صورة الإنسان المعذب في بلاد وادي الرافدين
لعنة "أكد"، مرثية "أور"، أحزان "تموز"، والمعذب "البابلي"

د· نواف عبدالعزيز الجحمة nawafjh@hotmail.com
إن حضارة العراق القديمة سفر حافل بمنجزات عظيمة في شتى حقوق المعرفة، وإذا كانت حضارة الرافدين قد تجلت معالمها وتبينت أصالتها بفضل الوثائق والمكتشفات الأثرية، فإن هناك من الخفايا والخبايا التاريخية ما تحتاج إلى مزيد من البحث والتحري والاستقصاء وذلك بهدف إبراز الأثر الفكري والإنساني الذي تركته لنا ميثولوجيا (الأسطورة) الآداب السومرية واليابانية على أرواحية إنسان وادي الرافدين· من هذا المنطلق ارتأينا أن نفكك رموز هذه الصورة المعذبة وذلك بأن نقسم الموضوع إلى محاور رئيسة عدة منها ما يلي:
لعنة "أكد":
تتعدد أشكال الغضب والعقاب الإلهية في كل من النصوص السماوية، غير أن أبرز تلك الأشكال هو أن ينزل الإله غضبه بالناس عن طريق إرسال جحافل الأعداء يحتلون البلاد وينهبون خيراتها ويقتلون أبناءها - تذكر ذلك القصيدة السومرية المعروفة بين المتخصصين بـ "لعنة أكد"· وتحدثنا هذه القصيدة في أبياتها الحقد الدفين على الملك "نرام سين" (2255- 2291 ق·م) رابع ملوك سلالة "أكد" الذي سوغ لنفسه بموجب هذه القصيدة الإقدام على تخريب وتدنيس معبد "انليل" في مدينة نفر التي تعد من أشهر الأماكن الدينية السومرية في جنوبي وادي الرافدين·
وتصنف لنا القصيدة كيف أن الملك الأكدي سمح لنفسه ولجنوده الذين دخلوا المعبد بهدم الجدران بالفؤوس وانتهاك حرمته، الأمر الذي حدا إلى سخط "انليل" وغضبه على حد قول الشاعر السومري· هذا ويذكر الشاعر أن "انليل" أرسل ضد العاصمة أكد جحافل الكوتيين (المنحدرين من المناطق الجبلية الشرقية)، واحتلوا أكد وأسقطوا واحدة من أعظم الإمبراطوريات في وادي الرافدين في حدود 2230 ق·م· نذكر بعض المقاطع مع تلك القصيدة:
قوم لا يخضعون، وبلاد لا يحصى أهلها
بلاد الكوتيين، بلاد لا يكبح جماحها
هؤلاء جاء بهم "أنليل" من الجبال
فغطوا الأرض بأعداد ضخمة كالجراد
فلم يفلت من يدهم أحد، ولم يهرب من يدهم أحد
فلا رسول على الطريق، ولا ملاح في قاربه في النهر
ومداخل المدينة أصبحت أبوابها تحت التراب
وأطلقت البلاد صرخة حزن من داخل أسوارها
مرثية أور:
يعتبر سقوط سلالة أور الثالثة من الأحداث السياسية البارزة في تاريخ بلاد وادي الرافدين، وذلك بسبب العواقب الوخيمة التي آلت إليها هذه السلالة، فهناك جملة من الأسباب العسكرية والسياسية أدت مجتمعة إلى سقوطها· وما يهمنا في هذا الصدد الوجهة الدينية في تلك المسألة، والتي عبرت عنها قصيدة سومرية تعرف بين المختصين بـ "مرثية أور" يصور لنا الشاعر السومري الفجيعة التي حلت بالمدينة نتيجة لهجوم العيلاميين الذين أسقطوا السلالة الحاكمة فيها في سنة 2006 ق·م، وأخذوا آخر ملوكها "أبي سين" في الأسر إلى عيلام، ويعزو الشاعر السومري في قصيدته التي تزيد عن خمسمئة بيت الفجيعة إلى سبب آخر، ألا وهو تعطيل سيادة القانون والعدل والحكم، وإبادة البهائم والمحاصيل الزراعية، والإقدام على تخريب المساكن والمدن· يصور الشاعر السومري فجيعة أهل "أور" فيقول:
"أور" في داخلها موت وفي خارجها موت
وفي داخلها نموت نحن من الجوع
وفي خارجها نقتل نحن بأسلحة العيلاميين
لقد أخذ العدو "أور"
ورفع مزاليج بواباتها
وها هي أبوابها مشرعة إلى اليوم
لقد أداسها العيلاميون مثل سيل عرم
فتحطمت أور بفعل السلاح مثلما يتحطم إناء من الفخار
عذابات وأحزان تموز:
يعد موت وقيامه إله الخضرة دموزي (تموز) أحد الطقوس التراجيدية، فهو الخزين التراجيدي في أرواحية إنسان وادي الرافدين، ولحجم الاضطهاد والعذاب الذي تعرض له "دموزي" وعلاقته بحبيبته أنانا "عشتار"، ودورها الملتبس بهذا الموت المأساوي أدى إلى أن تمتلئ الآداب السومرية والبابلية بمناحات وأساطير وملاحم طقوس وتغزية· ولكن على الرغم من الأثر الذي تركته عقيدة موت "دموزي" في المجتمع القديم، فإن الحزن عليه لم يصبح يوما ما من طقوس المعبد، بل ظل يقام سنويا في نطاق المعتقدات الشعبية في تاريخ العصر القديم· وهناك إشارات إلى المناحات التي ألفها السومريون والبابليون للبكاء على تموز، والتي كانت تقرأ في مواكب العزاء في المدن العراقية، وكذلك في القصائد واللتورغيات والطقوس تكثفت معرفتنا عن وصف النهاية المؤلمة التي آل إليها هذا الرمز العقدي "تموز"·
