
"الصمود الفلسطيني في الأرض المحتلة أحبط مخططات التهويد والضم
" الانتفاضة كبدت إسرائيل خسائر تزيد عن 23 مليار دولار فضلا عن أسوأ حالة ركود وأعلى معدلات بطالة في تاريخها
"واشنطن: تعديل "خريطة الطريق" وفقا للتحفظات الإسرائيلية
الحرب على العراق·· فرصة شارون الأخيرة لتنفيذ خطط "الترانسفير"
" الإسرائيليون يصرون على ترتيبات موقتة لكسب الوقت في بناء المستوطنات وخلق الحقائق على الأرض
" إسرائيل هي التي تهدد العالم العربي وليس العكس فهي تمتلك رابع ترسانة نووية وواحد من أقوى جيوش العالم
بقلم - مصطفى البرغوثيü
في الوقت الذي يستمر فيه الجدل حول "خريطة الطريق" ويتعرض فيه الشعب الفلسطيني لأشكال جديدة وغير مسبوقة من الرعب، ربما يكون من المفيد أن نضع ذلك جانبا للخطة، كي نرسم صورة عامة للوضع، لقد أدت عملية أوسلو الى هدنة دامت لسبع سنوات، ولكنها كانت في الغالب، هدنة من جانب واحد، حيث التزم بها الجانب الفلسطيني بينما واصل الإسرائيليون هجماتهم على مصالحنا وأراضينا، مما أدى الى خنق آفاق السلام·
وكان العدوان الإسرائيلي يجري على ثلاثة مستويات:
أولا: خضعت إسرائيل ومنذ اغتيال اسحاق رابين لحكم أحزاب اليمين المتشدد، صحيح أن إيهود باراك أصبح رئيسا لوزراء إسرائيل خلال الفترة الفاصلة بين بنيامين نتانياهو وأرييل شارون، ولكن باراك انتهج سياسيات كانت أقرب للخط اليميني، فقد قام - بشكل خاص - بإضعاف شرعية السلطة الوطنية الفلسطينية من خلال إشاعة خرافة أن السلطة الفلسطينية رفضت العرض السياسي "السخي" الذي قدمه، لأنها كانت عازمة على تدمير إسرائيل، هذه الخرافة أدت الى تغذية زخم الجناح اليميني المتطرف في إسرائيل الذي يسعى لمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة·
ثانيا: استمرت إسرائيل في بناء المستوطنات خلال فترة "أوسلو" دون توقف فمنذ توقيع الاتفاق، تم إنشاء أكثر من 100 مستوطنة جديدة وتضاعف عدد المستوطنين في الأراضي المحتلة مرتين، ولم يكن ذلك "توسعا عضويا" تلقائيا، بل نتيجة لمحاولات مقصودة ومبرمجة لتغيير الوضع القائم الى مدى غير مسبوق خلال الـ 27 عاما الماضية، وفي الواقع، فإن الفترة الوحيدة التي انخفض فيها بناء المستوطنات بشكل ملحوظ، هي الفترة التي سبقت توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 إبان الانتفاضة الأولى التي استمرت من عام 87 وحتى 1993·
مواقع معزولة
أما التوسع الاستيطاني الذي أعقب عام 1993 فكان عملية مدروسة، فلم يتوقف الأمر على بناء مستوطنات على نطاق هائل فحسب، بل جرى شق شبكة معقدة من الطرق للربط بين كل مستوطنة وأخرى وبينها وإسرائيل، ولم يكن الهدف من البناء إقامة مساكن لاستيعاب العدد المتزايد من سكان إسرائيل، بل لتغيير الجغرافيا الاقتصادية والسياسية للأراضي المحتلة، لقد سعت إسرائيل من خلال النشاط الاستيطاني، الى تحويل الضفة الغربية الى منطقة ذات أغلبية إثنية إسرائيلية تصبح فيها القرى والبلدات الفلسطينية مجرد مواقع معزولة، فخلال الفترة من 1993-67 حاولت إسرائيل تغيير حقائق معينة على الأرض وخاصة في القدس·
