رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 17جمادى الآخر 1424هـ-16 اغسطس 2003
العدد 1590

حرب الخليج الثالثة:حرب الحـواسم

 

جنود من قوات التحالف يقتحمون احدى المواقع   المقاومة الشعبية من الآليات التى تبناها صدام

 

* صدام حسين أعطى توجيهاته لقادته العسكريين بضرورة النضال ضد "المغول الجدد"

* المواطن غير الصالح من منظور نظام صدام هو الذي لا يتواءم مع الحكومة ومصيره الإبادة

*على الثائر أن ينشر الازدراء من الموت·· والدفاع هو موت كل ثورة·· من التكتيتات الثورية التي كان يتبناها صدام حسين

*صدام حسين كان مؤمناً بضرورة قمع الرأي الآخر·· وجعل الشعب العراقي يمارس أفعالاً وممارسات ضد القوانين الوضعية والدينية

 

الحرب الإمبريالية

والحرب الوطنية

وهنا لابد أن نعود ثانية لصاحب الفضل التاريخي في الكشف عن جوهر الإمبريالية الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والشروط والامكانات التي تولدها الامبريالية لتثوير النشاط الشعبي وأقصد لينين : الزعيم البلشفي وأكبر منظر ماركسي ثوري لمناهضة الإمبريالية و حرب العصابات والمقاومة الشعبية:

  كان لينين ذا عقلية تنظيمية فريدة· قال في المؤتمر الثاني للكومترن عام 1920: إن الإمبريالية ستنهار حين يلتحم الهجوم الثوري للعمال المضطهدين والمستغلين في كل بلد، من خلال الهجوم الثوري الذي تشنه مئات الملايين من الشعوب التي لا تزال تقف إلى الآن خارج إطار التاريخ وظلت تعتبر مجرد هدف للتاريخ·  

وأعلن لينين شعار حق الأمم في تقرير مصيرها وبناء دولة قومية، بعد ثورة شباط 1917، واعتبر ذلك الشعار عاملا مهما، وقوة تعبوية حيوية، لها تأثير كبير في تحويل الثورة الديمقراطية التي نفذها (كيرنسكي) إلى ثورة اشتراكية·

 فكان هذا الشعار واحدا من السبل الاستراتيجية الرئيسية التي ساعدت على إزاحة حكومة كيرنسكي المنتخبة ديمقراطيا ووصول الحزب البلشفي إلى السلطة· بكلمة أخرى كان الشعار ليس اشتراكيا· بل تعبويا، لكسب تحالف الشعوب والقوى الوطنية التي تشترك معها البروليتاريا في مناهضة الإمبريالية· أي ربط لينين بين الحزب البروليتاري الذي يتولى قيادته من أجل الاشتراكية وبين المسألة القومية ومطلب الأمم في الاستقلال الذاتي· ومن الجدير بالذكر أن لينين رفض الاستقلال الثقافي القومي لهذه الشعوب، مبررا ذلك بأنه يقوي الروابط بين العمال والثقافة البرجوازية لأمتهم· 

وهذا يعني بأن كل ما يهم  لينين، هو إقامة  جبهة موحدة للنضال والثورة على النطاق العالمي، ومساندة أي نشاط ضد الإمبريالية في الشرق والغرب حتى لو كان على شكل احتجاج ديني· وقال بأن الاحتجاجات السياسية ذات المظهر الديني مألوفة لدى الأمم في مرحلة معينة من مراحل تطورها·

وقد أيد أيضا التحالف مع الجماعات الإقطاعية التي تحركها المشاعر المعادية للإمبريالية والبرجوازية المتوسطة، والبرجوازية الصغيرة في المدن من الحرفيين· وكذلك من  الفلاحين والطلاب والجنود، رابطا بين كل هذه النشاطات وبين نضال الطبقة العاملة في معاداة الإمبريالية·

