* محمد عبده حاول أن يقترب من فكرة خلق القرآن لكنه تراجع
* طه حسين حينما حرّف العبارات الملتهبة من كتاب "الشعر الجاهلي·· لم يتنازل عن منهج الشك الديكارتي
* على الباحثين العرب أن يدرسوا كيف تحول القرآن من نص شفاهي إلى نص موثق ومكتوب؟
مقابلة مع المنفي العائد مجروحا إلى وطنه بعد غربة فرضت عليه لأن حبه لوطنه وثقافته دفعه للخروج عن القوالب الجامدة للفكر والتي ازدادت انغلاقا بعد أن هيمنت قوى الفساد والتخلف على مجتمعاتنا العربية والإسلامية ردحا من الزمن· عاد أبو زيد إلى وطنه وبقيت كل الملفات المهمة مفتوحة وكل الاحتمالات كذلك·
كتب أبو زيد عن الفكر الديني وسيف التكفير المصلت على رقاب من يجرؤون على الاختلاف مع من نصبوا أنفسهم "رهبانا" جددا بعد أن أصبحت لأقوالهم "قدسية" النص القرآني، ليس لأنهم أرادوا ذلك فقط ولكن بسبب الجهل والتخلف اللذين هما نتيجة حتمية لسيطرة هذا الفكر على منابع الثقافة والتعليم والتربية·
الهجمة التي تعرض لها أبو زيد أكدت ما ذهب إليه في بحثه الذي أثار الضجة، فقد حدث ما حذر منه إلى أن تحول هو شخصيا إلى ضحية لما كان يخشى أن يسود المجتمع، نعيد نشر أجزاء من هذه المقابلة وننشرها كاملة على موقع·
http://www.taleea.com
المحرر
هذه المقابلة الدمشقية مع الدكتور نصر حامد أبوزيد حملتها بين أوراقي شهورا عدة وكنت أتمنى أن تنشر في مصر التي يحملها أبوزيد في قلبه، رغم المنفى· أما الجولة الصغيرة في أحياء دمشق القديمة وصولا إلى مقبرة باب الصغير حيث يرقد جثمان الشاعر نزار قباني، فآهٍ لو أنها كانت ممكنة في شوارع مدينة القاهرة· لكن مصر النهضة والثقافة والمؤسسة الجامعية باتت اليوم تضيق ليس فقط بفكر نصر حامد أبوزيد، بل بوجوده الجسدي على أرضها وحتى بكتبه التي سحبت من المكتبة العامة في الجامعة· قد يقول قائل أن الفكر الحر والنقدي محكوم عليه أن يبقى أقليا، لكن المصيبة الكبرى أن عناصر التخلف والتقليد الأعمى واللاعقلانية صارت اليوم ثقافة تلفزيونية جامعة يروجها في أوساط الملايين بعض الأشخاص هذا في الوقت الذي تغلق فيه أبواب المؤسسات الأكاديمية العربية وعلى رأسها الجامعة المصرية في وجه آخر ممثلي تيار النهضة العربية الذي بدأ بالشيخ محمد عبده وطه حسين ويجب أن لا ينتهي مع نصر حامد أبوزيد· لكن هذا الأخير لم يحرم فقط من بلده وأهله ومنصبه الأكاديمي، لكنه حرم أيضا من طلابه ومنع زورا وبهتانا من أن يزرع في عقول الأجيال الجديدة الفكر النقدي العقلاني الذي أخذه وطوره عن الذين سبقوه· والذي من دونه لا قيامة للعرب والمسلمين من سباتهم الطويل·
محنة نصر حامد أبوزيد هي محنة الثقافة العربية في عصرنا الراهن وكرامة أستاذ الجامعة الجريحة هي كرامة البحث العلمي واستقلاليته المستباحة على مذبح الايديولوجيات القروسطوية بمكونيها الرئيسين: السلطة السياسية المستبدة والسلطة الدينية المتحجرة· ورهان نصر حامد أبوزيد هو رهان المستقبل والإسلام المنفتح والتسامح الديني والحرية المستعادة·
وفي يلي تفاصيل اللقاء:
* يعتبر الكثيرون أن الشيخ أمين الخولي هو رائد التجديد في الدراسات القرآنية، وأنه أول من حاول تطبيق المنهج الأدبي في مقاربة القرآن، ما طبيعة علاقتك بفكر أمين الخولي وهل تعرفت إليه شخصيا؟
- لم اعرف الشيخ أمين الخولي شخصيا، لكنه كان أول من نشر لي في مجلة "الأدب" مقالة حول أزمة الأغنية المصرية، وكنت يومها لا أزال يافعا· من هنا نشأت العلاقة الروحية مع هذا الأستاذ الكبير، وبعد دخولي الجامعة وموت الخولي قرأت كتبه وكذلك أبحاث محمد أحمد خلفالله، وكنت تاليا واعيا أزمة الدراسات الإسلامية في قسم اللغة العربية وواعيا مشكلة الجامعة المصرية· أحد الأساتذة الذين درسوا لي وأثروا فيّ تأثيرا عظيما في الجامعة كان شكري عياد وهو تلميذ أمين الخولي وكان قد حصل على درجة الماجستير برسالة عن "يوم الحساب في القرآن" تحت إشراف الخولي ولكنه اضطر إلى تغيير تخصصه من الدراسات الإسلامية إلى الدراسات النقدية عندما الغيت رسالة أخرى تحت إشراف الشيخ أمين الخولي هي رسالة الدكتوراه لمحمد أحمد خلف الله·
هذا الخط في الدراسات القرآنية يبدأ مع الشيخ محمد عبده الذي تكلم عن التمثيل في القرآن واعتبر أن القصص القرآني تمثيلات بما فيها قصة آدم وخروجه من الجنة، والتمثيل هنا مفهوم بلاغي· الشيخ محمد عبده، وإن استخدم لغة تقليدية، فقد وضع الأساس لهذه التوجه وجاء بعده طه حسين ودفع المنهج إلى الأمام في كتبه كلها طبعا، لكن في الأخص كتاب "في الشعر الجاهلي"، عندما أشار إلى القصة القرآنية عن إبراهيم وإسماعيل ليس من الضرورة اعتبارها تاريخية، وواصل بعده أمين الخولي عندما اعتبر أن أدبية القرآن هي السمة الأساسية التي تسبق أي سمة أخرى وأن التحليل الأدبي وفن القول يسبقان أي تحليل فلسفي أو فقهي· هذا المنهج طبقته عائشة عبدالرحمن في "التفسير البياني" ومحمد أحمد خلف الله في رسالته "الفن القصصي في القرآن" وشكري عياد في رسالة الماجستير، وأنا أعتبر نفسي تواصلا مع هذا الخط، في سياق تطور النظرية الأدبية وعلم النصوص· عندما كتبت "مفهوم النص" كان الشيخ أمين الخولي مرجعية بالنسبة اليّ في ما يسمى أدبية القرآن·
* ما هو في رأيك سبب فشل هذا المنهج في تثبيت أقدامه داخل الجامعة وتحقيق نوع من استمرار المؤسسات؟ هل السبب سياسي من خارج الجامعة، أم أن هناك أزمة داخل هذا الفكر نفسه؟
- هناك أسباب معقدة، ويجب أن نبقى على بصيرة إلى أن أي اقتراب من القرآن هو في الضرورة مخاطرة، وهذا قائم منذ القرن الثالث الهجري، العصر الذي اضطلعت فيه السلطة السياسية بدور أساسي في حسم الجدل الفكري والذي نشأ حول فكرة خلق القرآن· فالخليفة المأمون تدخل في البداية وحاول فرض فكرة "خلق القرآن" بقوة الدولة، واضطهد من لا يؤمنون بهذه العقيدة ثم جاء المتوكل وقام بعكس ذلك واضطهد المعتزلة، ومنذ صدور الوثيقة المتوكلية في ذلك الزمن حول العقائد الصحيحة لأهل السنة، والتي تتضمن أن القرآن أزلي قديم، تجمدت المشكلة وأوقفت الأسئلة لصالح مؤسسة لاهوتية هي إلى حد كبير أشعرية حنبلية، وبقي الأمر على هذ الحال إلى عصر النهضة ومشروع محمد عبده الإصلاحي الذي حاول أن يقترب من هذا السؤال لكن يبدو أن بعض المخاوف جعلته يتراجع·