وخلال هدنة "اتفاق أوسلو" سعى الإسرائيليون الى تغيير الطبيعة الجغرافية للأراضي المحتلة بشكل عام، من أجل المطالبة بهذه المناطق باعتبارها تعود إليهم، وذلك ليس بالأمر الجديد على إسرائيل، فهذا ما فعلته بالضبط في الجليل والنقب ويافا، حيث نجحت في تغيير الوضع الديموغرافي لهذه المناطق، ولكن إسرائيل واجهت مشكلة معقدة في هذه المناطق لأن الفلسطينيين تشبثوا بأرضهم·
فمنذ عام 1967 ظلت إسرائيل ترفض المطالب الفلسطينية في الوقت الذي تتنامى فيه مطالب الإسرائيليين، لقد أبدى الفلسطينيون استعدادهم للقبول بـ 22في المئة فقط من أرض إسرائيل التاريخية بدلا من 45 في المئة منحهم إياها قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، ولكن بعد اتفاق أوسلو، تبخر الوهم بإمكان التوصل الى حل يقوم على أساس دولتين وفقا لخطوط حدود عام 1967·
وقد تركزت المفاوضات التالية بصورة رئيسية، على كيفية تقسيم الضفة الغربية بين إسرائيل والفلسطينيين، وفي هذا السياق، لم تكن مقترحات إيهود باراك في قمة كامب ديفيد عام 2000، تختلف جوهريا عن المقترحات التي يطرحها شارون، وهناك عنصر ثالث أيضا، وهو أن التدمير المنظم للسلطة الفلسطينية أضعف قدرتها بشكل مميت، على بناء هياكلها والتحرك نحو إقامة الدولة المستقلة·
وقد استغلت إسرائيل - بالمقابل - حالة التشرذم العربي والوضع الدولي المعقد من أجل إعادة صوغ الصراع، ليس مع الفلسطينيين وحدهم بل في كل أرجاء المنطقة·
حقائق جديدة
ومن أجل هذه الغاية، ظلت إسرائيل ملتزمة بقوة، بثلاثة قواعد أساسية "وفقا للتحليل الواعي والشامل لرجا شحادة":
1 - عدم السماح لأي كيان فلسطيني بالسيطرة على الحدود مع أي دولة أخرى، وأن أي كيان فلسطيني يجب أن يكون "دون حدود" ومحاط، الى الأبد، بالسكان اليهود والجيش الإسرائيلي من خلال إجراءات موقتة أو دائمة·
2 - أي سلطات يتمتع بها الكيان الفلسطيني أو سلطة الحكم الذاتي يجب أن تبقى عملياتية وليست سيادية·
3 - يجب عدم السماح لأي اتفاقات أو ترتيبات تبرم مع الفلسطينيين أو العرب "ويعتبر اتفاق أوسلو نموذجا على ذلك" بإعاقة قدرة إسرائيل على تغيير الوضع القائم وخلق حقائق جديدة على الأرض في المناطق المحتلة·
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، استغلت إسرائيل غياب نهج استراتيجي متماشٍ لدى المفاوض الفلسطيني والعربي، لقد ظلت إسرائيل تحبذ دائما الحلول الجزئية والانتقالية، بينما تقوم في هذا الوقت ببلورة شبكة من القوانين والأوامر العسكرية التي تكنها من بناء الطرق وإقامة المستوطنات وفرض العقوبات الجماعية على الفلسطينيين·
وبعد اندلاع الانتفاضة الثانية، بدأت إسرائيل أيضا، باستخدام الإعلام العالمي بفاعلية من أجل تغيير التصورات الدولية للحقائق التاريخية والراهنة بشأن صراعها مع الفلسطينيين وكان هدفها الرئيسي ليس فقط إنكار حقوق اللاجئين، بل أيضا تشويه الحقائق بشأن هذه الحقيقة لدرجة أصبح فيها كل من يطالب بهذه الحقوق يواجه الاتهام بأنه يريد تدمير إسرائيل·
