" نفوذ الصهاينة المسيحيين في أمريكا أخطر من نفوذ الصهاينة اليهود
" حزب الليكود يُهزم في إسرائيل لكنه يظل القوة المهيمنة في واشنطن
بقلم: دنيال بايبس
(كاتب ينتمي إلى الجناح اليميني المحافظ، أثار ترشيح إدارة بوش له أخيرا لعضوية مجلس إدارة "مجلس السلام الأمريكي" جدلا واسعا ورفض الكونغرس المصادقة عليه بسبب أفكاره العنصرية المناوئة للعرب والمسلمين)·
أصابت الدهشة الكثيرين في الشرق الأوسط في أوائل عام 1994 حين اتخذ بعض أبرز السياسيين الأمريكيين كالسيناتور جيسي هيلمز (جمهوري من كارولينا الشمالية) وعضو مجلس النواب نيوت غينغريتش (جمهوري من جورجيا) مواقف أكثر صرامة وتعنتا تجاه الفلسطينيين من مواقف الحكومة الإسرائيلية آنذاك·
لقد كانوا - على سبيل المثال - أكثر تمنعا من إسرائيل، في السماح للمساعدات المالية الأمريكية أن تذهب إلى منظمة التحرير الفلسطينة، كما أظهروا رغبة أكبر (من إسرائيل) لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس·
وقد رصدت صحيفة "الشرق الأوسط" التي تصدر في لندن باللغة العربية هذا اللغز المحير، حين أشارت (عام 98) إلى أن حزب الليكود (الحزب القومي الأكثر تشددا في إسرائىل) "هُزم في الانتخابات في إسرائيل لكنه مازال يهيمن على السلطة في واشنطن"·
ويبدو هذا الوضع واضحا هذه الأيام، حيث يعارض زعماء مسيحيون من أمثال غاري باور وجيري فالويل وريتشارد لاند مشروع "خارطة الطريق" على نحو أشد من معارضة نظرائهم اليهود· ولكن هذا التضامن المسيحي القوي مع إسرائيل يجب ألا يصيب أحدا بالدهشة لأنه يجسد شكلا مسيحيا من الصهيونية يزيد عمره عن قرنين من الزمن·
لقد بدأ التأييد المسيحي لقيام دولة يهودية أصلا في إنكلترا، وأصبح يشكل حركة مهمة في العصر الفكتوري· وفي عام 1840، أوصى وزير خارجية بريطانيا لورد بالمرشتون "بقوة" بأن تقدم الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكم فلسطين آنذاك، "كل التشجيع ليهود أوروبا كي يعودوا إلى فلسطين"· وفي عام 1853، أطلق اللورد شافتزبري العبارة المشهورة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"·
وعد بلفور
وجمع جورج إليوت هذه الأفكار في رواية كتبها مع دانيال ديروندا عام 1876· وفي عام 1891، كتب السير جورج آدم سميث في كتابه الشهير "الجغرافيا التاريخية للأرض المقدسة" إن العثمانيين يجب أن يطردوا من فلسطين وإحلال اليهود "الذين قدموا لفلسطين كل قيمة تاريخية أسهمت فيها إلى هذا العالم" محلهم·
وشهد العام ذاته (1891) ما يمكن اعتباره أكبر دعم مسيحي مبكر في الولايات المتحدة لقيام دولة يهودية· وتمثل ذلك في "مذكرة بلاكستون" وهي عريضة حملت تواقيع 418 شخصية أمريكية بارزة، بمن فيهم رئيس المحكمة العليا ورئيس مجلس النواب، وأعظم الصناعيين في ذلك العصر من أمثال روكفيلر ومورغان وماكورميك، ورجال دين بارزين وكتاب وصحافيين مشهورين·
ووجهت تلك المذكرة إلى الرئيس الأمريكي بنجامين هاريسون ووزير خارجيته جيمس بلين وطالبتهما "باستخدام منصبيهما ونفوذهما لضمان عقد مؤتمر دولي في وقت قريب لبحث وضع الإسرائيليين ومطالبتهم بفلسطين باعتبارها موطنهم القديم"· واستنادا إلى المؤرخ بول تشارلز ميركلي، فإنه كان لتلك المذكرة أعظم الأثر في غرس فكرة أن ترعى الولايات المتحدة مفهوم العودة اليهودية إلى فلسطين في أذهان الكثيرين بقوة"·
وربما كان وعد بلفور في نوفمبر 1917 الذي عبرت من خلاله الحكومة البريطانية عن رغبتها في "إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين" الخطوة الأهم التي أقدمت عليها الصهيونية المسيحية· وقد يليها في الأهمية، اعتراف الرئيس الأمريكي هاري ترومان بإسرائيل رغم معارضة أغلبية أركان إدارته· ويرى مايكل بنسون كاتب سيرة حياة ترومان أن وجهة نظره المؤيدة لإسرائيل "كانت مبنية أساسا على أسس عاطفية وأخلاقية وإنسانية والتي كان الكثير منها نتاجاً للتنشئة الدينية للرئيس ترومان ومعرفته بالإنجيل"·
(إن ما كشفت عنه المذكرات اليومية التي عُثر عليها أخيرا في مكتبة ترومان وما تضمنته من وصف لليهود بأنهم أنانيون ولا يعبؤون بمعاناة الآخرين طالما أنهم يحظون بأوضاع جيدة، إنما تجعل موقفه من الصهيونية أكثر غرابة ومدعاة للبحث)·
رصيد استراتيجي
لقد بدأت وسائل الإعلام أخيرا، تسلط الضوء على الصهيونية المسيحية وكأنها شيء جديد· (وقد ورد في مقالة رئيسية في صحيفة وول ستريت جورنال تحت عنوان "كيف أصبحت إسرائيل القضية المفضلة لليمين المسيحي المحافظ؟")·
بيد أن الشيء الجديد حقا هو كيف أصبح الصهاينة المسيحيون يشكلون العمود الفقري لدعم إسرائيل في الولايات المتحدة، وكيف أصبحوا أكثر موالاة لإسرائيل وأكثر صهيونية من الكثير من الصهاينة في المجتمع الإسرائىلي·
ولمن يتساءلون لماذا تنتهج واشنطن سياسات تختلف كثيرا عن السياسات الأوروبية، فإن جزءاً كبيراً من الجواب هذه الأيام يرتبط بالنفوذ الذي يتمتع به الصهاينة المسيحيون في واشنطن، والذين يصبحون أقوياء بصورة استثنائية حين يكون سيد البيت الأبيض رجلاً من المحافظين الجمهوريين مثل جورج دبليو بوش· (وبالمقارنة، فإن الصهيونية المسيحية أصبحت شبه ميتة في بريطانيا)·
ويقر بهذه الحقيقة أحد الكتاب المناهضين لإسرائيل وهو غريس هالسيل الذي يعتقد أن نفوذ الصهاينة المسيحيين "أكثر خطورة" من نفوذ الصهاينة اليهود في واشنطن· ويمكن القول إن الصهاينة المسيحيين يمثلون الرصيد الاستراتيجي الأكبر للدولة العبرية بعد جيش الدفاع الإسرائيلي·
عن نيويورك بوست