* لكن بعد الشيخ محمد عبده جاء طه حسين والشيخ أمين الخولي وغيرهما كثيرون لكنهم تراجعوا عن هذا الطريق ولم يطرحوا الأسئلة حتى نهاياتها، ما هي الأسباب في رأيك؟
- يجب أن لا ننظر هنا إلى كلمة تراجع في معناها السلبي، وأن لا ننظر إلى الفكر باعتباره يدور في فراغه الخاص بمعزل عن حركة المجتمع·
أسباب عدة يمكن إيرادها في هذا السياق، أولها أن الجامعة الأهلية كمؤسسة مدنية نشأت ضعيفة، فمشروع النهضة ومشروع تحديث المجتمع قاما على بنية مزدوجة: هناك تحديث، لكن ليس هناك حداثة· لقد تم استيراد مؤسسات مثل الأوبرا والسكك الحديد والجامعة والبرلمان، لكن الممارسات استمرت وفق المنطق القديم· المجتمع المدني ومنه الجامعة بقي مجاورا للمجتمع التقليدي ولم يتم تطوير المؤسسات التقليدية التي بقيت ممتنعة عن الحداثة التي جاءت في سياق إشكالي جعلها ملتبسة كونها حداثة غربية· وهذا واضح في إشكاليات مشروع الإصلاح الديني، كونه ولد مشروعا ملتبسا يريد أن يحدث الإسلام حتى يتقبل الحداثة الغربية· وكان التراث هنا خادم للحداثة وفق عناصر منتقاة من التراث· في أعقاب حرب 1967 اختلفت الصيغة وانقلبت المعادلة بين المتن والفرع، ولم تعد الحداثة مرجع تأويل التراث، بل صار التراث هو مرجع تأويل الحداثة، وأصبح التراث هو المتن الذي يؤول عليه·
إذا، مشروع محمد عبده وبعده مشروع طه حسين، كان يحمل من داخله أزمة، ناتجة عن أزمة النهضة نفسها ووقعها في التباس "الأنا والآخر"·
طه حسين عندما حذف العبارات الملتهبة من كتاب "الشعر الجاهلي"، لم يتنازل عن منهج الشك الديكارتي وخط البرهان الذي اتبعه، لكنه بقي مسكونا بهاجس دفاعي في ظل هجوم استشراقي، والمجال الذي يمكن أن نقيس فيه هذا التوتر، نجده في ترجمة الموسوعة الإسلامية في الثلاثينات من القرن المنصرم (أمين الخولي كان أحد المشرفين على هذا المشروع)· فالمنهجية الصارمة والدقيقة للمستشرقين حظيت بالاحترام والتقدير عند علماء ذلك الزمن، إلا إذا اقترب الأمر من قداسة القرآن ومن شخصية النبي محمد، إذ أن الأمر كان يُفهم آنذاك على أنه عداء للإسلام ونبيه· هذا مع العلم أن المستشرق كان ينطلق من إطار مرجعي ناقد لكتابه المقدس ولشخصية المسيح وفق منهج النقد التاريخي·
إذا اقترب الأمر من النص القرآني، تولد نقاط الاحتقان حساسية تنبع من تماهي القرآن مع الذات والأنا· ومشكلة الهوية هنا، في ارتباطها الميكانيكي بالدين، لا يمكن فهمها بمعزل عن الالتباس الحداثي وقضية الاستعمار·
