
في مجموعته القصصية "جروح منفضة السجائر"
الفارسي بلغة مكثفة وحبكة تجريبية يحـرض مجتـمـعـه على تغـيـيــر "الحالة"!! (2-2)
(7)
برغم أن القاص لم يضف أي تجديدات في الشكل الهندسي للقصة التجريبية في عمان لكنه أضاف رؤى مغايرة وبأسلوب جديد ممتد من بداية القصص فأغلبها نثرية اللغة وأبدع القاص في إثارة ذهن (القارئ ـ المتلقي) ولم ينهك التفكير ولكن جعلها تهتز من ذرات المجموعة التي أمطرت وحلاً من أغوار المجتمع وعانقت وهن المدنية حتى تخثر في بوتقة الصمت وأحيانا اعتمد على المنولوج الدرامي كما في قصة ((جروح منفضة السجائر))
((هذه أرض حكايتي تمتد تتمدد/ وأنت : يا لواقفة رمشا للرحيل/ يا لنازفة أهرام العجز/يا لحائرة ما أنت؟! ما جغرافيتك؟/ما تاريخك؟!/ أحكاية أخرى ؟! أأرض؟ أسماء؟!/كوني إذن حروفا مرتبكة /تتلقف بؤس الظن/ تنجب غريب الأمنيات/··))صـــ83
العلاقة الروحية بين قصة (البيدق الأخير) للقاص سمير عبد الفتاح وقصة نقلات شطرنجية نحو خديجة للقاص (عبد العزيز الفارسي) :
نجد أن هناك علاقة روحية بين القصتين برغم أن القاص (سمير عبد الفتاح) اتبع أسلوب القصة التجريبية وابتعد عن التفتيت حيث المفردات اللغوية تتدحرج في المعنى نفسه في أغلب الأحيان المدخل يبدأ بأسلوب مباشر وبصوت الضمير المتكلم وكلا القاصين يناوش أذهاننا على اللوحة الشطرنجية وبأسلوب درامي يبدأ تحريك الشخصيات
فمثلا في قصة (البيدق الأخير) للقاص اليمني (سمير عبد الفتاح) يبدأ بالوصف لكن للشخصية (البيدق)
"لم يعد سواه على رقعة الشطرنج بجوار الملك/كان ساكنا طوال اللعبة / يتابع بهدوء تحركات قطع الشطرنج/البيضاء والسوداء" صــــ 66
والقاص (عبد العزيز) يبدأ القصة بأسلوب الضمير المتكلم أيضا ولكن يتحدث بأسلوب الوصف التمثيلي عن السارد
"أجلس على حافة الكرسي الخشبي/ منذ زمن قد تمرد على أدوات الحصر والقياس/أيمم وجهي شطر طاولة صغيرة تمتشق المسافة بيننا / تعلوها ساحة المعركة لم تبدأ بعد" صــ 54
كما نجد تشابها فكريا للوصول نحو الغاية ولكن الغاية التي تكون في منتصف الطريق في اللوحة···حيث القاص اليمني اختار أن يكون الهدف هو القلعة
ولنبدأ من قصة القاص اليمني "والوزير الأسود من بعيد يراقب تحركات الملك الأبيض/بانتظار الخطوة الأخيرة / ويكاد لا يحس بالبيدق المجاور للملك/ والقلعة السوداء تسيطر على الصف···/)) صـــ 66
أما القاص عبد العزيز الفارسي" فإنه اختار لغة التمثيل الدرامي واللغة الشاعرية
واختار أن يكون الهدف (خديجة)
"خديجة منذ متى ونحن نعبد هذه الأصنام بالتأمل ؟! نظل لها عاكفين ننتظر اللحظة وأختها··" صـــ54 نجد في المقطع (لحظة انتظار) ولكن كلا منهما ينتظر غاية ما
وفي مقطع آخر اختار القاص (سمير عبد الفتاح) أن يؤول نحو الانتصار ولكن في لوحته الشطرنجية وأما القاص (عبد العزيز) فإنه جعل الانتصار أيضا لجانبه وتأثر بمفردات توحي على الشبه بين القصتين ولنبدأ (بالبيدق الأخير) (7)
"الخطة التي ارتسمت معالمها للقطع البيضاء كانت واضحة وقوية تحرك قوي على الجهة اليمنى ···" صـــ 67
والقاص (عبد العزيز) اختار أن يكتب بالشكل نفسه لكن بأسلوب لغوي آخر
"بيدق أبيض بلون اللؤلؤ بنصاعة القلب يتقدم تجاهك يقتل المسافة···" صـــ 55
نجد في العبارتين السابقتين لكلا القاصين تشابها في اللون الأبيض لكن القاص (عبد العزيز الفارسي)) مال نحو اللغة النثرية كثيرا لكن نجد تشابها كبيرا في بعض المقاطع حتى لو اختلفت المفردات لكن الفكرة ثابتة ولنبدأ مرة أخرى من (البيدق الأخير)
"وبهدوء تسلل الحصان الأبيض إلى الجهة اليسرى لكن القطع البيضاء اختفت من فوق اللوحة تدريجيا ولم يتبق سواه والملك ···" صـــ 67
وفي قصة (نقلات شطرنجية باتجاه خديجة) نجد روح العبارة نفسها "ركود المشاعر صار يفترش الرقعة الهدوء البغيض لا يعجبني سأتقدم يا حلم طفولتي سآتي على هذا الحصان الأبيض كي اقتنص اللحظة" صـــ 55
ولكن المصادفة أن عبارة القاصين تقع في الصفحة الثانية وفي نهاية الصفحة لكل منهما، أما
الهدوء والركود يؤديان إلى المعنى نفسه (الصمت، توقف)!!
