رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 17جمادى الآخر 1424هـ-16 اغسطس 2003
العدد 1590

المثقفون والانحطاط السياسي

                      

 

عزمي بشارة 

 

*بلداننا العربية تمر بحالة من البؤس الثقافي والسياسي لا تستحق التعليق

*إسرائيل تريد أن نقف على قاعدة الثقافة السياسية الصهيونية في صراعنا معها

*الانقسام حول نظام صدام حسين غير مبرر فهو نظام دكتاتوري وضد حقوق الإنسان

 

لم ينقسم المثقفون العرب بشكل عام إلى معسكرين رئيسيين إبان حرب الخليج الأخيرة بغض النظر عن موقف تأييد أو عدم تأييد الحرب علناً· فالموقف من الحرب لم يعكس دائما انقساماً ثقافياً أو فكرياً حقيقياً بقدر ما عكس شكل طرح الموقف علناً في أوساط شعبية معادية للعدوان واللياقة السياسية، وصعوبة تأييد عدوان أجنبي ضد العرب عارضته غالبية أوروبا وعارضته رسمياً الدول العربية المؤيدة له فعلياً· والتصريح علنا بغير الموقف الذي يؤمن به المثقف هو تعبير عن ثقافة سياسية معينة جدا تخشى الديماغوغيا وتخشى سالبي الثقافة الجماهيرية ولا تستسيغ النقد العلني إلا إذا كان النقد موجها نحو الخارج· وفي صفوف المعارضين لفظاً كان هنالك مؤيدون للعدوان فعلاً· وحتى لو قررنا أن نتجاوز العلنية الى المواقف الفعلية، فقد نتوصل الى وجود معسكرين فعليين ضد أو مع الحرب على العراق بغض النظر عما يجاهرون به علناً·

ورغم قرب هذا الانقسام الفعلي من واقع المواقف لا لفظها إلا أنه لا يعبر بشكل كامل عن النقاش الثقافي السياسي الحقيقي الدائر على الساحة العربية· فهو، على سبيل المثال لا الحصر، قد يقسم المواقف، والأدق أن نقول الدوافع، بمعيار "حب وكره" الولايات المتحدة· في حين علينا أن نبحث عن انقسام قيمي تتوزع بموجبه المواقف من مسائل مطروحة في المجتمع العربي أو المجتمعات العربية، أو عن انقسام حول تحكيم العقل، أو انقسام حول سبل إدارة المجتمع الحديث والسياسات الوطنية وعلاقتها بالبعد القومي، وتحقيق المساواة أمام القانون والرفاه الاجتماعي، ثم العلاقة بين هذا كله وبين سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة وتحالفاتها القائمة في البلد المعني·

فهل يصح الموقف من نظام صدام حسين أساساً لهذا الانقسام؟ هل يدور الخلاف حول الموقف من نظام صدام حسين؟ من الصعب أن نعثر بين مؤيدي نظام صدام حسين على من يؤيد الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية كقيم، أو ينحاز للمنهج العقلي في رؤية وتنظيم المجتمع· وإذا كان من بين مؤيدي هذا النظام من يضمر في قلبه مثل هذه الأفكار فإن تأييده لنظام صدام يسخف ما يضمر· فإضافة الى الديمقراطيين قد نجد من بين معارضي النظام من يؤيدون أنماطاً أخرى من الدكتاتورية، كما قد نعثر بسهولة على معارضين للنظام بسبب علمانيته لا بسبب ديكتاتوريته، أو من منطلق تحزبهم أو تقديمهم خدمات لقوى إقليمية أخرى وغير ذلك· لا يعكس الانقسام حول الموقف من نظام صدام حسين الانقسام الفعلي القائم في الثقافة العربية، مثلما لا يعكسه الموقف من الحرب بشكل عام· ولا يمكننا القول إن معارضة نظام صدام حسين نبعت من موقف ديمقراطي عموماً، كما لا يمكننا القول إن معارضة الحرب ضد نظام صدام حسين كانت معادية للديمقراطية ولقضية الديمقراطية في المجتمع العربي عموماً· ولكن هذا لم يعف، ولا يعفي أي مثقف ديمقراطي أو مدعٍ للديمقراطية أو حتى للتنور من اتخاذ موقف ضد هذا النظام، تماماً كما أن وجود معارضين للعدوان مؤيدين له فعلاً، ووجود معارضين للعدوان لأسباب غير مقبولة مثل التضامن مع النظام ذاته لا يعفي المثقف الوطني من اتخاذ موقف ضد العدوان·

