
في "موسوعة الروح"
رفاه الرفاعي تطلق سيرتها من قباب طينية
"موسوعة الروح" للمعمارية السيدة رفاه الرفاعي كتاب يقع في 362 صفحة كبيرة وفاخرة صدر عام 2002 في سورية، وطبع على أحدث ما توصل إليه علم الطباعة اليوم من رقي، والكتاب لا يتناول موضوعا واحدا كسائر الكتب، وإنما يتميز بشموليته على عدد كبير من الموضوعات العامة، حتى إنه بدا لنا كأنه فعلا اسم على مسمى، بحيث إننا نستطيع القول إنه كتاب موسوعي، لقد شعرت بذلك من الوهلة الأولى عندما تصفحت الكتاب وهو بين يدي رفاه الجالسة أمامي، وبجوارها زوجها·
يبدو أن المؤلفة ضمنته كل معرفتها الإنسانية فخرج بأسلوب إبداعي فيه نبل وعظمة وكبرياء وشيم وقيم الإنسان الذي عاصر عصرين، عصر الأصالة بكل ما فيه من عبق التاريخ، وعصر العولمة بكل ما فيه من حداثة وشفافية زجاجية·
إن أم ياسر - أقصد المؤلفة - شاهدة على عصرين، وهي تقرر في كتابها هذا، إن المسافة الروحية بين الزمانين شاسعة وشاهقة جدا، والملامح متباعدة كثيرا بين جدران الطين وأبراج الزجاج·
في بداية الكتاب تدعو المؤلفة الى التبصر بما وصلت إليه أحوال الإنسان فتقول:
الى الإنسان المحاصر بضيق الحصون، أيا كان الإنسان، ومهما كانت الحصون، للهجوم أم للدفاع·
أدعوه الى التوقف قليلا ليس حدادا إنما لالتقاط الأنفاس وقفة قصيرة في عمر الزمن على بدايات العصور لعل روح الإنسان تفك أقفالها وخنجرها وفراغها المرسوم وتتسلل على استحياء أو عن قناعة من عوالمها المادية الى مسارب الأحلام المنسية على مجازات الصحو، لتلتقط الإشارة·
الكاتبة تعرف نفسها
في مطلع الكتاب تعرفنا المؤلفة بنفسها بأسلوب لا يخلو من الإبداع والحداثة والرومانسية فتقول:
"ولدت في حلب، فرع من شجرة قديمة الغرس، وسلكت مسالك النباتات الزاحفة الى عصرنا هذا، ولايزال بي حنين مزمن الى الجذور الأولى، وكره مزمن لفنون التحنيط والمواقع الهامشية·
أعاني من سوء التعايش مع الكائنات التي تتغير واجهاتها بتغيير مواقعها، أجيد السباحة في عمق المياه، وأغرق في الشواطئ الضحلة، في مسيرتي، حزت المراتب الأولى كطيارة شراعية ومهندسة معمارية، ومثلت بلدي في دورات كثيرة شخصية ومشتركة في سورية والكويت·
لم أحصد نتائج تفوقي لأنني تغاضيت عن دورات الكرة الأرضية، لم يبق إلا موسوعتي التي أنجزتها لأصالح بها روحي، وألصقت عليها طوابع سنوات عمري، أقدمها لكم دون تزكية من أحد·· فهكذا اعتدت، آمل أن تجدوا فيها عملا إنسانيا لم يضل هدفه بسبب دوران الأرض"·
ثم تسطر المؤلفة رفاه الرفاعي إهداء الكتاب وقد جاء في خمس صفحات نعرض بعضا مما جاء فيه:
- الى كل من صارعوا البحر، ولم يحسنوا السباحة فغرقوا·· وما أكثرهم·
- الى كل من أبحروا ضد التيار، وصمدوا·· وما أقلهم·
- الى كل من وصلوا دون عناء·· وفاتتهم قساوة التجارب·
- إلى كل من ابتلع لسانه جبنا·· فعاش أبكم ذليلا·
- الى كل من ارتدى الزيف، رداء·· فبقي عاريا·
وهكذا استمرت المؤلفة·· بإلى·· وإلى·· إلى أن ملأت خمس صفحات كبار، شملت حتى أسرتها من الجد الى الحفيد، وهذه الإهداءات أنهكت الكتاب وأرهقت القارئ وكان أفضل للمؤلفة لو جعلت الإهداء يخص ولا يعم فيصبح فضفاضا·
سلاسة المقدمة
تقر المؤلفة أن المقدمة جاءت أطول من المقدمات المعتادة، لكن حينما قرأناها لم نشعر بطولها فقد كتبت بسلاسة وعناية رائعة يتمنى القارئ لو امتدت به الى آخر الكتاب·
