
" إسرائيل قتلت 438 طفلا دون سن الـ 18 خلال السنوات الثلاث الماضية
بقلم: جدعون ليفي
من المؤكد أن يكون اتصال إسرائيل بالجيل الجديد من الفلسطينيين ممن نشؤوا تحت الاحتلال ومحاولة صنع السلام معهم، أصعب بكثير مما هو مع الجيل الذي سبقه، فهذا أمر علينا أن ندركه ونأخذه في الحسبان، فلم ينشأ أي جيل سابق في ظل ظروف أصعب من تلك التي عاشها أبناء الجيل الحالي من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وفي الواقع، لا يوجد مكان في الغرب عاش أبناؤه ظروفا مماثلة·
فقبل أكثر من عام، أظهر تقرير صدر عن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أن نحو ربع الأطفال في الأراضي المحتلة يعانون سوءا في التغذية الموقتة أو الراهنة، وأشار تقرير لإحدى الوكالات الدولية في ذلك الوقت، إلى أن 62 في المئة من الفلسطينيين لا يحصلون على الغذاء الكافي ومنذ ذلك الحين، تدهورت الأوضاع أكثر فأكثر·
ويعاني الوضع الصحي حالة مشابهة، حيث إن تلقي العلاج، بما في ذلك التطعيم والإسعافات الأولية، عملية معقدة، وفي بعض الأحيان مستحيلة وبيروقراطية، ويكفي المرء أن يشارك في أي حدث لمنظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" ليرى الأوضاع الصحية في الأراضي المحتلة التي تشكل الفناء الخلفي لإسرائيل·
حُلم
فليس الطعام والصحة الجسدية فقط ما يفتقده هؤلاء الأطفال، فمن جنين حتى رفح، يعاني مئات الآلاف من الأطفال صدمات نفسية يصعب قياس تأثيرها على حياتهم، فهؤلاء أطفال تعرضوا خلال السنوات الثلاث الماضية الى الموت بأشكال مرعبة حقا، وشاهدوا بأعينهم عمليات التدمير وإطلاق النار ودبابات في الشوارع وجنود يداهمون منازلهم في منتصف الليل واعتقالات وعمليات ضرب وشتى صنوف الإهانة، حيث فقد بعضهم أصدقاءهم الذين قتلوا في بعض الأحيان أمام أعينهم، فقد قتل أكثر من 230 طفلا فلسطينيا دون سن الخامسة عشرة و208 أطفال تتراوح أعمارهم بين الـ 18-15 عاما منذ بدء انتفاضة الأقصى في شهر سبتمبر 2000، وأصيب الكثيرون منهم بالشلل أو الإعاقة وجرى ترويع أصدقائهم، ولا يحتاج المرء أن يكون خبيرا نفسيا ليفهم أن الأطفال الذين يعيشون في ظل قلق عميق طوال هذه الفترة، سوف يعانون مشكلات ذهنية، ومن النادر بالطبع، أن تجد من يتلقى عونا من اختصاصيين نفسيين·
لقد نشأ هؤلاء الأطفال في ظل حرمان يصعب على أي أب أو طفل إسرائيلي تصوره، فهؤلاء الأطفال لم يروا شاطئا في حياتهم أو غرفة مزودة بالتكييف أو حوض سباحة ولم يسبق لهم أن استقلوا حافلة ولم يذهبوا في رحلة، وليس بوسعهم سوى أن يحلموا بركوب القطار أو الطائرة، بل إن بعضهم لم يكونوا قادرين على الخروج من منازلهم على مدى أشهر أو مغادرة مدنهم أو قراهم لسنوات·
فالبقاء في قراهم ليل نهار دون أي مركز للنشاط الاجتماعي أو ملعب رياضي أو كتب أو الألعاب، وحرمانهم من أي متنزه ترفيهي، جعلهم لا يعرفون ما هو الكمبيوتر، ولم يسبق لهم أن دخلوا دارا للسينما أو شاهدوا عرضا مسرحيا ولم يزوروا متحفا أو يحضروا حفلا موسيقيا ولم يشاركوا في أي نشاطات ترويحية·
بل إنهم لا يستطيعون منذ أشهر، الذهاب الى مدارسهم، وقد تشكل عالمهم الثقافي والاجتماعي في ظل حياتهم ضد الاحتلال وعمليات الإغلاق والحصار التي تفرضها إسرائيل، وبعضهم لم يقابلوا أجدادهم على الرغم من أنهم يعيشون في قرى مجاورة، وبعضهم لم يروا أشقاءهم المعتقلين "وبعضهم يعتقل آباؤهم وأمهاتهم معا"، لأن الزيارات للسجون أصبحت متعذرة، وجرى اعتقال بعض الأطفال وتعرضوا للتعذيب دون أي اعتبار لسنهم ووضعوا في زنزانات مع الكبار·
جيل الانتقام
ومع ذلك، ليست الظروف المعيشية للأطفال الفلسطينيين فقط التي يجب أن تحرم الإسرائيليين النوم، وذلك لأنه بالإضافة الى الشعور بالحزن لممارسات إسرائيل بحق أطفال فلسطين، فهذا جيل عمل فيه الآباء في إسرائيل وفي بعض الأحيان في سن مبكرة جدا من أعمارهم، في الحقول ومشاريع البناء وتنظيف شوارعها أو الاتجار معها، فقد تعاملوا مع الإسرائيليين في وقت مبكر واعتادوا على الجوانب السيئة والطيبة في شخصيتهم، بل إنهم تعلموا لغتهم، وعليه، فإن موقف هذا الجيل من إسرائيل أكثر تعقيدا، فلا تزال غالبيته تؤمن بالسلام، وبعضه يتوق لتقليدها في بعض الجوانب·
وبالمقابل، فإن أطفال هذا الجيل منفصلون تماما عنا، فهم لا يعرفون إسرائيل سوى من خلال شخصيتين هما الجندي الذي يداهم منزلهم بعنف في منتصف الليل، وذلك الذي يحطم جدار غرفة معيشته ويقوم بإذلال والديه، أو شخصية المستوطن الذي يعيث فسادا في أراضيهم، ويتعمدون إهانتهم أحيانا·
إنه جيل لم يسمع أبدا عن الإسرائيليين المسالمين وغير المسلحين، فالإسرائيليون الوحيدون الذين رآهم أطفال اليوم ورجال الغد في فلسطين، هم الذين يعتقلونهم ويحجزونهم في منازلهم ويطلقون النار عليهم ويضربونهم ويحاولون إذلالهم، فهم ليسوا بحاجة لجرعات تحريض في المخيمات أو محطات التلفزة، فكل ما عليهم أن يفعلوه هو أن ينظروا حولهم ليروا ما يحدث على مقربة من مكان سكناهم·
وحين يكبر هؤلاء الأطفال، فسوف يحملون هذه الذكريات معهم، فلن يكونوا قادرين على نسيان مشاهد الرعب التي تعرضوا لها ولا الناس المسؤولين عن هذه المشاهد، وهكذا فإن أمامنا جيلا ليس جائعا ويعاني صدمات نفسية وبصحة معلولة ودون تعليم فحسب، بل متعطش أيضا للانتقام ويملؤه الحقد والكراهية·
هذه رسالة يجب أن يفهمها ويشعر بقلق عميق تجاهها ليس فقط آباء هؤلاء الأطفال المسحوقين، بل نحن جميعا·
" عن صحيفة هآرتس الإسرائيلية "