كما اعتمد القاصان على قتل الوزير فمثلا في قصة (البيدق الأخير) قرر البيدق قتل الوزير (ولمعت عينا البيدق فقد حانت اللحظة فهو قد درس الأمر جيدا قفزتين للإمام ويغمد الخنجر في صدر الوزير ثم يميل للخلف ويخرج المسدس ويطلق طلقتين على رأس الحصان) صــ 69
وفي قصة (عبد العزيز الفارسي) الملك قتل الوزير!!
"سقطت دموع الملك حاول التقدم نحوك فانزلقت قدماه في بحيرة الدمع ولكنه لم يغرق ولم يمت على يديك بدأ يحشد الجيوش يلملم الكتائب ينسج الخطط قرر اغتيال أول جنود الهزيمة واتى يبحث عن جسد الوزير ···" صـــ 85
وما زلنا نكرر الأطروحة ما هو الارتباط الذي بين قصة (البيدق الأخير) وقصة (نقلات شطر نجية نحو خديجة)؟
في البداية وجدت ارتباط روح المفردات كما أن كلا القاصين ينتهيان بقتل الشخصية المحورية
لأن (البيدق الأخير) كان هو العـــنــوان الرئيسي لقصة (سمير عبد الفتاح) لذلك نعتبره شخصية محورية ونهايته تتحطم عظامه ····وفي القصة الأخرى نجد نهاية (خديجة)الموت
هذا يعني أن القاص (عبد العزيز الفارسي) قرأ قصة (البيدق الأخير) وتأثر بالفكرة وتأثر ببعض المفردات اللغوية حتى وجدنا أن صوت القاص (سمير عبد الفتاح) ينسل من بين الفواصل ويدخل من خلال اللوحة الشطرنجية وبدراية ويقين غير مباشر يؤكد بأن هناك التصاقا بين فكرته وفكرة القاص إذا القاص (عبد العزيز الفارسي) متأثر فعلا بتلك القصة ولم يستطع طرد روح قصة (البيدق الأخير) حتى أصبح التأثير في اللغة لكن القاص (سمير عبد الفتاح) اتصفت لغته بالإيجاز والتكثيف واتسقت الصورة الدرامية فيها بدقة وكأن اللغة عبارة عن كاميرا ذات أبعاد يقوم بتصوير تفاصيل صغيرة في قصصه يجعلنا نشعر بحدوث القصة أمامنا في اللحظة نفسها··· بالنسبة (لعبد العزيز) اختار لغة التكثيف واختار مفردات شاعرية
توحي بلغة النثر في أغلب الأحيان ··· والقصة موسومة بطابع تمثيلي وهنا نستطيع القول بأن المشيمة التصقت بقصتين معا وهكذا توطدت آصرة روحية قوية بينهما و لا يمكن الانفصال أو قطع المشيمة الملتصقة·
(8)
المحور الأدبي والذاتي في المجموعة:
وعندما نتحدث عن المحور والهدف الرئيسي من تلك المجموعة نجد أن أهم محاورها تدور حول قيمة الإنسان كإنسان له ذات، ويسيطر عليه الكثير من المؤثرات لكن تظل ترتشف من وصولها نحو حافة القوة حتى لا تؤول نحو الاستسلام···وبالتجريب القصصي يأتي صوت القاص من خلال مجموعته مؤكدا أن ((الإنسان صار هو الهدف وتهشيمه يعني للآخرين من البشر قوة لكن القاص يطرح فكريا فلسفة تحرر الإنسان من ذلك المنطق ولا يرمي عليه المآسي في النهاية وإنما يلامس مصدر الضعف من أجل كشف الحقيقة ويبعث في الشخصيات انبلاج الضوء الذي يحمل الأمل ويحثه على الاستمرار في البحث عن ذاته ···))
وكما يقول في نهاية المجموعة الكاتب خليل السواحري ((لأول وهلة يبدو الإحباط والتشاؤم هما الصفة الغالبة على أبطاله وخاصة في القصص الأولى من المجموعة ولكن نظرة مدققة تترك لدينا انطباعا آخر وهو أن أبطاله يرفضون الاستسلام للواقع المظلم وشبه القدري الذي يعيشونه))·