فرسم لينين لوحة شاملة للجبهة الثورية العالمية والحركة التحررية في الشرق·

ولتحقيق هدف لينين شن الحزب البلشفي حملة واسعة لتحشيد الجماهير وفقا لخطة لينين التي وضعها من أجل التعجيل بالمرحلة الثانية من الثورة· وطالب فيها جميع الأقليات القومية بأن تندمج في منظمات بروليتارية مشتركة - سياسية ونقابية لخوض نضال ظافر ضد القومية البرجوازية (وهي حليفتهم في الثورة الديمقراطية !!) للوصول للسلطة وخوض النضال الظافر ضد الرأسمال الدولي  بمعنى آخر تحشيد الجماهير لقدر الديمقراطية تحت مسميات وصيغ ثورية أطلق عليها اسم : تطوير الثورة الديمقراطية -البرجوازية إلى ثورة اشتراكية!·   

وبذلك فإن فكرة إقامة الجبهات والتحالفات والموازنات الانتهازية والتي حقق من خلالها صدام  كل نجاحاته طيلة فترة وجوده في السلطة، هي ليست من بنات أفكاره· فهي استراتيجية وتكتيك لينين، 

ووفقا للمبدأ الأساسي في الديالكتيك الماركسي الذي يتلخص في كون جميع الحدود في الطبيعة وفي المجتمع هي اصطلاحية ومتحركة وأنه لا توجد ظاهرة من الظاهرات إلا ويمكنها إذا توفرت ظروف معينة أن تنقلب ضدها· فالحرب الوطنية يمكن أن تتحول إلى إمبريالية وبالعكس·

 وقد حلل لينين الثورة الفرنسية الكبرى وفق هذا المبدأ وقال: لقد بدأت الثورة الفرنسية بوصفها حروبا وطنية هدفها الدفاع عن الثورة العظمى ضد ائتلاف الملكيات المعادية للثورة· وحينما أنشا نابليون الامبراطورية الفرنسية واستعبد جملة من دول أوربا القومية الكبيرة المفعمة بالحيوية تحولت الحروب الوطنية الفرنسية إلى حروب إمبريالية أسفرت بدورها عن حروب وطنية تحررية ضد إمبريالية نابليون·   فاستغل صدام بمهارة فرصة الحصار وشكل جبهة قوية ضمن خطة شاملة وجزء لا يتجزأ من نظرية المواجهة الإمبريالية التي أعدها لينين كما ذكرت أعلاه وفق تكتيكات حرب العصابات والمقاومة الشعبية· وانضمت إليه كل القوى الثورية والقوى التي لها خصومة وعداوة للولايات المتحدة وبريطانيا، لتشارك شقيقها الثوري في كفاحه ونضاله ضد معسكر الطغيان العالمي؟!

 وبعبارة أخرى فإن تأجيل الحرب مع صدام لمدة 13 عاما جعل صدام يولد ظروفا من خلال حملة التحشيد الإيمانية الجهادية لتثوير مئات الملايين من الشعوب التي تقف استنادا للفرضيات الماركسية اللينينية خارج إطار التاريخ ليجعلها تناضل معه في جبهة الثوار والمجاهدين ونصرة المظلومين، مما جعل قادة واشنطن ولندن يحاربون صدام، ليس في العراق فحسب، بل على الصعيد العالمي، حسب ما يعلن الأخير متفاخراً في وسائل الإعلام!؟

الأهداف التعبوية التكتيكية (المشار اليها أعلاه) التي يعتمدها صدام وأركان نظامه، كحرب الشوارع والمقاومة الشعبية المسلحة والحرب الأهلية،  هي من أدبيات وأليات الماركسية التقليدية، تعود أصولها لتنظيرات الفلسفة المادية الألمانية، التي حصل عليها صدام من عفلق الأب الروحي للبعث·

 

تكتيكات المقاومة الشعبية

وحرب العصابات

أولت الماركسية اهتماما خاصا بحروب العصابات وحروب التحرير، انطلاقا من فهمها للظواهر والتناقضات الاجتماعية والاقتصادية ومن خلال بحثها عن أساليب تجنيد الطاقات الثورية في المجتمع بدعوى تحقيق أهداف الطبقات المضطهدة، سأذكر أدناه توصيات وتقنيات التكتيكات الثورية التي يتبناها صدام، على لسان ماركس وأنجلز، مع تحذيرهما، بأن إهمال هذه التوصيات يؤدي الى تدمير القائمين بها: 

