*إسرائيل تنتهك ميثاق جنيف الرابع ومشروع خريطة الطريق في آن
*بلدية القدس أعلنت أراضي العرب "محميات خضراء" كي تمنعهم من البناء عليها
بقلم: جيف هالبر
(منسق اللجنة الإسرائيلية لمناهضة هدم المنازل)
حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون حال وصوله إلى واشنطن على الاجتماع مع ممثلين عن اللجنة الأمريكية - الإسرائيلية للشؤون العامة المعروفة بالاسم "إيباك" وهي أكبر مجموعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة، تمهيدا للاجتماع الذي كان مقررا له في اليوم التالي مع الرئيس جورج بوش· ووفقا لتقارير الأنباء، لايزال مسؤولو إدارة بوش يأملون من شارون أن "يعطي دفعة" إلى خريطة الطريق من خلال تقديم بعض "الإشارات الإنسانية" كإطلاق مئة سجين فلسطيني إضافي وربما تفكيك حاجزي تفتيش أو ثلاثة من أصل المئات من حواجز التفتيش التي يقيمها الجيش الإسرائيلي في مختلف المناطق الفلسطينية، أو إدخال تغيير طفيف في مسار "الجدار الفاصل"·
ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية لن تسعى إلى التزام إسرائيلي بواحد من أهم عناصر المرحلة الأولى من خريطة الطريق، وهو وقف عمليات هدم المنازل الفلسطينية، لقد كانت صياغة مشروع خريطة الطريق واضحة بحيث تحول دون تذرع إسرائيل بأمور فنية للمضي قدما في هدم المنازل· وورد في النص تحديدا "تمتنع إسرائيل عن القيام بأية خطوات لإضعاف الثقة بين الجانبين، بما في ذلك هدم منازل الفلسطينيين كإجراء عقابي أو لتسهيل أعمال البناء الإسرائيلية"·
لقد أصدرت الحكومة الإسرائيلية على مدى الأسابيع القليلة الماضية، العشرات من أوامر الهدم ضد منازل الفلسطينيين في القدس الشرقية· وقد باشرت إسرائيل عمليات الهدم، حيث تزعم إسرائيل أن خريطة الطريق لا تشمل القدس الشرقية خاصة وأنها أصدرت قرارا رسميا بضمها· ويبدو أن المجموعة الرباعية تغض النظر عن هذه الحيلة الإسرائيلية، على الرغم من إعراب كل الحكومات الأمريكية والأوروبية عن معارضة (لطيفة) لهذه الخطوة· وتزعم إسرائيل أن عمليات الهدم هذه تتم لأغراض تخطيطية بحتة (مثل الفاصل أو شق الطرق الالتفافية عبر الأحياء الفلسطينية المكتظة بالسكان)، وليس "كإجراء عقابي"·
وهذه الخطوات الاستفزازية من جانب إسرائيل والتي ألحقت ضررا كبيرا وسببت معاناة هائلة على الكثير من العائلات الفلسطينية·
وهذا يشكل انتهاكا لبند آخر من بنود مشروع خريطة الطريق، والذي يطالب إسرائيل باتخاذ خطوات لتحسين الوضع الإنساني للفلسطينيين، فضلا عن كونه "إجراء عقابيا"·
فخذ على سبيل المثال منزل عبد عجاج الواقع في جبل المكبر في القدس الشرقية وهو أرمل وأب لأحد عشر طفلا· فقد بنى هذا المنزل المتواضع على أرض يملكها، لكنه مُنع من بناء منزل آخر أو توسيع منزله بحجة أن المنطقة مصنفة على أنها "محمية خضراء"، ولكن مساكن اليهود على بعد أمتار قليلة عن منزله تتوسع وتبنى المزيد من المنازل لليهود، على الرغم من أنها تقع في "المحمية الخضراء"· فإذا لم يكن هذا العمل "إجراء عقابيا"، فيجب علينا البحث عن تعريف آخر لكلمة "عقاب"·
وفي الواقع، فإن كل عمليات الهدم للمنازل الفلسطينية في القدس الشرقية والتي تجاوزت الـ 300 منزل خلال العقد الماضي، فضلا عن الآلاف من أوامر الهدم التي تنتظر التنفيذ، كانت عقابية· لأن سياسة هدم المنازل برمتها تستهدف حصر الفلسطينيين في غيتوهات صغيرة داخل القدس "الإسرائيلية"· فالفلسطينيون يشكلون أكثر من ثلث سكان المدينة، ومع ذلك، لم يتبق لهم سوى 6 في المئة من الأرض لاحتياجاتهم السكنية والمجتمعية والتجارية· وقد كتب أمير شيشين الذي عمل مستشارا للشؤون العربية لبلدية القدس في عهد تيدي كوليك ولبعض الوقت من عهد إيهود أولمرت، في كتاب يكشف الكثير بعنوان "منفصلون وغير متساوين: القصة الداخلية للحكم الإسرائيلي في القدس الشرقية" (مطبعة جامعة هارفارد 1999)·
لقد حولت إسرائيل التخطيط الحضري إلى إدارة لمنع توسع سكان القدس غير اليهود· إنها سياسة قاسية لأنها تتجاهل احتياجات (ناهيك من حقوق) المواطنين الفلسطينيين، ورأت الحكومة الإسرائيلية في ذلك سبيلا للحد من عدد المنازل التي يمكن أن تُبنى في الأحياء العربية، وبالتالي ضمان عدم نمو نسبة السكان العرب في المدينة والتي كانت 28.8 في المئة في عام 67· فالسماح ببناء "المزيد" من البيوت العربية في القدس يعني "المزيد" من السكان العرب في المدينة· وكانت الفكرة من وراء ذلك، نقل أكبر عدد ممكن من اليهود إلى القدس الشرقية وطرد أكبر عدد ممكن من العرب إلى خارج المدينة· وظلت سياسة إسرائيل الإسكانية في القدس الشرقية كلها تتمحور حول لعبة الأرقام هذه·
لقد استهدف المخططون في المكتب الهندسي التابع لبلدية القدس حين رسم حدود المناطق للأحياء العربية، عزلهم في المناطق المبنية أصلا· فخطة تيدي كوليك لعام 1970 تتضمن المبادئ التي تقوم عليها سياسة إسرائيل الإسكانية حتى اليوم، وهي تقليص الأراضي التي يمتلكها العرب وتطوير الأحياء اليهودية في شرقي القدس والحد من تطور الأحياء العربية·
وكل ذلك يطرح السؤال الأوسع حول شرعية أي بناء إسرائيلي أو أي عملية هدم في القدس الشرقية، وهو الأمر الذي يشكل انتهاكا خطيرا لميثاق جنيف الرابع· ولكن همنا المباشر والحثيث هو وقف موجتي عمليات الهدم المنتظر· سواء طبقت خريطة الطريق أم لم تطبق· ونحث كل الناس أينما كانوا أن يتصلوا بممثليهم السياسيين وزعمائهم الدينيين والإعلام ولحشد المنظمات الأهلية للاجتماع على هذه السياسة والمطالبة بوقف هدم منازل الفلسطينيين، وحث جميع القادة السياسيين في العالم على التنفيذ العادل لمشروع خريطة الطريق أو الاعتراف بفشلها·