لذلك جاءت المجموعة تحمل لغة إثارة المشاعر والتعاطف مع الشخصيات والتأمل في المواقف التي التقطها ووجدنا أن تلك المواقف أو قصص (الحالة) لا تحمل رؤى نفسية فقط وإنما المجموعة القصصية من حيث تصنيفها حسب أيديولوجية المواضيع (واقعية ، رمزية بسيطة) ومن الشكل الهندسي فنجد أنها تتسم بتقنية التجريب أو حداثية التجريب من حيث كتابة الحبكة القصصية أو (حالة) الموقف ···وتم اختيار حالات إنسانية ومواقف مهشمة من أغوار النفس بالإضافة إلى ذلك نجد أن الكثير من الكتاب أحيانا لا تهم لديهم نهاية القصة فنجدهم يتدخلون إما لطرح رؤاهم بإيجاد نهاية مأساوية لكن في المجموعة نجد أن التدخل من قبل المؤلف كان من أجل مساعدة الشخصيات التي التقطها القاص من أغوار المجتمع حيث يسكن في زوايا معتمة أحيانا أو في ذاكرة القاص وأعطاها حرية ومكانة وحبلا من الأمل للتسلق نحو ذاتها التي تتغلب فيها على الصعوبات وجعلها تتلمس أوصال ذاتها للتغلب على الضعف حتى في الورق ··· وأهم مثال على ذلك قصة ((سبعة أشواط حول الضياع)) كشف لنا شخصية مهشمة يحاول أن يخرج من دروب الضياع ومن خلال دائرة التكوم حول الضياع·
أدهشنا التدخل غير المباشر لملامسة القاص فكر الشخصية على الورق وبتلك الملامسة لم ينتظر نهاية مأساوية له وبمحاولات عدة لم تستسلم الشخصية لدائرة الضياع·وهكذا أعطى للشخصية فرصة للبقاء·
·((مرت دقائق وأنت واقف تصلي/ إلى أن سمعت نداء الصلاة فاتجهنا نحوهم/ وبعد أن اصطفوا بتراص/ رحت تنظر إلى من حولك/ كانوا هادئين مطمئنين/ وظللت كذلك إلى أن كبر الإمام تكبيرة الإحرام/ وبدأ بالتلاوة / كانت أجزاء من جسدك تقشعر/عوالم كثيرة تتخلل فكرك/ وأنت تسمع ما يقول حتى أصبحت لا ترى موضع السجود/ ولحظة أن سمعت الإمام يتلو: "ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون" كانت أشلاء نفسك تهم بالنهوض وقرارات جديدة تصنع نفسها/)) صـــ 109
كما أضاف في المجموعة معالجات قريبة من مضامين نفسية تشبه تأملات فرويد من الجانب النفسي وربما هذا من تأثره بالقصص التي تتحدث عن التوهجات النفسية بشكل خاص وكما نعلم أن فرويد وأتباعه كانت معظم أفكارهم تقوم على (التفكير التأملي الاستبطاني) ··والقاص شخصياته تبحث عن القوة من النفس الداخلي وليس الخارجي وهذا ما يجعلها تتشبث بجدار السمو والقوة حتى لو كانت مهشمة إلا أن القاص يؤكد دائما في أغلبية قصصه بأنها شخصيات·
(9)
ترغب بالبقاء وتبحث عن مكنون القوة في داخلها وكأنها شخصيات لا تنظر إلى الخلف وإنما تستعيد البقاء من البحث الدائم·
وانظروا كيف وصل سعيد إلى السعادة واقتنع بفكرة سلطان؟ وكيف انتصر المنتظر على دانة اللعوبة ؟ وكيف عانق حلمه مع هديل وتجاوز الواقع؟! ···الخ
كل هذه الشخصيات لا تحتاج إلى مرور عابر ورسمها بتلك الدقة دلالة على وجود ملامسات نفسية وسير سيكولوجية شخصيات فرويدية وهذا أيضا دليل على تأثره بالكاتب الروائي