1 - لا تحاول أبدا القيام بعصيان مسلح الا اذا كنت مستعدا تماما لمواجهة عواقب محاولتك فالقوى التي تواجهك متفوقة عليك بتنظيمها وانضباطها وتسلطها· وإذا لم يكن لديك القوة فسوف تنهزم وتتحطم·

2 - على الثائر أن يظهر تصميما عظيما·

4 - على الثائر أن يتخذ جانب الهجوم لأن الدفاع هو موت كل ثورة أو انتفاضة مسلحة·

5 - أن ينشر الازدراء من الموت·

6 - على الثوار مفاجأة أعدائهم عندما تكون قواتهم مبعثرة وعليهم تحقيق انتصارات جديدة ويومية مهما كانت صغيرة·

7 - المحافظة على تصاعد معنوياتهم التي أعطتهم إياها أول انتفاضة ناجحة·

8 - استقطاب العناصر التي تقف الى جانب القوي والذين يتخذون الجانب الأكثر إمانا·

9 - إجبار الأعداء على التراجع قبل أن يستطيعوا تجميع قواتهم·  

10 - تنظيم الجماهير للانقضاض على العدو بأقصى طاقة وأن تكون مهمتهم الإبادة التي لا ترحم فيصبح التنظيم متحركا ومرنا وسوف يجر العناصر المترددة من الجنود الى المشاركة في هذا الصراع الخطير· ويجب على قطاعات حزب البروليتاريا الواعية طبقيا أن تقوم بواجبها إلى أقصى مدى· (نقلت من كتاب الماركسية وحرب العصابات، تأليف مجموعة من المفكرين الماركسيين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر)·

تظهر هذه التوصيات  التزام صدام الدقيق بتنفيذ هذه التوصيات في كل صراعاته رغم تبدل طبيعة أشكال الصراع، وأنه يعيد كل انتصاراته في كل المرات الى جهوده  وموقفه اليقظ في تنفيذ هذه التوصيات التي  تحتاج (حسب قوله) الى الموازنه بين نمو وعي الجماهير وتطور حركة التاريخ، واشتداد حدة الأزمة الاقتصادية والسياسية، أي وفقاً للتكتيكات الثورية التي كتب عنها الماركسي الأيرلندي جيمس كونوللي في جريدة جمهورية العمال في صيف عام 1915، محللاً الانتفاضات في المدن من 1830 وحتى 1950، واستنتج أن التجربة الروسية عام 1905، نجحت في إثبات حقيقة أنه حتى في الظروف الحديثة لا يمكن للجندي النظامي أن ينتصر في المدن على مدنيين ثوريين مصممين على القتال·

وقال إنه في أثناء  ثورة باريس في حزيران 1848،  كان الثوار في المنازل المحصنة يضعون العراقيل في وجه عمليات القوات النظامية وقد استطاعت قرية محصنة بشكل جيد أن تصد هجمات الحلفاء في أثناء هجومهم على باريس في حربهم ضد نابليون·

وتجدر الإشارة أيضا الى تقييم  كاوتسكي في كتابه الشهير (الثورة الاجتماعية) حول تجارب الكفاح الشعبي المسلح من وجهة نظر المادية الديالكتيكية حيث يقول بأنه من المناسب ومن الضروري للماركسي، ان يقيم الجانب الفني من الصراع· (وهو ما يتقنه صدام)  ويعني أن يقيم الصراع كنضال لقوى اجتماعية حية، واقعة في ظروف موضوعية معينة تتصرف بطريقة معينة وتطبق بنجاح متفاوت أشكالا معينة من النضال· ويقول بأن الإقرار بشكل محدد من النضال مع عدم الاقرار بضرورة دراسة الناحية الفنية في هذا النضال هو مثل إدراك ضرورة المشاركة في انتخابات معينة بينما يجري تجاهل القانون الذي يعلن أسلوب الانتخابات· (نقل النص من كتاب الماركسية وحرب العصابات ، تأليف مجموعة من المفكرين الماركسيين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر)·  