وعلى كل حال يسأل السؤال؟ هل الموقف من الديمقراطية هو معيار الانقسام بين المثقفين على الساحة العربية الثقافية؟ هنالك قوى تطالب بالديمقراطية من أجل أن تسنح لها الفرصة للمشاركة في الانتخابات أو كأداة لمحاصرة النظام القائم دوليا دون أن تكون هذه القوى ذاتها ديمقراطية أو ملتزمة بقيم ديمقراطية· إنها لا ترى من الديمقراطية إلا عملية تداول السلطة ولو لمرة واحدة على الأقل· ولكنها لا ترى أن قضايا مثل حكم القانون وحقوق المواطن بالحد الأدنى لا بد أن تسبق عملية تداول السلطة لكي تكون الأغلبية قد تعودت على احترامها وتوقعها من أي سلطة قادمة، ولكي تحترمها في عملية التبادل الاجتماعي القائمة· فقط مع أخذ القيم الديمقراطية بعين الاعتبار تصلح قضية الديمقراطية لتكون أحد المعايير لانقسام ثقافي فعلي على الساحة العربية· فقد نضج هذا الموضوع ليصبح قضية ثقافية من الدرجة الأولى، وتزول بالتدريج العوائق والأوهام التي منعته من أن يتبوأ هذه المكانة، إذا يتناقص عدد المثقفين المتنورين والأصيلين في إنتاجهم الثقافي الذين يأملون خيرا من سياسة غير ديمقراطية·

ليست المواقف المعلنة الآنية بالنص الحرفي من قضايا هي المعيار، فهل المقياس هو المواقف؟ وكيف تشخص المواقف المضمرة؟ لا جدوى من البحث في النوايا والقلوب أو افتراضها· والموقف المعلن هو عموما أكثر أهمية من غير المعلن· ولكنه وحده كمجموعة كلمات وألفاظ وتعابير مهما كانت متماسكة منطقيا لا يعني الكثير· المقياس هو الموقف المعلن في سياق اجتماعي سياسي محدد ومدى انسجامه مع مواقف صاحبه الأخرى، ومدى انسجامه مع الممارسة السياسية·

ولا أدري إذا كان الاختلاف القائم فعلاً في الثقافة السياسية العربية هو تعبير عن انقسام بين معسكرين أو ثقافتين أو أكثر، هذا إذا استخدمت قضية بعينها كمعيار للانقسام، أي إذا استخدمت الديمقراطية مثلا كمعيار لاختيار توزيع المواقف حولها· ولكن لا شك أن قضية الديمقراطية تصلح لتوزيع المواقف الثقافية بنجاعة أكبر من قضايا تبدو ثقافية محضة مثل قضية التطبيع مع إسرائيل· فالأخيرة رغم أهميتها تطمس الفوارق بين المواقف الثقافية وتجمع حول معارضتها مواقف متبانية من جميع القضايا العقلية والأخلاقية التي تشغل الثقافة السياسية العربية في المرحلة الراهنة· الموقف ضد التطبيع مع الثقافة الصهيونية هو موقف سليم برأي كاتب هذه المقالة، ولكنه لا يكفي لتبرئة ذمة أحد، لأنه قد يتحول إلى "الملجأ الأخير للنذل"، أي قد يتحول إلى مانح شرعية لأصحاب مواقف نذلة في كل ما عدا التطبيع من قضايا بما في ذلك التواطؤ مع سلطة ضد زملائهم المثقفين أو تحريض سلطة غير ديمقراطية عليهم·

ومن الجانب الآخر من المتراس رمى مؤخرا في وجهنا كاتب كلمة العدد في "يديعوت أحرونوت" قفازة مدعياً أن العقبة الحالية أمام السلام هو موقف أولئك المثقفين العرب الرافضين لاعتبار اليهود شعباً له حق على الأرض في دولة، أولئك الذين يتمسكون باعتبار الصهيونية حركة كولونيالية· ومن الطبيعي أن نرفض مثل هذا التحدي· فتحدي سيفر بلوتسكر اللبرالي في "يديعوت أحرونوت" هو وجه المرآة الآخر للمثقفين العرب الذين يختزلون كل شيء بدورهم إلى الموقف من التطبيع مع إسرائيل، ولا يهتمون بأي قضية لا تترجم الى: مع التطبيع أو ضد التطبيع·

