رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 3جمادي الآخر1424هـ-2 أغسطس 2003
العدد 1588

دراسة

في مجموعته القصصية "جروح منفضة السجائر"

الفارسي بلغة مكثفة وحبكة تجريبية يحرض مجتمعه على تغيير "الحالة"!!

(1-2)

 

آمـــنة بنت محمد البلوشي ···(سلطنة عمان)

 

(( ليست وظيفة الفن أن يدخل الأبواب المفتوحة، بل أن يفـــتح الأبـــواب المـغلــقة))

( أرنست فيشر)

((العمل الفني وسيلة للاقتراب من الحياة، بطريقة غير مباشرة ومحاولة لاكتساب رؤية عامة وليست جزئية للعالم))

(هنري ميللر)

((الكتابة هي فن الإيجاز، وأن تجيد الكتابة معناه أن تجيد الاختصار، وأن تعرف كيف تتحدث باختصار عن الموضوعات الكبيرة))

(يرميلوف ــ فلادميرـ تشيكوف)

 

(1)

 

من خلال عبارات ((أرنست فيشر، وهنري ميللر،و تشيكوف )) ندخل إلى المجموعة القصصية ((جروح منفضة السجائر)) للقاص ((عبد العزيز الفارسي)) والتي صدرت عن دار الكرمل للنشر والتوزيع لعام 2003 بتلك المجموعة التي تتسم بحداثية التجريب من الشكل الهندسي نعبر نحو روح الرواية في المجموعة وقصص ((الحالة)) وأقصد بقصص الحالة هم ((بورخيس الأرجنتيني، وزكريا تامر، نجيب كيالي، مروان المصري، ضياء قصبجي·· وآخرين·· وقصص الحالة تشبه القصص القصيرة جدا وتعبر عن موقف طارئ أو جزئية اجتماعية، سياسية، الخ وتنفرد  القصة من هذا النوع بأن الحبكة القصصية تكون واضحة وبسيطة ولكن المضمون عميق واللغة مكثفة تكثيفا موجزا··· ويأتي دور كاتب القصة (الحالة) بأنه يثير (المتلقي ـ القارئ) نحو "الثيمة" والتي تبدو كمحرض للتغيير بأسلوب غير مباشر وأغلب الأحيان دافعا نحو التأمل في "الثيمة" التي تلتصق بالذهن وتبدو لزجة لا يمكن الابتعاد عنها وجاءت المجموعة القصصية (جروح منفضة السجائر) نثرية السرد وأبدع القاص في ملامسة شتى أنواع السرد بأسلوب ملاحظ، وراو، ومشاهد، وكشخصية محورية لكن فقط من خلال صوت ((الضمير المتكلم،))  وتلمس مواقع الألم في المجتمع بأسلوب حكائي  وشهق رؤى وكأنه يقول بتلك الشهقة انظروا ما يؤرق مجتمعكم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب البشر وتكوم القاص بتلك الرؤى في نثر السرد الدائري والإنشائي التشكيل وظل يحفر في مواقع الألم حتى سلب دخان السكينة من أذهاننا وأصبحت المجموعة مثل اللوحة التعبيرية تنفض غاياتنا التي انسربت في الوهم لنتراجع نحو الخلف ونحاور ذاتنا ونصعد نحو الأخيلة الخاصة بنا وشق تلك القوقعة بعناوين شاعرية تمثلت بها لغة عاطفية مؤثرة وترانيم فكرية تحث على التأمل في سقف (عبد العزيز الفارسي) ونثر مفاتيح التأمل "المسيرون، الخبزة الأولى محروقة، تلاشي حنين اغتيال البنفسج، خوض، نسيان، صياغة أخرى للنسيان، سرمدية عيد، أين من عانق الغريب وهاجر، نقلات شطر نجية باتجاه خديجة، حتى إشعار آخر، حيث انعطاف الذاكرة، بعيدا لنكتشف نهاية السماء، جروح منفضة السجائر، انتظار ، سبعة أشواط حول الضياع"·

 

(2)

 

بتلك المفاتيح يفتح ثقبا نحو وجه حقائق ومواقف ويلفظ حالة الخلجات النفسية في بؤرة الكشف والتحليل ويمضغ بعض التفاصيل بأسلوب مكثف للحدث ويجعلنا نحلم بأن نكون داخل الأرحام مرة أخرى! ولا يطلب منا القاص البحث عن النصف الآخر للحقائق والتي تحملنا نحو تناقضات المجتمع وإنما يسكننا الانتظار من النهاية المفاجئة أحيانا وفي أغلبها يحاصرنا القاص ببوتقة الحزن حتى يشق الحزن نفسه ويتسربل تجاه القلب وتنصهر بأودية جافة ونحلم بغسل الخطايا ولكن نتعثر بين الذات والوجود·

ويأتي القاص ليتدخل في إيجاد النهاية ليؤكد على وجود الشراع الآخر حتى في منعطف الذاكرة!