واستلهاماً من هذا -الاعتقاد المقدس-  الذي مازال يتواصل في فكر صدام فقد أعطى توجيهاته لقادته العسكريين في نضالهم ضد المغول الجدد وقال:

"·· إننا نعلم بأنهم متفوقون في الجو وهذا أمر مؤكد وسبق أن استخدموا تفوقهم الجوي علينا ودمروا جسوراً ومصانع ·· لكننا أعدنا أعمارها بعد الاتكال على الله، وبسبب هذه الروح إذ لو كان الزمن  غير هذا الزمن لما أعاد العراقيون إعمار ما دمر كما فعلوا، ولكن بسبب شعورهم بان فرصتهم التاريخية نضجت ·· فعليهم أن يتشبثوا بها ليعبروا عن حق كل الأجيال التي ماتت بسبب الجوع والمرض والاحتلالات السابقة والضياع والتخلف ·· بالتمسك بها لكي لا تفوتهم الفرصة التاريخية ويناموا ميتين أو شبه ميتين وليسوا أحياء لمئات السنين القادمة الأخرى"·

وفق ما جاء أعلاه·· فإن صدام يراهن حتى اللحظة الأخيرة على الديناميكية الثورية في الصراع، والنزعة القدرية والأحكام المسبقة، والتعصب القومي لحد الشوفينية والعقلية الانتقامية· فهو لم يتخل عن حماسه لروح النصر·· وعزف نشيد أمجاد الأمة وهو يجلس في منتجعه الأسطوري، تحيطه الحراسة المشددة·· فيزرع أشجار الحرية ويتوعد بينه وبين نفسه المستبدين الأمريكان والإنكليز وأذنابهم بالويل والدمار!

أوهام النصر

عند إزالة طقوس أعراس النصر في العراق التي جعلت الشعب العراقي مقادا كليا من قبل اللاوعي، سيعود المجتمع العراقي بالضرورة إلى استخدام العقل· السبب في ذلك بسيط لأن الاحتفالات والطقوس الجماهيرية والتي يركز عليها حزب البعث (وكل الأحزاب والأنظمة الثورية) تجعل وقوع أعمال وأفعال المجتمع بجميع فئاته تحت تأثير النخاع الشوكي وليس تحت تأثير المخ· وبذلك يتراجع المجتمع إلى الحالة الطبيعية البدائية قبل فجر الحضارة· وإلا كيف يفسر قيام الزوجة في المجتمع البعثي بالتجسس على زوجها أو يقوم الأب بقتل ولده أو استخدام الأطفال  واستغلال براءتهم لنقل المعلومات عن ذويهم· ويلتمس البعث لمثل هذه الممارسات سندا وطنيا بأنه دفاع عن الوطن والثورة·

لقد قبل الشعب العراقي ومارس هذه الأفعال رغم أنها أمور مخالفة بشكل صارخ لكل القوانين الوضعية والدينية التي ترفض قبول شهادة الأقارب حفظا على كيان الأسرة التي دونها يتهدم المجتمع بالدمار· وهذا دليل مادي واضح من أنه خاضع لعقيدة تمنعه استخدام العقل أما نتيجة القمع والإبادة والتهجير أو الإفساد الاجتماعي والاقتصادي والفكري ·

لذلك نجد المجتمعات التي تخضع لمثل هذا النوع من الحكم تتآكل وتنهار فجأة بمجرد إزالة "ماكينة" النظام السياسي التي تدير سياسة العنف، من ناحية والوحدة الوهمية لعناصر وفئات المجتمع من ناحية أخرى· وهذا ما حدث بعد انهيار المعسكر الاشتراكي السابق·

 أما تبرير نظرية تآمر الامبريالية فهو السند الإيدولوجي لتبرير فشل خطط هذا النوع من الحكم في إدارة المجتمعات التي تتحكم في المجتمع وتهيمن عليه بدل إصلاحه وبنائه· والتحليل التالي يبرهن صحة محاججتنا:

يعتقد أصحاب هذا  الاتجاه، بوجوب التحكم في عملية التغيير وحركة تطور المجتمع  تحكماً شاملاً· وعدم إهمال أي جانب من جوانب الحياة الاجتماعية  وهذا يعني  وضع شرط عدم السماح  بتدخل المجتمع  في سياسة النظام السياسي·   لذلك لم يسمح أصحاب هذا الاتجاه برأي مخالف، ولا أي نقد، المبرر الإديولوجي الذي يوضع لذلك هو:

1 - إفشال خطط العدو المتربص، وإعاقة مؤامرات الأعداء الإمبرياليين وعملائهم  الذين يرغبون بإيقاف حركة التغيير والإصلاح··· ومنع تحقيق حلم الأمة الموعود وهو النهضة والوحدة· وهذا يعني  وضع شرط مسبق لتصفية الأعداء  قبل تحقيق الإصلاح أو بكلام آخر استمرار الحرب  مع الاعداء في الداخل والخارج لحين تحقق الحلم الموعود !

2 - وهذا يستوجب بالضرورة عدم السماح بالرأي الآخر لمنع البلبلة والفتنة التي تؤدي إلى تفرقة الأمة·

3 - لذلك لا بد من الاعتقاد بأن غايتهم أخلاقية لخدمة المجتمع وعموم الإنسانية·

4 - استنادا لذلك فالدعوى الأساسية لهذة الأنظمة الاعتقاد بالمصير التاريخي وبأن أهدافهم قد تم اكتشافها بطريقة عقلية علمية· فيزعمون بأن الإصلاح الذي يصممونه للمجتمع أمر حتمي لا مفر منه·· لأنهم وضعوه وفق خطط علمية ووجدوا لها قوانين مثل القوانين الطبيعية (كالجاذبية مثلاً) والتي لا بد أن نخضع لها شئنا أم أبينا!!  

استناداً لهذه الحجج   فإن أصحاب هذا الاتجاه يرفضون الاعتراف·· بصعوبة تعيين الآثار المترتبة على العامل البشري، مما جعل هذا النوع من الأنظمة،   تتحكم بالعامل البشري بواسطة النظم التي  تنشئها  لتجبر الإنسان على الانسجام مع هذه النظم!  فيتحول نطاق برنامجها الإصلاحي، من إصلاح النظم والمؤسسات،  التي يفترض صياغتها لتنسجم مع متطلبات العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان·· الى تغيير الإنسان نفسه!  أي يتحول البرنامج الإصلاحي بدلاً من أن يحقق رغبة الحكومة  في بناء وتنمية الإنسان··  يصبح البرنامج تغير طبيعة الإنسان وإعادة تشكيله من جديد حتى ليتلاءم مع خطة  الحكومة ·· ومن لم يعجبه العيش وفق برنامج الحكومة والمجتمع الجديد يصبح  مواطناً غير صالح·· فأما يطرد من المجتمع الجديد ويرمى على الحدود أو يباد بأسلحة الدمار الشامل!!؟ أما المواطن الصالح فهو الذي ينسجم مع رغبة الحكومة· 

ولأهمية ذلك لابد أن نذكر بشيء من التفصيل عن مفهوم  الحكومة أو السلطة السياسية في العالم  العربي والإسلامي، لأن الحرب الحالية توصف بأنها ضد العالم العربي والإسلامي بشكل خاص:

في دراسته عن مفهوم الدولة، يقول الباحث عبد الله العروي إن الدولة في العالم العربي ما زالت نسخة باهتة للدولة السلطانية· فوفق المصطلح السياسي العربي التقليدي فالدولة  تعني السلطة السياسية سواء كان جمهوريا أو ملكيا، وليس الكيان الجغرافي والبشري الذي تحكمه الفئة السياسية سواء كان فردا او مجموعة· ولذلك جذور في التاريخ السياسي لأمم هذه المنطقة·