ألا توجد شرعية لاتخاذ موقف أخلاقي وعقلاني ضد الصهيونية؟ بل يوجد أساس عقلاني وأخلاقي لموقف ديمقراطي معاد للصهيونية· ما ترغب به إسرائيل هو أن نقف على قاعدة الثقافة السياسية الصهيونية في كل ما يتعلق بالصراع وتاريخ الصراع كامتحان لتنورنا وديمقراطيتنا لأن هذه الثقافة السياسية تؤثر تأثيراً مباشراً على الصراع والمفاوضات· وبالإمكان الاحتفاظ بالموقف المعادي للصهيونية ثقافياً دون عداء لليهود ولا للتعايش معهم، بالإمكان تبني موقف عداء معلن للمواقف العنصرية ضد اليهود مع الاحتفاظ بالموقف العقلاني والمنحاز للعقلانية ثقافياً وللموقف الأخلاقي المؤيد للعدالة والرافض للمساواة بين المحتل والواقع تحت الاحتلال· إن المساواة بينهما ليست تعبيرا عن تنور بقدر ماهي تعبير عن عجز يرافقه انحطاط ثقافي وسياسي يؤدلجه·

وأخيرا، تدهورت مواقف بعض المثقفين الراديكاليين العرب الى سياسات الهوية المحضة في معرض تعبئتها الرأي العام ضد السياسة الأمريكية والغربية والصليبية والصهيونية بصياغة تتضمن قبولا علنيا أو ضمنيا لمبدأ صراع الحضارات، وهو آخر تجليات العنصرية المتسوقة بين نظرية تعتمد البيولوجيا والفيزيولوجيا ونظرية تعتمد النسبية الثقافية ونظرية الحضارات والعلوم السياسية· وتسهل هذه المواقف تعبئة الجماهير ضد عدو خارجي وترهن الصراع ضد أي ظلم وضد أي خصم داخلي بإمكانية إثبات العلاقة بينه وبين الخارج أو اختلاق رابط معه ليتحول الخصم الداخلي إلى مجرد امتداد للصراع الخارجي ( هذا رغم وجود عملاء فعلا ليست هنالك حاجة لاختلاق روابط مع الخارج بشأنهم)، وليصبح الصراع الداخلي أيضاً مجرد صراع بين وطنيين وعملاء، وقد طمست هذه الثقافة الصراعات الحقيقية في المجتمع العربي حول العدالة الاجتماعية وحول المساواة وحقوق المواطن، وأخضعت جميع الصراعات الأخرى للصراع مع عدو خارجي مما أدى إلى الاستهانة بقضايا الشعوب العربية الحقيقية مثل قضية الشعب العراقي مع نظام صدام حسين والنخب المتحالفة معه أو الخاضعة له· لقد كانت سياسات الهوية "ضد الخارج"، وتحديد الهوية سلبيا من خلال النفي، هي الملاذ الأخير لبعض القوى القومية والإسلامية التي ليس لديها مشروع سياسي وطني، ولا تحاول تطوير برنامج سياسي·

تصح سياسات الهوية في حالات محددة جداً يتم فيها تحديد هوية أقلية بفعل سياسة منهجية وحتى هناً أيضاً يحتم الموقف الديمقراطي وضع حدود هذه السياسات لكي لا يقمع باسمها كل تناقض داخلي ولكي لا تتحول إلى سلم تسلق لقيادات تدعي الحديث باسم "جماعة الهوية" لتحصل على مكاسب لنفسها كمن يتحدث باسم الهوية· ومن هنا كان غرام هذه الثقافة بالرمزية وعشقها للتمثيل الرمزي وصناعة الرموز فبذلك تحتكر ملكية وسائل إنتاج الهوية كرأسمال يستثمر لتحقيق أرباح لصالح تقدمها هي·

هذا التدهور إلى سياسات الهوية لا يمكِّن من مواجهة السياسات الأمريكية أيضاً لأنه يتعامل معها بشكل يمنع التمييز بين السياسة والمصالح القابعة خلفها وبين واحدة على الأقل من هويات أصحابها المفترضة، ويحول إضافة الى ذلك دون مخاطبة تناقضات قائمة في المجتمع الأمريكي وفي المجتمعات الغربية عموماً، فخطاب الهوية يوحد هذه المجتمعات خلف السياسات الرسمية، عبر جمعها في هوية واحدة·

طرحت هذه الثقافة السياسية ذاتها بحدة إبان الحرب الأخيرة على العراق ولم تميز بين العمالة لأمريكا وبين جذور وجود معارضة وطنية حقيقية في العراق، كما لم تبذل جهداً للتمييز العلني بين الحقيقة والوهم، وبين الواقع والتمني فيما يتعلق بظروف النظام العراقي وقدرته على الصمود بعد ثلاثة عشر عاماً من الحصار، وفي ظل تخليها المقصود عن أي أدوات للتحليل الاجتماعي والسياسي العقلي إلا نظريات المؤامرة المختلفة والتعلق بحبال الهواء التي رماها الصحاف في هواء البث المباشر· ولم تبق بعد الصدمة إلا مجموعة ضباط تتهمهم بالخيانة لتفسر خيبتها·