وفي سياق هذه الحملة، أصبحت تطلق على الأراضي المحتلة صفة "أراض متنازع عليها"، وأطلقت على الانتفاضة صفة "صراع مسلح بين قوتين متكافئتين"، واختفت كلمة احتلال من القاموس، ويبدو أن شارون يرى في نفسه الرجل الذي عليه استكمال ما بدأه بن غوريون عام 1948·
فلماذا نشغل أنفسنا - والحالة هذه - بخريطة الطريق أصلا؟ ولماذا قبل شارون "ظاهريا" بفكرة الدولة الفلسطينية؟ ولماذا لم تضم إسرائيل كل الأراضي الفلسطينية تماما كما فعلت في القدس والجولان؟
المشكلة الديموغرافية:
السبب الأول في تردد إسرائيل في ضم الأراضي المحتلة هو ديموغرافي، فعلى الرغم من كل محاولاتها ومساعيها، لم تجد إسرائيل حتى الآن، حلا للمشكلة الديموغرافية التي يمثلها الفلسطينيون، فقد تعلم الفلسطينيون الذين يعيشون في الأراضي المحتلة درسا قاسيا من عام 1948، ولذلك قرروا التمسك بأرضهم وعدم الرحيل عنها، ومجرد وجود هؤلاء السكان على أرضهم يعتبر الإنجاز الأكبر للكفاح الفلسطيني، وهذا الوجود ليس مجرد إنجاز رقمي، كما كان قبل عام 1967، فهو اليوم وجود ديناميكي وواع وملتزم بالمقاومة، وهذا الوجود المستمر يكلف إسرائيل ثمنا فادحا على أكثر من صعيد، فإسرائيل - ببساطة - غير قادرة على التأقلم مع الثمن الذي تدفعه من جراء استمرار الاحتلال·
ويشعر الرأي العام الإسرائيلي بحساسية مفرطة تجاه ثمن الاحتلال على صعيد الخسائر في الأرواح، فضلا عن أن المجتمع والاقتصاد الإسرائيليين لا يمكنهما تحمل أعباء مواجهة مفتوحة لوقت طويل، ولهذا السبب سعت إسرائيل بشكل حثيث لوقف الانتفاضتين الأولى والثانية·
لقد أصبح انهيار الاقتصاد الإسرائيلي بسبب ضغوط الانتفاضة ظاهرا للعيان، فإسرائيل تعاني اليوم، من أسوأ حالة ركود اقتصادي في تاريخها، ويتزامن ذلك مع أعلى مستويات البطالة وهروب رؤوس الأموال التي تشهدها الدولة العبرية على الإطلاق، وتقدر خسائر إسرائيل منذ بدء الانتفاضة بنحو 23 مليار دولار، وتراجع معدل الدخل الفردي بنحو 12 في المئة·
ترانسفير
وكذلك تشعر إسرائيل بحساسية بالغة تجاه الرأي العام العالمي، فالإسرائيليون يدركون أنه بإمكانهم الاعتماد على الدعم الأمريكي، لكنهم يواجهون خسارة دراماتيكية على صعيد مصداقيتهم في مختلف أنحاء العالم، فقد تدهور التأييد الأوروبي لهم، وتوقفت عمليات تطبيع العلاقات بين إسرائيل والعرب، وتتزايد حركات التضامن الدولي مع الفلسطينيين وبعضها قدم أعضاء كدروع بشرية للفلسطينيين، وعلى الرغم من احتجاجات إسرائيل، وحدت حركة التضامن الدولي مع الفلسطينيين جهودها مع الحملة المناهضة للعولمة بحيث تشد كل منهما عضد الأخرى، وبدأت إسرائيل تفقد تأييد البرلمان الأوروبي، بل إن التأييد لها داخل البرلمان البريطاني بدأ ينحسر·
واليوم، أصبحت حركة التحرير الفلسطينية من أبرز حركات التحرر في العالم، لدرجة أن المواقف المناهضة للقضية الفلسطينية حتى في الولايات المتحدة، بفضل هيمنة اللوبي المؤيد لإسرائيل، بدأت تتغير، وإذا تمكن الفلسطينيون الذين يعيشون في الولايات المتحدة من التغلب على خلافاتهم ومخاوفهم، ولو لفترة قصيرة، ونجحوا في توحيد صفوفهم وتشكيل مجموعة ضغط يحولها الأثرياء منهم، لأمكنهم تغيير هذا الوضع، وأنه لأمر مهم أنه حتى في ظل هذا الخلل في ميزان القوى الراهن، لم يتمكن الرئيس جورج بوش من تجاهل الشرطين الأساسيين لقيام أي تسوية وهما إقامة دولة فلسطينية ديموقراطية وإنهاء احتلال عام 1967، ولن يكون بوسعه تجاهلهما مستقبلا، ما لم يوفر له طرف فلسطيني أو عربي الذريعة لذلك·