سقف القصة: (المضمون، الشكل والتصنيف، المحور):

سقف القصة يدور في ثلاث زوايا، المضمون، الشكل، التصنيف، المحور (الهدف من المجموعة)· ماذا أراد أن يضيف القاص من خلال المجموعة التجريبية؟

وهل يعتبر المجموعة من مصنفات القصة التقليدية أم هي قصة (حالة) وتلتصق بها إحداثية التجريب؟·

المجموعة تمحورت حول صيرورة الإنسان··· كيف ذلك؟

بثلاث أطروحات نبدأ الانبلاج نحو المجموعة القصصية (جروح منفضة السجائر) أولها أطروحة أدبية ونجد أن القاص حاول في قصصه إضافة تغييرات عميقة في مضمون المجموعة القصصية لكن هذه التغييرات لم تطرق باب الشكل الهندسي للقصة وإنما لامست الحافة فقط ولكن أبدع القاص في التجديد من خلال المضامين  وأضاف مضامين جديدة لم يتطرق إليها البعض إلا ومر عليها مرورا عابرا اكتنز رؤى مغايرة اجتماعية نفسية فكرية، وحملت بعض المضامين عناوين شاعرية مثل ((الخبزة الأولى محروقة)) لكن تحفل تلك القصة بحبكة عميقة ومضمون واقعي إلا أن القاص جعل النهاية مثخنة بطيف الحاضر والغائب نستطيع أن نتلمس خطوات (راشد) أو نسكن في حكايته دون أن نتلمس حقيقته وبتلك الصيرورة جعل القاص (القارئ _ المتلقي) وبتلك الصيرورة في الحبكة يؤكد قدرته في التقاط الحالة والتلميحات الخاصة بالحقائق والتفاصيل التي تلزج في حالة انفجار وكل ما قام به تفتيت الحالة إلى أجزاء ثم محاولة كشف المكنون الرئيسي الذي جعل الشخصية بتلك الحالة  وهنا القاص بتلك التقنية في النهاية جاء محكما متقنا مكثفا من جانب السرد وتعامل مع الحالة بإنسانية وتموجت منها دلالة على ذاتية الإنسان وقيمته كإنسان··· والنهاية عبارة عن إيحاء عن حياة دائرة الذات الإنسان وكيف وصل إلى صيرورة الهروب من كل شئ؟ هل هو هروب من الواقع المؤلم الذي ورثه من أسرته أم هو هروب من نهاية العمل الفني للقصة وأقصد القاص طرح الرؤى لكن لا يستطيع إيجاد الحل "لراشد" وحتى لو وجد حل أعتقد سيؤثر سلبا على الحبكة وبنهاية مكشوفة وهكذا يجعل القاص (القارئ - المتلقي) يبحث عن تفاصيل الهروب هل هو هروبنا نحن من الحقيقة أم هو هروب الشخصية من المجتمع حيث الشخصية الأدبية (راشد) توارث الهروب من أسرته ! ولكن ما علاقة (الخبزة الأولى المحروقة بهروب راشد)؟! ربما كلاهما يمثل اللذة حيث الخبزة الأولى محروقة ولكن ألذ من بقية الخبزات! والهروب أحيانا لا يعني استسلام وإنما حتى لا نصل إلى الهاوية وبتلك اللذة والتحليق نحو خط آخر غير الخط المتوارث تصبح العلاقة إشباعا للرغبة!·

كما نجد أن المجموعة القصصية (جروح منفضة السجائر) اتصفت بالنهايات المقنعة لسببين اولهما أدبي والثاني ذاتي وخاص برؤى القاص··· فمثلا النهايات حملت المضمون والثيمة التي تدور حولها حالة القصة··· والتصقت النهاية بكتابة نهاية مقنعة والتصقت مع رؤى القاص

 

(3)

 

وبهذا الأسلوب طرح القاص رؤاه الفكرية في أغلب قضايا الإنسانية التي التقطها من أغوار النفس·وأصبحت النهايات في القصص تحمل غاية وهدفا وتختصر الثيمة في عبارات كما في قصة ((تلاشي الحنين·· اغتيال البنفسج)) ((فليسقط الحلم/فليسقط الحنين/فلتسقط دانة وسخافات تأويلها)) ص ــ 34 ـــ 35·