فقد أجمع الفقهاء والفلاسفة والمؤرخون المسلمون، بأن الحكم في الإسلام ابتدأ خلافة ثم أصبح فيما بعد مُلْكاً وسلطنة لعصبة حاكمة ممثلة في شخص السلطان· فانحدرت الشريعة الى مجرد قواعد تخدم مصلحة الحاكم وطلاء خارجي لتحقيق أهداف سياسية·  وتحولت الدولة وخزينة الدولة والبيروقراطية والجيش والرعية الى مجرد ملك بحت ، يتصرف به الحاكم كما يشاء·  فازداد الحكم تعسفا جيلا بعد جيل مما جعل الفقهاء يعتبرون إعادة الخلافة بمثابة المعجزة· فنتج عن ذلك اليأس في إصلاح الدولة· وأدى الواقع المعاش وتدهور أحوال المسلمين الى  انعزال بعض الفقهاء وتصوفهم كما فعل الإمام الغزالي·

 فآثر الفقهاء المسلمون الاعتزال في سبيل النجاة لتزكية النفس وتنمية المواهب· وأصبحوا لا يعبرون عن سياسة فعلية بقدر ما يعبرون عن دعوة اخلاقية يخاطبون بها وجدان وعقل الفرد المسلم المنعزل عن الدولة القائمة التي أهملته وابتعدت عن غاية الإسلام وقصد الشريعة· ودفع ذلك الفرد المسلم الى عدم الاهتمام بالدولة القائمة وإصلاحها وإنقاذها الى أن سرى بها الضعف والوهن·

 وحول الضعف الذي أصاب الدولة والأمة الإسلامية قال ابن خلدون في (مقدمته): إن الضعف إذا نزل بدولة لا يرتفع·

والمحددات التي  حللها ابن خلدون  وهو يستعرض الأسباب الحقيقية لظاهرة الضعف، التي أدت إلى تخلف الحضارة الإسلامية وانحطاطها، تعود لأمور تتعلق  بتأسيس الدولة العربية الإسلامية التي لم تعرف مؤسسات سياسية·  فالدولة لم تكن سوى عصبيات قبلية حاكمة·  اعتمدت على دور  العصبية والقرابة والدعوة الدينية· واستنتج ابن خلدون: بأن الأوطان كثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة· وعلل سبب ذلك: لاختلاف الآراء والمذاهب والأهواء· وأن وراء كل رأي وهوى: عصبية تمانع دونها، فيكثر الانتقاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت، وإن كانت ذات عصبية، لأن كل عصبية ممن تحت يدها تظن في نفسها منعة وقوة·

وإن هذا التقيم لابن خلدون، وهو من أبرز المفكرين الذين أنجبتهم الأمة وفقيه وقاض للمذهب المالكي، يمثل الواقع الحقيقي للأمة· فهو خالٍ من المجاملة، وبعيد عن العاطفة، لأن هدفه التعرف على العلل الحقيقية التي كان يحياها المجتمع العربي في الفترة التي عاشها (القرن الرابع عشر) والتي  شهدت انقراض السيادة العربية على الأندلس وأفول نجمها في غرناطة· ففرق بين هدف الشريعة والدين الذي كان الخير العام والصالح المشترك وبين أساليب السياسة حسب ما طبقها الخلفاء البعيدة عن مقصد الشريعة وهي الحقيقة التي يخفيها كل حاكم منذ أن أصبحت الخلافة ملكا وليومنا هذا· وهو الدليل المادي الذي يدين جميع  أنظمتنا العربية والإسلامية قياسا للنظام الليبرالي الديمقراطي الذي يبرهن بأنه أكثر قربا من مقصد الشريعة الإسلامية·   

وقد أدت هذه الحالة، إلى قلة تقيد الحكام والمحكومين بقواعد الدولة· وبالتالي حال دون تبلور كيان سياسي عربي بصفة دائمة في مؤسسة دولية ثابتة مستقرة في التاريخ العربي· نتيجة التعددية الصراعية غير المنضبطة في الجسم السياسي والمجتمعي العربي من جهة، ومثل الإسلام الأعلى الذي يؤكد على وحدة الأمة من جهة أخرى· 