* فلنبتعد قليلا عن مشكلة الهوية في علاقتها بالنص القرآني، من أجل إعادة صياغة بعض الأسئلة التي يطرحها المستشرقون، والتي لاتزال بعيدة عن النقاش والنقد لدى المختصين بالدراسات القرآنية داخل إطار الفكر العربي والإسلامي· كمثال: لماذا لم يأمر الرسول خلال كل فترة الوحي وحتى مماته بجمع آيات القرآن وحفظها داخل كتاب، بل تم ذلك في عهد الخليفة عثمان بن عفان؟ كيف تحول القرآن من نص شفاهي تحفظه الألباب إلى نص موثق ومكتوب؟ ولماذا؟ وماذا يمكن القول عن حال اللغة العربية في ذلك الزمن وخلوها من التنقيط؟ وعن منزلتها كلغة بشرية لم تتوقف عن التطور والتبدل وعلاقة ذلك بقدسية النص القرآني باعتباره كلام الله المنزل بلسان عربي؟ ما رأيك ألا يجب على المفكرين الإسلاميين أن يخوضوا في هذه القضايا أم يجب تركها حكرا على المستشرقين؟
- بالتأكيد يجب عودة الباحثين العرب إلى هذه القضايا، وتغطية تاريخ القرآن وكيف تحول من نص شفاهي إلى نص موثق ومكتوب، وليس فقط عصر الخليفة عثمان حيث لم يكن النص مقروءا بسهولة لكونه كان خاليا من التنقيط ومن علامات الحركات، وصولا إلى النسخة التي هي اليوم في أيدينا، بنقطها وعلامات الحركات· لكن هذا كله لايزال يدخل في إطار اللامفكر فيه· وأنا كنت واعيا لهذا تماما عندما كتبت "مفهوم النص"، لكنني استبعدته موقتا، لأنني كنت مشغولا ببلورة مفهوم للنص وبالقيام من داخل علوم القرآن التقليدية بمحاولة قراءة حديثة لهذه العلوم· وقد ظهر لي مفهوم التاريخ بمعنى أن القرآن نص تاريخي وثقافي، وهذا ولد لدى البعض أزمة لاتزال مستمرة· إذ فهم من التاريخي أنه زماني، ومن الثقافي فهم أن المقدس قد تأنسن· ومع ذلك هناك في كتاب "مفهوم النص"، إشارات واضحة لاحتمالات دراسة أوسع في المستقبل· فهذه الأسئلة عن تاريخية النص ولغته وتوثيقه، أقوم اليوم بدراستها من خلال منهج النقد التاريخي، بدون إحساس بالخوف أو الخطر، لكن بمحاذير لا يمكن أن نقلل من شأنها، لقد انفتح أمامي أفق يفكك الأسطورة التي ربطت ربطا عضويا تاما بين لغة القرآن ورسالة القرآن، متوهمة أن لغة القرآن هي نفسها مقدسة ومنزلة·
* نصل إلى نقطة أساسية أشرت إليها في إحدى مقالاتك الأخيرة من خلال إيراد رأي جلال الدين السيوطي بأن القرآن أوحي إلى سيدنا محمد بالمعنى فقط وأنه هو الذي وضع صياغته باللغة العربية· هذا الرأي يفتح على آفاق واسعة ويحيلنا على فكرة جوهرية تقول إن القرآن مكتوب بلغة بشرية وهذه اللغة تتطور قبل القرآن وبعده وهي بمثابة كائن حي يتبدل بالاحتكاك مع الواقع من خلال تبدل دلالات الألفاظ ومعانيها واستخداماتها· لكن رغم ذلك تبدو اللغة العربية اليوم للبعض وكأنها اللغة الوحيدة في العالم التي تتمنع في قواعدها النحوية على التغيير، فكأنها شيء مقدس؟
- هذا وهم وغير صحيح، فالتركيب العربي اختلف وتبدلت بنيته، وإن كان النحو المعياري قد بقي على حاله·
* أنا متفق معك تماما، ويكفي أن نقارن لغة الصحافة والأدب اليوم بلغة النصوص القديمة لندرك الكم الهائل للتبدل والتطور الذي عاشته وتعيشه اللغة العربية، وهذا خير دليل على كون اللغة كائنا حيا ومتغيرا· ولكن، لنعد إلى السؤال الأساسي فأنت من خلال السيوطي وضعت يدك على جوهر المشكلة، ومع ذلك لدي إحساس انك لاتزال مترددا في الذهاب بالأسئلة إلى منتهاها، وهذا ما نلاحظه أيضا عند مفكر آخر هو محمد أركون، وكأننا نطرق الأبواب ولكننا لا نعبرها إلى صلب الأسئلة الحارقة، والتي بدونها لا مجال للخروج من النفق؟