وفي قصة (بعيدا لنكتشف نهاية السماء) ((هاج المساء فجفت مياه الواحة/ارتعشنا فانتحرت الشمعة/أنا وهديل في ضيافة المساء/فوقنا سماء مرصعة بالجموع/وتلثم جسدينا/أرض تنضح بالغواية/صامتان نتجاذب الأنفاس)) ص ـــ 82·

والنهايات تناوش ذهن المتلقي وتحث على التأمل وبتلك التقنية يقوم بتحريك الشخصيات نحو الأفضل وتحريك الدوافع الموصدة في أغوار النفس ليتحرك الوعي الداخلي···

وهنا الكاتب يذكرنا بقول "جارودي" في العمل الفني ((أن العمل الفني يمكن أن يكون عبارة عن شهادة جزئية للغاية وذاتية إلى أبعد الحدود عن علاقة الإنسان بالعالم في فترة معينة، ومع ذلك فمن الممكن أن تكون هذه الشهادة أصيلة وعظيمة))···

فجارودي يقصد بأن القصة تحتاج إلى قدرة إبداعية في التقاط الأحداث والخبايا وإحساسات الأفراد وحالات الاغتراب النفسي بشكل خاص··· فالقاص أبدع في إثراء العمل الأدبي والفني خاصة في النهايات·

وفي قصة "المسيرون" من يسير شخصيات القاص في العمل الأدبي هل هو خيال القاص الخصب الذي جعله يختار الآفاق المغلقة الوعرة بدلا من الفضاءات التي ثقبت من قبل؟ أم بسبب الغاية والنزعة التي يحيطهما القاص في مجموعته؟ حيث النزعة الخاصة كانت تتغلغل في إزالة الضعف من الشخصيات مما جعله يبحث عن نزعة الاستمرار والتجديد في ذاته والشخصيات آلت نحو كينونة السير ولكن أين؟

فالكل مسير حتى اختلت الأشياء حوله وترقرقت فالقاص في تلك القصة يتحدث عن هواجس معينة تولدت في تكويناته الفكرية والقاص يأتي بتلك القصة كحالة احتجاج لدفع التمرد خارج الفكر وهنا تكون الكتابة·· لها هدف  وهنا يذكرنا القاص بالكاتب (موباسان) لوجود حكاية ونهاية محكمة للعمل الفني وهو برغم اختياره مواضيع واقعية إلا أنه يركز في جوانب وحالات من الخيال لماذا؟ وهنا نجد ذاتية القاص الذي كان بوعي فكري وهذا الوعي يعمق في النهايات

 ونضيف عبارة الكاتب (خليل السواحري) في نهاية المجموعة

((يمزج عبد العزيز الفارسي في عالمه القصصي ، وبطريقة بارعة بين حركة الحدث الخارجي وانعكاساته على الحياة الداخلية لشخوصه واستجاباتهم الذهنية الواعية وغير الواعية لهذا الحدث))·

وكما يقول القاص "إبراهيم عبد المجيد"

((ابدأ في كتابة مشهد أو حكاية عندما استدعي حالات روحية عذبة أو معذبة وتبدأ أيضا من ذكرى مفاجئة وأحيانا تبدأ من إحساس شديد بالحصار والصنيعة فجأة أكتشف أني ما خلقت للسكون أو الكسل وأن كل ما حولي رتيب ممل ويرتفع في صدري إحساس عريض بالضيق مما حولي وتنتابني الرغبة في البكاء ))

 بتلك العبارة نجد أن القاص (عبد العزيز) يكتب من اكتشاف حالة متمردة في خلجاته، نقطة كتابة تلك الحالة تعني التحرر وعندما يبدأ التحرر من فكر يؤول نحو الورق فإن التدخل لن يكون إلا في إيجاد نهاية توحي بعدم الاستسلام والنهايات تتسم بالواقعية والخيال الخصب·

 

(4)

 

وفي قصة  (تلاشي الحنين ···اغتيال البنفسج) بدأ القاص بمنولوج درامي بصوت الضمير المتكلم الذي يأمر المنتظر يغمض عينيه ولكن بدأ القصة من حيث انتهت نهاية المنتظر وكأنه في حالة العتاب

((أغمض عينيك يا منتظر/لا الأرض ملكك ولا السماء/أنت من بطن الغواية تأتي وللرحيل ملامحك/أغمضهما فلست محتاجا لأن ترى وما ترى؟/تكالبوا عليك تكالبهم على القصعة وأنت ساكن/لم تغير شيئا ولن ····)ص ــ 2 وهذا المنولوج تمثل في دفتيه لغة جوا نية حسية وكأنها تعيد تقاسيم الروح ولا يرغب الشخصية أن يترنح وراء الظل فقط ، حتى لو لم يصل إلى غاياته ·