((غالب هلسا)) والذي كان ظاهراتيا···لأنه لم يكن يهتم بالأشياء المرئية فقط وإنما كان يكثف في اللغة ويرسم الشخصية بدقة من الجانب النفسي···معنى هذا أن (عبدالعزيز) ليس فرويديا في رسم شخصياته فقط وإنما مؤثرا نفسيا على (القارئ ــالمتلقي) والذي يجعله في حالة (قلق) من البداية وهذا القلق يكون بوعي نحو الشخصية التي رسمت ملامحها النفسية قريبة من الشخصية الطبيعية! وبالتالي يعانق فكر غالب هلسا ويلامس حافة فرويد في رسم الشخصيات! ويختار التفتيت كتقنية لطرح القضايا·
وبالنسبة الى اللغة في المجموعة فنجد أن أغلبيتها كانت لغة تتسم بالإقناع كما لاحظنا أن القاص يرتشف من النقد البسيط ليحث الشخصيات على الاستمرار للبحث عن ذاتها المكنون وتنبلج من اللغة مفردات بها سعة الروح والتأمل وكأنها تردد صدى القاص وعمق تجربته وينثرها لنا مثل الرذاذ حتى يؤول بنا نحو التدفق من أغصان التجربة ويعانق مخيلتنا وهكذا يسكننا لغة القاص من الجانب الذاتي!
وبتلك الطريقة يغادرنا الحزن ونمنح لأنفسنا شرعية الفرح و الانتصار ولا يخيفنا نهاية (خديجة) التي اغتالها القاص لأنها رفضت أن تبقى تعزف على لوحة الشطرنج كل حياتها وتبقى في زاوية حتى يهشم أجنحتها الصغيرة وحتى لو ماتت فإنها ما زالت تعانق ذاكرتنا ولم تمت وما زالت تحفر في خلجاتنا لتسكن في الروح ···هكذا كانت لغة القاص مضادا للألم والحزن ···وتيمم بين خطوط الحزن والاغتراب محاولا أن تنبعث فيها الحياة والقاص لم يجعلها تختزل الحزن وإنما استرق فيها شراعا حتى أورث الشراع لها البقاء واغتسلت من رؤى القاص وفكره ·وهكذا نجد أن القاص قد استطاع إثارة انفعالات (المتلقي ــ القارئ) نحو مجموعته وأفكاره التي تتسم بالواقعية و تدور في دائرة النفس وحتى لو لم يضف (عبدالعزيز الفارسي) تجديدا معينا في القصة في عمان لكنه أضاف لغة ومضامين، فكرية وجاءت بتقنية نفسية وأبدع في بدايات القصص (مدخل القصة) القصة فلم يبتعد بأسلوبه عن الشكل التقليدي وإنما تمسك به ولكن حاول التجريب في القصة التجريبية من أبواب عدة أولها باب··· الإيجاز والتكثيف في اللغة وثانيها انفرد بأسلوب درامي وكأنه يعرض فيلما تسجيليا قصيرا وهذا ما وجدناه في قصة (خديجة) فهو لا يتحاور مع الشخصية المحورية الثانية خديجة وإنما يطالبنا بأن نشاهد التنقلات كيف تكون في الواقع وكأنه يرسم خطوطا درامية ونحن نشاهده !
وهنا تكمن خصوصية الإبداع لأن التفاصيل مستوحاة من الواقع ··· وبرغم التقنية التجريبية المسيطرة على أغلبية القصص إلا أن المضامين الفكرية والنفسية وهبت المجموعة بمفاتيح الإبداع!·
**********************************************
المصادر والمراجع:
* جارودي ( روجيه) ـــ (واقعية بلا ضفاف) ـــ (ترجمة حليم طوسون) ـــ القاهرة ـــ صــ 227·
* حوار مع القاص (إبراهيم عبد المجيد) ــ (حول القصة والفن والإبداع) ــ دراسات أدبية ــ د/شاكر عبد الحميد ــ صـــ 358
* ((في النقد التطبيقي المقارن)) ــ تأليف د/محمد غنيمي هلال ــ نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع·
* مجموعة (رنين المطر) ــ إبداعات يمانية ـــ (سمير عبد الفتاح) الطبعة الثانية 2002 ــ صـــ 66
* المجموعة القصصية (جروح منفضة السجائر)) ـــ القاص ((عبدالعزيز الفارسي))
دار الكرمل ـــالطبعة الأولى 2003
آمنة بنت محمد البلوشي
سلطنة عمان
amonaq@hotmail.com