وتواجه إسرائيل أيضا عقبة مباشرة وقوية تمنعها من ضم الأراضي المحتلة، فبصراحة لا يمكن إنهاء الانتفاضة والكفاح الفلسطيني بالوسائل العسكرية، لقد جربت إسرائيل الحل العسكري أكثر من مرة ومنيت بالفشل، وكذلك ليس من الممكن إجبار سكان الأراضي المحتلة على مغادرة منازلهم، في عملية "ترانسفير" التي ظل شارون يحلم بها منذ زمن طويل، فقد كانت الفرصة الأخيرة أمام إسرائيل لتنفيذ عملية "الترانسفير" هي الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق، ولكنها - حتى في هذا الظرف - لم تحاول إسرائيل أن تفعل ذلك، فهناك حدودا لما يمكن أن تنجزه القوة، حتى ولو كانت هذه القوة كاسحة·
سلام وهمي
فإذا لم تستطع حكومة إسرائيل حل مشكلاتها من خلال ضم الأراضي المحتلة، فما الذي تريده؟ ببساطة، أنها تريد هدنة جديدة، أي "اتفاق أوسلو" جديداً يمنحها فرصة لقضم ما تبقى من الأرض وكسر ما تبقى من إرادة وتصميم لدى الحركة الوطنية الفلسطينية، فالحكومة الإسرائيلية تريد وقفاً جديداً لإطلاق النار، طالما أن ذلك سيفرض على الفلسطينيين وحدهم، أنهم يريدون سلاما وهميا وليس السلام الحقيقي، وهم يريدون أن يقبل الفلسطينيون بالوضع الراهن على أمل أن تضعفهم الانقسامات وأن تدفعهم المصاعب الاقتصادية وظروف الحياة اليومية القاسية الى الاستسلام·
وهذا هو المقصود بالدولة الموقتة أو الدولة ذات الحدود الموقتة، ولهذا السبب عارضت إسرائيل "خريطة الطريق"، حتى على الرغم من أنها تدعو الى قيام دولة موقتة، وذلك لأنها تدعو الى تجميد الاستيطان خلال المرحلة الأولى·
وبالمقابل، علينا - نحن الفلسطينيين - أن نتعلم من أخطائنا، فقد نص اتفاق أوسلو المدعوم بضمانات أمريكية ودولية، على إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي من كل مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة مع حلول شهر يونيو 1999، باستثناء المناطق الحدودية والمستوطنات والقدس، وهذا يعني أن إسرائيل كان يجب أن تكون قد انسحبت من 90 في المئة من الأراضي المحتلة في مقابل إرجاء البحث في قضايا اللاجئين والقدس والحدود الى مفاوضات الوضع النهائي التي كان يجب الانتهاء منها مع نهاية عام 1999، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، فمع حلول شهر سبتمبر عام 2000 كانت إسرائيل قد انسحبت من 18 في المئة فقط من الأرض ولم تجر أي مفاوضات حول القدس أو اللاجئين أو المستوطنات، وكان الشيء الوحيد الذي يحرز تقدما في تلك الفترة، هو بناء المستوطنات والطرق الالتفافية، فلماذا تواصل إسرائيل تقديم الاقتراحات بقيام دولة موقتة، إذا لم تكن لديها النية للسماح بقيام دولة دائمة في نهاية المطاف؟
غيتوهات