- لا أستطيع أن أذكر الذي تقوله، التردد موجود في داخلي، لكنه لا ينبع من خوف على شخصي، بل يأتي من كونك تعمل في إطار أنموذج (براديغم) ثقافي تحاول اختراقه· ومهمة اختراق النظام المعرفي السائد والمستقر تتطلب أن تؤسس لنظام معرفي جديد· هذه المهمة لا يقوم بها شخص بمفرده بل تتأسس من خلال التراكم، ونحن حتى هذه اللحظة نعمل على النظام المعرفي الذي أسسه الشافعي في القرن الثالث الهجري· هذا النظام المعرفي قائم على أن النص مقدس لأنه لغة ورسالة ليستا من صنع البشر، ومحاولة اختراق هذا النظام معناها أن تبين أنه إذا كانت الرسالة إلهية فإن اللغة ليست إلهية بل هي بشرية، وهذا ليس شأن القرآن وحده بل شأن الكتب المقدسة كلها· أما الوحي فهو مفهوم مرتبط تماما بنظام من التواصل غير اللغوي، وتاليا فوحي القرآن للنبي محمد لم يكن عبر النظام اللغوي· وعليه، فإن صياغة لرسالة إنسانية· الآن، من أجل تأسيس فهم كهذا لا يكفي أن نتناول لغة القرآن ولكن يجب العودة إلى تأسيس القواعد اللاهوتية التي تسمح بذلك·
* لكن تأسيس قواعد لاهوتية كهذه، هل يدخل في إطار دور الباحث، أم هو منوط برجال الدين؟ ولماذا لا يزال منهج النقد التاريخي عاجزا عن الدخول بأسئلته إلى داخل الفكر الديني، إذ نراه أحيانا أسير محرمات هذا الفكر؟
- بالنسبة إلى الشق الأول من السؤال، فإن تأسيس قواعد لاهوتية جديدة هو بالتأكيد من مهام الباحث، نحن نخرج هنا من دائرة الإصلاح الديني وندخل في دائرة النقد التاريخي، وهذا الفرق حصل منذ 1967 أما في ما يخص الشق الثاني من السؤال، فالصورة تبدو كذلك، لكنها صورة خاطئة، وسأعطيك نموذجين لفكر ديني تقليدي يعمل وفق آلياته الخاصة لكنه متأثر بالتحدي الذي يطرحه منهج النقد التاريخي، وإن لم يعترف بذلك· المثال الأول هو فتاوى الشيخ يوسف القرضاوي في خصوص علاقة الرجل بالمرأة وما يرتبط بحياة المسلم في أوروبا· فالقرضاوي، وإن كان لا يسلم بفكرة التاريخ لكونها خارج إطار وعيه، متأثر بالتحدي الذي تطرحه هذه الفكرة وهي فاعلة رغما عنه في نطاق الفتاوى التي يصدرها من خلال المجلس الأوروبي للفتاوى· وهذا ما دفعه إلى القول إنه يجوز للمرأة غير المسلمة التي تحولت إلى الإسلام أن تبقي زواجها من غير المسلم، وإذا كان القرضاوي لم يبن اجتهاده على قاعدة ثورية في اللاهوت أو على قاعدة الحرية، بل على قاعدة الدعوة ومن أجل تحبيب الناس بالإسلام، فإن داخل قاعدة الدعوة التي يعنلها وداخل هذه الفتوى توجد كل إجراءات النقد التاريخي·
المثال الثاني، هو رد شيخ الأزهر الطنطاوي على مرشد "الإخوام المسلمين" مصطفى مشهور حول موضوع الأقباط والجزية· فالشيخ الطنطاوي قال إن الجزية كانت ممارسة تاريخية وإذا أنت جلست مع الشيخ الطنطاوي وسألته: "ممارسة تاريخية إزاي، ده قرآن؟"، بمعنى أن تسأله: هل تقول إن هذا النص القرآني أصبح غير صالح؟ فأنت تكشف له هنا إن مفهوم القرآن كنص تاريخي تسلل إلى لا وعيه· أن العلاقة التي تبدو ساكنة بين الخطاب الديني ومنهج النقد التاريخي في أفق الخطاب العام، مردها إلى أن هذا الخطاب في يده مؤسسات وفي يده سلطة وهو متماه مع السلطة؟ مع ذلك، فالأسئلة التي تقول أنت بامتناعه عليها، هي نافذة إليه، وعلينا هنا أن نرى قدرة الهامش على اختراق المركز وإحداث حراك فيه· بعد 11 سبتمبر أيلول، أصبح هناك حمى اسمها تجديد الخطاب الديني· طبعا داخل هذه الحمى، قد يكون هناك خطاب سجالي أو دفاعي أو اعتذاري، لكن على الأقل هناك تسليم بأن الأمر لم يعد يحتمل هذا الجمود·
* إذا كان الأمر لم يعد يحتمل هذا الجمود، فلماذا تردد الباحث الذي أشرت إليه قبل قليل؟
- السؤال الذي يطرحه البعض عليّ باستمرار، في هذه اللحظة، هو: أن الناس تموت باسم الأسطورة، وعدوك يوظف أسطورته في شكل أو آخر، فكأنك تريد أن تفكك لنا أسطورتنا، من أجل أن يهزمنا الآخر بأسطورته؟ ويقولون: إننا الآن في خطر لا يحتمل ترف الاشتغال على النص والتأويل·
طبعا، جوابي أن هذا ليس بالترف، وأن الفشل الذي نحن فيه، عائد في جزء منه إلى تجمد وعينا· وعينا· وإذا كنا نريد أن نحارب بأسطورتنا، فأسطورتنا قائمة على أسطورة العدو، وهي تاليا أضعف لأنها قائمة على أسسه· فهو يحاربك بالأسطورة إيديولوجيا، لكنه يحاربك بالعلم والعقل والوعي فعليا·
إذا، أنا معك في أن طرح الأسئلة يجب أن لا يتوقف ويجب أن نذهب بالأسئلة إلى منتهاها· وإذا كنت أنا أحد المترديين، وهذا ما لا أنكره، فلأني لست بالمدعي· ففي النهاية أنت تعمل في مناخ ثقافي لا تسلم به كلية، لكنك لا تستطيع أن تتجاهل أنك تريد أن تنتج خطابا يجد قبولا، وينفذ، وإن كان لا يجد إعجابا· وهذا ما يسميه محمد أركون بالترضيات الضمنية، أي أن تنتج نقدا لفكر، أنت تنتمي إليه في الضرورة· بمعنى أنك تنتج نقدك من داخله، وأنت محكوم بقواعد إنتاج المعرفة فيه، حتى لو كنت رافضا القواعد· إذا، نحن هنا في مأزق، وما أسهل الذي يكتبه صادق جلال العظم، على أهميته، لأنه يأتي من الخارج، أي من خارج دائرة الإيمان·
نحن نتكلم هنا عن مجتمع وثقافة ومؤسسات، وأنت تطلب من الفكر أن يخترق المؤسسات بكتاب أو بمحاضرة أو ببرنامج تلفزيوني يتكلم فيه خمس دقائق يحذف منها نصف الذي قاله، ومع ذلك فهو يقوم بهذا عمليا ولكن بإمكانات هي أقل بكثير من إمكانات هذه المؤسسات· فلنقل إن أي كتاب لا يمكنه أن يحدث اختراقا إذا لم يتحول ثقافة عامة عن طريق وسائط نقل المعرفة من مستواها إلى مستوى وعي الناس· وهذا غير متحقق لنا، بسبب غياب الديمقراطية وغياب الحرية وغياب مؤسسات وسيطة حاملة وناقلة للمعرفة، وبسبب سيطرة السلطة في أشكالها المختلفة على وسائل الإعلام· طبعا أنا هنا لا أضع معوقات لنفسي، ولكن أكشف لك حدود تأثير ما أكتبه·
* أعود لقولك بتاريخية النص القرآني وبأنها لا تعني زمنيته ولا تعني إنكارا لألوهيته، بل تعني أن القرآن نزل في التاريخ وهو يتفاعل معه تفاعلا حرا وسيستمر عمله في التاريخ، وأنه يحمل ملامح القرن السابع الميلادي ويدل على ممارسات العرب في ذلك القرن وعلى موقعهم في العالم القديم ويعكس لنا حالة التاريخ قبل نزوله ولحظة هذا النزول· قولك هذا، يدعو إلى التأسيس عليه ويفتح أفقا واسعا للنقاش ويسقط الكثير من الحواجز أمام العقل، فكيف لك بعد ذلك أن تطلب منا التروي في طرح الأسئلة؟
