في بلاط الخليفة المخلوع، دليلا على الشجاعة، والأنفة، وعزة النفس العربية!

ـــ المقالة هذه لم تكن سوى خاطرة، جاءت بعد مطالعتي مقابلة صحافية مع "طبيب صدام·· يكشف بها أسرار الطاغية"·

فهل ننتظر قراءة لقاءات مع ضباطه "الأحرار"، وحراسه الشخصيين، وسُوّاقه، وحلاقيه··؟!

 

nashmi@taleea.com

 

طباعة  

شعر
 
شعر
 
عرض
 
المرصد الثقافي
 
عن "طمي العراق"