يمكن للمرء أن يستشف عددا من الأسباب التي تكمن وراء هذا السلوك المتناقض ظاهريا، أولا، من شأن الدولة الموقتة أن تسمح للإسرائيليين - مرة أخرى - أن يؤجلوا البحث في القضايا الأساسية كالحدود واللاجئين والمستوطنات والقدس الى أجل غير مسمى، وهم يأملون بالطبع، أن يصبح من المتعذر - مع مرور الوقت - حل هذه المسائل، وبالتالي يتوقف البحث عن إيجاد حل لها·
فالدولة الموقتة تفيد إسرائيل في إطار محاولاتها لإعادة صوغ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، فالهدف هنا هو إيجاد حل يخلص إسرائيل من العبء الديموغرافي المترتب على ضم الأراضي المحتلة، وفي الوقت ذاته، يسمح لهم بالمضي قدما في ضم معظم هذه الأراضي، ولهذا السبب يقترح الإسرائيليون قيام دولة فلسطينية على 42 في المئة من الأرض، فمن شأن ذلك أن يقلص الدولة الفلسطينية "المستقلة" الى مجموعة من الجيوب غير المترابطة جغرافيا، "دولة" لا تتمتع بالسيادة وليس لها حدود، وقد يسمح للفلسطينيين العيش في "غيتوهات"، وقد يتمتعون بنظام يسمح لهم أن يحكموا - وربما أن يضطهدوا - أنفسهم، وقد تترك للفلسطينيين المسؤولية عن إدارة أمور الغذاء والصحة والاقتصاد، ولكن لن يتمتعوا بأي سيادة على أرضهم ولا أفق بتحول الغيتوهات التي يعيشون فيها الى دولة حقيقية·
إنهم يدفعون الشعب الفلسطيني الى هذا المصير الرهيب بشكل تدريجي، بالطريقة نفسها التي تجعل المريض يشرب دواء مرا بحجة أن هذا الوضع "موقت" ليس إلا·
ولكن كما رأينا في "عملية أوسلو" فإن "الموقت" سرعان ما يتحول الى "دائم"، ولن تعدم إسرائيل الذرائع لعدم التقدم باتجاه إرساء سلام حقيقي، وسوف تصور إسرائيل قضايا مثل القدس واللاجئين، ليس باعتبارها قضايا مطروحة للتفاوض، بل عقبات يصعب تذليلها·
أبارثايد
والآن يطالب شارون الفلسطينيين بالتخلي عن "حق العودة" والإعلان عن انتهاء الصراع، ولا يعرض على الفلسطينيين شيئا مقابل ذلك، سوى بضعة "غيتوهات" ضيقة ليعيشوا فيها، وينطوي حل شارون على تهويد وضم معظم أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، في الوقت الذي يطلب من الفلسطينيين تقديم تنازلات تاريخية كي تجعل من الممكن لشارون تحقيق مخططاته، فهو يريد من الفلسطينيين أن يتنازلوا عن حقوقهم كي يعيشوا عبيدا في ظل أسوأ نظام للفصل العنصري "ابارثايد" Apartheid في التاريخ·
وبالنسبة لمشروع "خريطة الطريق" يريد شارون أن يختار العناصر التي تناسبه ويستبعد ما لا يعجبه في هذا المشروع، ولذلك اشترط تغيير مئة بند في المشروع تحت 15 عنوانا رئيسيا، فهو يطالب بإنهاء الكفاح الفلسطيني في الوقت الذي يرفض فيه تجميد الاستيطان، وهو يريد إلغاء حق العودة ويرفض مناقشة قضية القدس·
إن المتمعن بالخرائط التي يرسمها شارون يدرك أنه ليس سوى حلقة جديدة في السلسلة الصهيونية، ففي هذه الخرائط تتواصل حدود الدولة الفلسطينية بالاضمحلال وكانت آخر خطط قضم أراضي الفلسطينيين هي مشروع بناء جدار الفصل العنصري الذي يشق الأراضي الفلسطينية ويقطعها إربا، لقد أعطى "قرار التقسيم" الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947 نحو 45 في المئة من فلسطين، وحدود ما قبل حرب عام 1967 تعطي الفلسطينيين 22 في المئة فقط، أما مقترحات شارون فلا تعطيهم سوى 9 في المئة فقط، فهذا الاتجاه التنازلي في هذه الأرقام له دلالة بالغة الأهمية، ولكن الأهم - مع ذلك - هو هذا التيار المتصاعد للأحداث·