- إذا اتفقنا على أننا نشتغل من داخل دائرة الإيمان، فإننا نخوض في مسلمات راسخة يحتاج تحريكها إلى التحلي بالصبر وإلى وقت طويل وإلى عدد كبير من الباحثين· تاريخية النص القرآني مثلا، تعني أيضا أن هناك أجزاء منه سقطت بحكم التاريخ وأصبحت شاهدا تاريخيا، أي أنها تحولت من مجال الدلالة الحية المباشرة إلى مجال الشاهد التاريخي· مثال ذلك تحول آيات الرق والأحكام المتعلقة بها إلى آيات للعبرة بعد زوال نظام الرق من حياتنا· هذه الخطوة لا يكفي أن تقولها وتمضي· إنها هنا عملية خلق للوعي، وعليك أن تعمق هذا الوعي في استمرار بأمثلة وشواهد، وأن تكرر في استمرار ما كتبته· اذا، تاريخية النص وانتماؤه الى الثقافة وانفتاحه على التأويل في ثقافات مختلفة، هذه القضية كسبت أرضا ولكنها لم تصبح مستقرة داخل الوعي العام· طبعا أنا لا أقول إن عليّ الانتظار، فأنا أتحرك، ولكني الآن أتحرك وحدي بعدما حُرمت تلامذتي وموقعي داخل الجامعة المصرية·
* في السياق نفسه، أنت من الذين يشددون على أن القرآن هو مجموعة من النصوص التي رُتبت ليس وفقا لترتيب نزولها الزمني، ولكن وفقا لتراتيب أخرى لم تُكشف بعد، وأن التساؤل لماذا لم يترتب القرآن بحسب زمن نزول آياته، هو أمر مشروع في البحث العلمي لأنه لا يشك في الحكمة الإلهية ولا بقدسية النص؟
- الحقيقة التاريخية الأكيدة، هي أن ترتيب القرآن الحالي، ليس هو ترتيب النزول· وأن ترتيب القراءة الحالي أحدث تغييبا للسياق· وتاليا فإن أي مقاربة منهجية لتفسير القرآن عليها أن تستعيد هذا السياق· في تحليل القرآن هناك مقاربتان التعاقب Diacronic والتزامن Syncronic وجمع الاثنين مهم جدا في أي مقاربة· فلو حللت القرآن فقط وفق ترتيب النزول، سأكون أتعامل مع القرآن على أنه كتاب في التاريخ، وهو ليس كذلك· أما إذا رضيت فقط بترتيب القراءة فأكون قبلت بإهمال الجانب التاريخي في التعامل مع القرآن· في عبارة أخرى، إذا كنا نقول إن القرآن تاريخي (بشري) وإلهي، فإن بنيته نفسها توضح هذه الازدواجية وينعكس فيها هذان البعدان· فترتيبه المجزأ والمنجم يعكس أنه جزء من التاريخ وأن هناك تطورا داخليا، أما إعادة ترتيبه وفق قواعد مغيبة للتاريخ لم نكتشفها بعد، فتؤكد فكرة أنه رسالة مقدسة· إجراء أي مقارنة بين بنية القرآن التاريخية وبنيته اللاتاريخية، يحتاج إلى دراسات واسعة ومعمقة وإلى فريق عمل جماعي يشترك فيه عدد كبير من الباحثين· هناك 114 سورة بينها المكي والمدني، عمل عليها في السابق المستشرقون، لكن لابد من العمل على الآيات والرجوع إلى المادة التاريخية والعمل على نقد المرويات الخاصة بأسباب النزول، ولابد من الاشتغال على البنية الداخلية للآيات، لأن الكشف لا يكون من خلال الوثائق الخارجية وحدها ولكن من خلال البنية الداخلية كذلك·