في المقدمة تؤكد ما ذكرناه آنفا بأنها ضمنت كتابها كل معرفتها الإنسانية فقالت فيها: "حكاياتي هي عالمي·· جمعتها كلها كما يجمع البخيل كنزه، كلمة كلمة لأصرفها في سوق الوراقين، وبالعملة الصعبة، فأنا لست كاتبة حقا، وهذا لا يهم، لأني لا أبحث عن تقييم، ولا عن مكان، ولا عن واجهة، فأنا حينما أكتب إنما أكتب لنفسي·
هذا الكنز الصغير - تقصد الكتاب - هو ثروتي، حصيلة تجاربي، فشلي ونجاحي، قيمي الراسخة في روحي، والمطاردة من الأيام، تشابكاتي وصداقاتي وأيامي بكل ألوانها الكالحة والباذخة"·
وبعد المقدمة التي جاءت أطول من المقدمات المعتادة بإقرار من المؤلفة ذاتها، تنفض الغبار عن عصر المغائر وتتحدث عن ستة عشر موضوعا وضعتها المؤلفة تحت عنوان "عندما تكلم الجبل" وتبدأ بحكاية الميلاد الأول تخاطب فيها الطبيعة ودورها الذي غاب فقالت:
قديما·· قديما·· في غور الزمن وعمق التاريخ، عندما كانت الطبيعة الأم تحكم الإنسان قبل أن يسلط سيف تجبره وعقوقه عليها، في تلك الأزمنة السحيقة الضاربة في أزل الدهور كانت الخصوبة سمة المخلوقات كلها فالأمهات كن ينجبن، كذلك الشجر والينابيع، حتى الجبل كان ينجب وإن نادرا وكل مخلوق كان ينجب على شاكلته·
وتمضي المؤلفة في كتابها تكتب ما يشبه القصص التاريخية القصيرة وتضع كل حكاية تحت عنوان رئيسي مثل: عندما استبدل جوريوس أباه، الهجرة الى السفح، جوريوس يعود الى عائلته الأولى، الشريد·· الذي يشتري ولا يبيع، وفقد قلب جوريوس صلابته·
وتستمر المؤلفة رفاه الرفاعي في كتابة حكاياتها الست عشرة، كل حكاية بثوب جديد وزاهٍ ويشكل جوريوس محورا في كل الحكايا·
ويأتي دور صور الجبال والمغائر تدعم فيها المؤلفة الحكايات الجميلة التي سبقتها، وكتب تحت كل صورة شرح مستمد من القصص الرمزية التي سبقتها·
ثم تنحو المؤلفة منحى آخر في كتابها القيم فنقرأ تحت عنوان: "عصر البداوة والطين" كلاما رفيع المستوى جاء كأنه نُقِشَ نقشاً على صفحات الكتاب تناولت فيه ذكريات حياتها وهي في فجرها الأول فأسهبت قليلا في وصف رموزها·· فأطالت·· ودخلت في تفاصيل كثيرة لكنها غير مملة إطلاقا، لأنها كتبت بعناية مركزة وكأن المؤلفة ترسم بالكلمات، خصوصا عندما تستغرق في حكاية الرجل الذي اسمه عيسى·
عصر الحجر والحضر
ثم تنقلنا المؤلفة الى ما أسمته·· عصر الحجر والحضر·· فتصف لنا ديارهم قائلة:
أنا·· كمعظم أبناء جيلي، ولدت في دار عربية، تشابه شكلا باقي الدور، حوش وحديقة داخلية وبركة ماء وليوان وغرف وأدراج وكثير من الأصالة والكبرياء·· إلا أنها لم تكن كباقي الدور، كثيرة هي الدور التي كانت أفخم منها، وكثيرة هي الدور التي كانت أقل منها فخامة ولكن·· ما من دار كانت تقاربها أو تفوقها دفئا·
كانت في قلب المدينة·· في قلب حلب·· في خضم الأحداث، وفي حي يقطنه أهل البلد وبعض الأرمن، وكان نسيجهم الإنساني يشكل أهلا للحي، أقارب للحي، فيومها لم تكن الأحياء مقطوعة من شجرة كما اليوم، فلكل حي أهله·
دارنا كانت كبيرة، فسيحة الصدر، كثيرة الغرف، واسمها الحركي "بيت الأمة"·
وهكذا تستمر المؤلفة رفاه الرفاعي تصف للقارئ الجزء الثاني من مذكراتها بأسلوبها الممتع الذي يضفي على الأحداث جمالا·· وقيمة·· وبلاغة لغوية رفيعة·
وتختم المؤلفة ذكرياتها وحكاياتها ومذكراتها بذكر تفاصيل عن شجرة عائلة آل رفاعي مدعمة قولها بقصائد لكبار الشعراء الذين ذكروا في شعرهم رموزا من آل الرفاعي، وعرضت صورا قديمة للرعيل الأول من العائلة، كما تضمن الكتاب صورا لمساكنهم العربية القديمة·
وهكذا تقدم لنا السيدة الرفاعي كتابا من أحلى الكتب التي قرأتها في عام 2003·