ففي حين كان الفلسطينيون يخسرون المزيد من الأراضي مع كل مواجهة، إلا أن مقاومتهم ظلت تتصاعد، لقد رفضوا الرحيل عن أرضهم وظل عددهم في ازدياد والتزموا بالنضال وبتعزيز هياكلهم المؤسساتية وزيادة وعي شعبهم بحقوقه وبحشد الدعم الدولي، وخلال كل ذلك، تأكدت حقيقة أن العنصر الإنساني هو الرصيد الأكثر أهمية في الصراع الذي يخوضه الفلسطينيون ضد الاحتلال·
السيناريو الأرجح
في الماضي، قمنا بتوظيف - بل وأحيانا استنزاف - طاقاتنا البشرية المحلية، ومع ذلك، فشلنا - ولاسيما منذ "اتفاق أوسلو" - في تنظيم وتوظيف الإمكانات البشرية التي يمتلكها الفلسطينيون في الخارج، والآن، فإن تحقيق ذلك أصبح واحدا من الأهداف الجوهرية لـ "المبادرة الديمقراطية الوطنية الفلسطينية" التي أطلقناها في شهر يوليو عام 2002·
إن مشروع "خريطة الطريق" محكوم عليه بالفشل لأن شارون لا يريد له أن ينجح ولأن الولايات المتحدة ليست في وارد الضغط عليه كي يقبل به، والسيناريو الأرجح هو أن يتم تغيير "خريطة الطريق" بشكل يتلاءم مع تحفظات شارون، ومن شأن ذلك أن يضع الفلسطينيين في وضع خطير بصورة غير مسبوقة، لأن الصراع لن يعود على نسبة الأرض التي ستعطى لهم، بل على حق هذا الشعب في الحياة كشعب ذي قضية يعيش من أجلها وهويته يتمسك بها·
وإنه لمن الضروري ألا يسمح الفلسطينيون بتشويه الصراع الراهن أو بفرض وجهة النظر الإسرائيلية عليهم، فالصراع بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي ليس نزاعا بين طرفين متكافئين·
إنه ليس خلافا حول صفقة عقارية، إذ لا يمكن المساواة بين المظلوم والظالم أو بين الخاضعين للاحتلال والقوة المحتلة، فنحن نخوض كفاح شعب حرم من الحرية والاستقلال والوطن لأكثر من 55 عاما، ويخضع للاحتلال منذ 36 عاما، إنه كفاح شعب يسعى لممارسة حقه في تقرير المصير، وهو الحق الذي تمارسه كل شعوب العالم بما فيها الشعب الإسرائيلي·
شرط مسبق
الفلسطينيون يناضلون من أجل وطن حر وذي سيادة ومستقل حيث يمكن للناس أن يعيشوا فيه بحرية وكرامة ومن دون اضطهاد أو عنصرية، نحن ننشد وطنا يسوده القانون ويلبي طموحات أبناء شعبه، والطرف المهدد في هذا الصراع هو ليس إسرائيل التي تمتلك رابع أكبر ترسانة نووية في العالم وأكبر مخزون من أسلحة الدمار الشامل في المنطقة وواحد من أقوى الجيوش في العالم، إن الطرف المهدد بالفعل هو الشعب الفلسطيني، إننا لن نهدأ قبل قيام الدولة الفلسطينية التي تتمتع بسيادة حقيقية غير منقوصة وقبل تحقيق السلام الحقيقي والدائم·
ويجب على جميع الفلسطينيين أن يعوا طبيعة الصراع إذا أردنا إعادة صوغ الإدراك الجمعي لأمتنا، ومن المهم بالدرجة ذاتها، أن نقوي التزامنا بالديمقراطية الداخلية، لأن ذلك يعتبر شرطا مسبقا لتحويل رؤيتنا المشتركة الى عمل مشترك من أجل بناء الأمة في الداخل والخارج كي تصبح قوة يحسب لها الحساب·
" عن Znet "
ü (السكرتير العام لـ "المبادرة الوطنية الفلسطينية" ورئيس لجنة الإغاثة الطبية الفلسطينية - رام الله)