الإنسان المعذب:
يعد هذا الموضوع ضربا من الضروب الأدبية المهمة· فقد كان الاعتقاد السائد عند الإنسان في وادي الرافدين أن الخير لابد أن ينتصر على الشر في نهاية المطاف، وأن على الرجل المعذب في هذه الدنيا أن يصبر وألا ييأس من عطف الإله·
في القصيدة البابلية أحيانا تتناول مثل هذا الموضوع بشكل تحاوري مطلول بين رجل معذب وصديق له حكيم يحاول أن يواسيه ويهون عليه عذابه وآلامه وأن يخرجه من حالة اليأس التي هو فيها - وهي ما تعرف بقصيدة (العدالة الإلهية) غير أن أشهر القصائد البابلية وأكثرها أهمية القصيدة المعروفة بـ "لأمجدّن رب الحكمة" وهي تدور حول رجل اسمه "شبشي مشري" يظهر واضحا أنه كان تقيا يخشى الإله ويؤدي الطقوس، وقد احتل مناصب عالية في الدولة كما كانت له ثروة طائلة· ولكن على حين غرة نجده وقد ساءت الأحوال وأصابه اليأس، واشتد عليه غضب الملك، وراح الطامعون من رجال الحاشية يحيكون له شتى أنواع المؤمرات للإطاحة به واحتلال مكانه··· وأخيرا نجده وقد أقصي من كل المناصب، وتنكر له الأصدقاء وكرهه الأصحاب وصار أهله يعاملونه كأنه غريب بينهم وبلغت به الحال درجة المذلة على أيدي عبيده·
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد· ففي القصيدة يتحدث "المعذب البابلي" عن تعرضه إلى مزيد من العذاب والشقاء بسبب ابتلاته بشتى أنواع الأمراض التي تجسدت بأرواح جاءت تهاجمه من مواطنها في عالم الأموات يقول الشاعر البابلي واصفا:
إنني الرجل المنهوك، عصفت بي ريح عاتية
فها هو مرض الهزال" ينقض علي
وها هي "الريح الشريرة" تلوح في الأفق
"ووجع الرأس" يثب من سطح العالم الأسفل
و"السعال الشرير" يتحرك من موضعه في مياه العمق
ثم يذكر ما سببته له تلك الأرواح من تعب وعذاب فيقول:
لقد جعلت الحمى تدب في أطرافي وجعلت بدني يرتجف
وحطمت قوامي الطويل مثلما تحنى حزمة القصب
وتلبس الشيطان بجسدي كأنه الثوب
عيناي تنظران ولا تبصران
أذناي مفتوحتان ولا تسمعان
لقد استحوذ الوهن على جسمي
وأمسك الشلل يدي
وحل العجز في ركبتي حتى نسيت قدماي الحركة
هذه صورة منتزعة من واقع رجل متبلى، ولكن على الرغم من تلك المعاناة فإنه بقي مؤمنا بالقدر المحتوم، وبأن اليوم المنشود سيأتي تتنزل عليه الرحمات·
آراء واهتمامات:
نخلص مما تقدم إلى ما يلي:
1 - أن النصوص المسمارية (الدينية والأدبية) على وجه الخصوص تفيد أن الفرد السومري والبابلي كان حريصا على رضا الإله، وأن غضبه كان مدعاة لأن يسبب له الموت والفقر والمرض في سائر جسده·
2 - يبدو أن الجغرافيا هي التي تشكل التاريخ الإنساني في بلاد الرافدين، فطقوس الأحزاب وعذابات الإنسان العراقة في التاريخ القديم أمر في غاية الدقة والأهمية، فالتربة الساخنة والمناخ المتغير والنهر المتعرج، أسباب لها أدوارها الطبيعية في تشكيل هذا النموذج الإنساني·
3 - إذا كانت "أحزان تموز" تشكل أثرا واضحا في معتقدات السومريين والبابليين، فإنه من المحاكاة التاريحية أن نجد التشابه في عادة الحزن والبكاء على تموز بين العبرانيين (اليهود) أيضا، وذلك من خلال وجود العبرانيين أنفسهم في بابل أثناء الأسر البابلي الذي حدث مرتين خلال حكم الملك "نبوخذ نصر" (562- 605 ق·م)، إذ تذكر نصوصهم بهذا الخصوص أن النبي ذا الكفل (حزقيال) جاء "إلى مدخل بيت الرب الذي وجهته الشمال وإذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز" ويعود زمن هذه الإشارة إلى عام 590 ق·م· 4 - وأخيرا، إذا كانت الصورة الإنسانية المعذبة قد ألقت بظلالها على الأساطير والطقوس العقدية في عصر تاريخ العراق القديم، فإن رحاها مازالت تتكرر في مآسيها ومشاهدها في تاريخ العراق الوسيط والمعاصر· وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أثر الجغرافيا والبيئة الطبيعية في تكوين هذه الصورة الإنسانية المعذبة على مر العصور·
" بخصوص مجمل هذه الآراء انظر:
1 - فاضل عبدالواحد علي، من سومر إلى التوراة، دارسينا للنشر في 1989م، ونقلا عن:
Kramet "The Curse of Agade -In anet (Third
p.p 646 -65 Edition)
2 - أنظر الترجمة العربية للأب إلبير أبونادر· وليد العبد الجادر، المعتقدات الدينية في بلاد وادي الرافدين - مختارات من النصوص البابلية 1988م، ص 122 وما بعدها·