وإذا كان طرح الأسئلة الجوهرية يمكن أن يتم بواسطة أفراد، فإن إنتاج المعرفة في حاجة إلى بنية علمية مؤسساتية· ويجب عدم تناسي أن النقد التاريخي للكتاب المقدس تحقق بثورة من داخل مؤسسة الكنيسة، أما مؤسساتنا الإسلامية فلاتزال تنتج ملايين الكتب عن الإعجاز العلمي للكملة؟ لا· ليس هناك مؤسسة واحدة تدرس القرآن في اعتباره موضوع دراسة· بل في اعتباره موضوع إيمان ووعظ· الأزهر، كمؤسسة، لا يدخل في نطاق مهمته أن يدرس القرآن تاريخيا ويحلله· ومهمته أن يعلم القرآن ويفسره· لذا يجب علينا أن لا نطلب من مفكرين فرادي أن يقوموا بالمعجزات·
* في العودة إلى أسباب النزول نجد أن القرآن لم ينزل نصا واحدا، بل نزل على الرسول خلال ما يزيد عن العشرين سنة، وإذا كنت أنت تذهب إلى أن كل نص من القرآن يتعلق بواقعة وبسؤال نشأ من الواقع، فإن ما يزيد عن 80 في المئة من الآيات لا يوجد فيها أسباب نزول· فكيف يمكن الوصول إذا إلى هذه الوقائع التاريخية المرتبطة بسياق نزول الآيات؟
- دعنا في البداية نخرج من إطار المصطلحات الملتبسة، علينا التفريق بين أسباب النزول كمصطلح مستقر في المعنى الفقهي الوارد في المرويات التراثية، وما يمكن أن أسميه السياق التاريخي للوحي· هذا السياق لا يمكنه أن يتجاهل مفهوم أسباب النزول في المعنى الفقهي، لكنه يتعامل معه تعاملا نقديا، لأن بعض هذه الأسباب متناقض، وبعضها الآخر يأتي تبريرا لمعنى معين يريد المفسر أن يفرضه· كما يجب عدم الاكتفاء بأسباب النزول، لأنها كما ذكرت قليلة·
مثلا عندما تبدأ سورة "البقرة" بالآية: (ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه)، فهذا جواب عن سؤال لا نجده في الآيات التي تتبعها مباشرة، بل نجده في ما بعد حين يتكلم عن سؤال اليهود للنبي محمد أن يأتي بكتاب كألواح موسى· إذا، فكرة الكتاب موجودة في النص القرآني ولها سياق نزول، لكن يصعب ربطه بالآية الأولى· نقطة أخرى هي ضرورة التعامل مع النص القرآني ليس فقط من خلال أسباب النزول ولكن من خلال سياقه التاريخي في معناه الأشمل، ومن خلال شخصية النبي محمد وعلاقته بالمجتمع والثقافة، وهذه كلها لاتزال في إطار المحرمات·
* كيف تفهم اليوم علاقتنا بالسنة النبوية، وميل البعض إلى تقديسها واعتبارها جزءا من الوحي؟
- أظن أن هذا الكلام تم تحليله في أسبابه التاريخية في شكل كاف، فمنذ اللحظة التي اعتبر فيها القرآن غير كاف وحده، تم تدشين السنة ليس كنص ثان أو كنص شارح، بل كنص يتمتع بالقيمة المعرفية نفسها التي يتمتع بها القرآن· حتى أن البعض يذهب إلى حد القول أن القرآن أكثر حاجة إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن· أعتقد أن هناك جانبا مشروعا في هذا، وجانبا تمت المبالغة فيه، فلو أنت اقتلعت السنة من تاريخ الفكر الإسلامي لما بقي هناك شيء·
* مع ذلك، لا يعتبر أهل السنة أن الأحاديث النبوية هي وحي، لأنها ليست كلام الله·
لا، هذا غير صحيح، فهي تعتبر بمثابة الوحي الذي صاغه النبي محمد، أي أنها كلام الله بلغة محمد·