وأدت هذه الجدلية المتوترة بين الخيال "التوحيدي" والواقع "المتعدد" دون حسم نهائي لصالح أي منهما، إلى أن أصبحت الدولة حسب مقولة الباحث محمد جابر الأنصاري في دراسته حول التأزم السياسي عند العرب، تعيش في حالة تخلخل مستمر بين نشوء دولة ثم تحللها· فكل دولة جديدة تتكون من عصبة جديدة تشرع بهدم السلطة القديمة من الأساس وتبدي من جديد·· وهكذا دواليك· فحالة النشوء والتحلل المستمرة من خلال التهديم والبناء، لم يسمح لأي حضارة بالتجذر، ولم تحصل مرتكزات للدولة· ومن الجدير بالذكر بأنه ما زالت توجد أصوات عراقية تطالب باتباع هذا الأسلوب التقليدي نفسه في الهدم والبناء من جديد من نقطة الصفر بعد تغير نظام صدام !؟

لذلك نجد دائما التركيز ومركز الثقل لدى المسلمين هو الأمة، ولم تذكر أي إشارة الى المجتمع السياسي، لأن الأخير غير موجود، وهذا يعبر عن تجاوز ولاء الفــرد للدولة، حيث لا يجمع المسلمون ســـوى الروابط الثقافية·

وهذا يعني بأن المحددات التي حللها ابن خلدون أي عوامل الضعف والوهن ما زالت قائمة ليومنا هذا في واقعنا السياسي المعاصر·

لذا فإن قوة حكومة صدام التي تظهر حاليا مقاومة غير متوقعة باعتراف المراقبين والمحللين العرب والأجانب،  هي قوة أجهزة صدام الأمنية، وليست قوة الدولة من حيث هي كيان عام مؤسساتي ولا تمثل قوة للعراق ككيان جغرافي وشعب·

وأن أي تجاوز لهذا التميز يسقطنا في الخلط واللبس وهو ما يفعله صدام حاليا في وسائل الإعلام،  للخلط بين تغير نظام صدام  الذي أصبح يمثل خطرا استراتيجيا -وهو كذلك بالفعل - وبين دولة العراق· ومن الجدير بالذكر أن صدام لم  ينجح من تحقيق هذا الهدف إلا بعد تحويل هدف الحرب لعام 1991 التي كانت حربا عدوانية نتيجة غزو الكويت· إلى حرب وطنية ضد الإمبريالية !؟

 

نتيجة التحليل

ربما يشعر القارىء بأن ما جاء أعلاه هو دفاع عن الإمبريالية·· في حين أنني أعتزم تحليل - وبشكل واضح ومقنع - دعاوى نظام صدام والأنظمة والقوى السياسية التي تستخدم نهجه (وبشكل خاص النهج الثوري في الحكم) لأوضح أن ميول هذه الأنظمة والقوى نحو خدمة المجتمع وبنائه وتقدمه وتعزيز وحدته الوطنية لا يصمد أمام النتائج التي حصل عليها المجتمع طـــــيلة فترة وجــود هذه الأنظمة في الحكم منذ أكثر من نصف عقد·

وبعد أحداث 11 سبتمبر شعرت الدول الديمقراطية المتقدمة بالعالم بأنها إذا أرادت المحافظة على حضارتها ونظامها الديمقراطي وحماية أمنها القومي لا بد أن يشمل ذلك دول  الأطراف على حد تعبير سمير أمين بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة·  وهذا يحتاج بالضرورة أن تجفف بؤر الظلم في العالم، والعراق من الدول التي تعرض شعبها للظلم والإبادة الجماعية بشكل متكرر تاريخياً·· لظروفه الجيبوبوليتيكية·

 وهذا الهدف لا يتم حتماً دون إقامة دولة القانون والمؤسسات وفصل السلطة السياسية عن باقي السلطات لمنع النخبة الحاكمة الجديدة من استخدام آلة الدولة والتحكم بالمجتمع واضطهاده من جديد·· لسبب بسيط  لأن  السلطة مفسدة·· ومن الصعب السيطرة على العنصر الحيواني في الإنسان··!؟

(انتهى)

ü باحثة في الفكر الثوري

جمعية الحقوقيين العراقيين

طباعة