بموازاة هذه النزعة ارتفعت أصوات معارضة لهذا التيار تستغل انهيار النظام العراقي، وكأن أحد توقع أمراً آخر، من أجل خلط الحابل بالنابل كإثبات لخطأ مواقف لا علاقة لها بالنظام العراقي· خذ مثلاً اعتبار عروبة العراق مشكلة، أو أن القومية العربية مشكلة· والتحذير حتى من محاولة الجمع بين القومية والديمقراطية باعتباره محاولة تبشيرية وعظية، أو اعتبار الانتصار الأمريكي ضد النظام العراقي انتصاراً للمواقف الأمريكية وفرصة للتباهي بالتحالف مع الولايات المتحدة ومواقفها في المنطقة·

ونحن لا نتكلم عن شماتة أنظمة غير ديمقراطية متحالفة مع أمريكا بأنظمة غير ديمقراطية وغير متحالفة مع أمريكا أو شماتة أنظمة بالحركات الشعبية ومظاهراتها، فهذه حالة من البؤس الثقافي والسياسي لا تستحق التعليق لا هي ولا مثقفيها الذين تنقسم وظيفة ألسنتهم بين الثرثرة ولعق المؤخرات، وبين المنافحة الجوفاء التي تنضح بما فيها فراغا، والتملق الذي ينضح بغير ما فيه· إنما نتحدث عن حالة ثقافية تلتقي فيها مجموعة منطلقات واقعية أو مصلحية أو براغماتية أو متنورة وديموقراطية فعلاً، ولكن لا يوجد لها تنظيم سياسي حقيقي ولا تمثل تياراً يطرح نفسه كبديل سياسي· وهي بالمجمل تعبر عن اشمئزاز من أوضاع الأنظمة العربية ولكنها متصالحة أو متعايشة معها بشكل عام وتحاول أن تقنع الولايات المتحدة أن تتخذ موقفاً أكثر نقدية تجاه الأنظمة وذلك عبر بعض الحوارات التي يقوم بها مع الأمريكان صحافيون ومنظمات غير حكومية ورجال أعمال متنورون· يعتبر ممثلو هذه الثقافة السياسية كل هزيمة عربية برهاناً على صدق مقولاتهم بشكل يذكر، وهم على الجانب الآخر من المتراس كما يعتقدون، بصلاة أحد قادة الإخوان المسلمين في السجن حمداً على هزيمة نظام عبد الناصر أمام إسرائيل· ولا يصعب إثبات العلاقة بين ما ينتقدونه لدى الأنظمة وبين الهزائم نظرياً· فبعد انتقاء مواضيع النقد يصبحون نظريا على حق· ولكن عملياً لا علاقة بين الهزيمة وبين أهدافهم وممارساتهم السياسية، أولاً: لأنهم لم يشاركوا في إلحاق الهزيمة بالنظام العراقي مثلاً، وثانياً: لأن لا أحد شاركهم في وضع أهداف الحملة على العراق، وثالثاً لأنه ليس لديهم مشروع سياسي أو أهداف سياسية مصاغة أصلاً·

وبإمكانهم فقط أن يستخدموا الهزيمة بأثر رجعي للترويج بشكل علني لمقولات مثل: لا جدوى من الاختلاف مع أمريكا ويجب البحث عن طرق للتفاهم معها، وهؤلاء لا يدعون للحوار الجدي مع الولايات المتحدة كدولة وكمجتمع، وهذا مطلوب، وإنما يتضح في السطر الأخير أنهم يدعون إلى تلقي الإملاءات والأوامر من البنتاغون والبيت الأبيض· وينتهي هذا التوجه العاجز عن تقديم أي مشروع وطني ديمقراطي يقف وراءه تنظيم سياسي إلى الإضرار بالديمقراطية بتنفير الجماهير من مواقفه تجاه العدوان ضد العراق ومواقفه الداعية للتسليم غير المبرر بالهزيمة في فلسطين ليلتقي في النهاية مع الأنظمة التي ينتقدها قناعة منه أن الأنظمة الحالية أرحم من التوجهات الشمولية العلنية المنتشرة بين الجماهير·

 

التجمع الوطني الديمقراطي - فلسطين

http://www.balad.org

طباعة