((حين كنت تتأمل المرآة قبيل الفجر/بعد انتهاء مكالماتك المطولة مع دانة/كنت تسأل:

إلى أين يا منتظر؟/بدأت تغزوك نار القبيلة/تحرق كل مغامر فلا تجازف بقلبك عند بناتها/أولئك الذين لم تنصفهم قرعة القبائل/قبل الميلاد لا يحق لهم المطالبة بطحن القبيلة أو طبخها في مراجل المساواة/···)) ص ــ 30·

بتلك العبارة يمنحنا القاص فرصة الاختيار إما أن نتعاطف مع (دانة) والتي دائما تؤول نحو مواعيدها أو ننتحل من أنفاس الآخرين قوتها الداخلية وتتركهم في حالة قلق وتظل هكذا حتى تنشئ مدنا أخرى (شخصيات) ووجوه شتى··· أو يمنحنا فرصة البقاء وبأسلوب غير مباشر بأن نقتلع الشخصية الأدبية (دانة) من الذاكرة حتى لو في الحلم لأنها تصطنع الحب!

((إيه يا ابنة أرباب المال/قلبي ليس دمية في يديك/لن أكون بعد الآن عاشقا لغوايتك/اتركي غيري ليعبر فوق جسدك···)) ص ــ 33·

 وفي قصة (حيث انعطاف الذاكرة) القاص في مضمون القصة لا يؤول بالسارد نحو الاستسلام للحزن وإنما يجعله ينعطف نحو القوة عن طريق شخصيته الأدبية (سلطان) وهو

الغائب والحاضر في والانعطاف دلالة على عدم الاستسلام ويصر السارد بأن يتشبث بجدار الأمل من خلال رفع نظره إلى السماء فهنا نجد أن الطرح الفكري من قبل القاص نحو التأمل لبلوغ الغاية ووجود الشخصية (سلطان) في الذاكرة يعني أن القاص يختزل الذات المهشمة ويلتصق بذاكرة الغائب والحاضر وبالتالي يتدخل القاص كمساعد للسارد حتى لا تنتهي حياته بالاستسلام والوقوع في الذات المهشمة وهنا يطبق القاص التأمل الاستبطاني·

وأبحث في بواطن النفس عن مصدر القوة··

((- لم ترني ···لكنا التقينا/انظر إلى عينيك/أنهما تحملان نفس الذي أحمله في عيني/رأيتك في بحثي كثيرا صديقي/إنا نعرف بعضا من مليون عام/·····)) ص ــــ 71·

وفي مقطع آخر يقول ((عيرتني الذكرى وكلماته/آويته إلى صدري/أثلج صدري وجوده/وحدث أن غمزني نور شديد/رفعت رأسي فرأيت سلطان يجلس حيث منعطف الذاكرة····)) ص ــ 76·

إذا( سلطان) يعتبر المعادل المكافئ للفرح فالبحث عنه لم يكن عبثا فالقاص يتحدث عن خلجات النفس التي تبعثرت وكأنه يجمعها من خلال الذاكرة والبحث عن مصدر قوته!

وكما يقول الدكتور (محمد غنيمي هلال) ((بأن الأدب شكل ومضمون مختلطان لا يتميز أحدهما عن الآخر في الخلق الفني وفيما لا يتجاوز الفني نطاق الحقيقة وفيها يجب أن يغوص الفنان في واقعه ليتجاوزه))

والقصة تتمثل بين فواصلها "ثيمة" البحث عن الذات عن طريق الوعي لأنه لا يوجد هدف من دون وعي ولا وعي من دون الذات المتمثل فيه قوة البقاء وعدم الاستسلام ولا قيمة لذلك كله

 

(5)

 

إذا تهشم الوعي وثم الذات حتى يغور في لا شيء ···ومحاولات القاص في تجاوز الواقع من أجل تحقيق غاية النفس واستطاع أن يستدرج (القارئ ــ المتلقي) نحو "الثيمة" التي تنوعت في القصة ((الاغتراب، البحث عن الذات، ارتشاف قوة الأنفاس من الذات الآخر))·

بالإضافة إلى لغة الوعي تضمن أيضا أسلوب المواجهة غير المباشرة وهذا ما نجده في قصة ((خوض)) انتقد الوضع ولكن بأسلوب غير مباشر

 ((أعطيت العلبتين للشاب/فرفع يده بمحاذاة أذنه شاكرا لي/وهم بتقبيل يدي فمنعته/قالت العجوز: يقول لك شكرا/إنه لا يسمع ولا يتكلم/ليس لي من ولد غيره/تقاسما ما تبقى في العلبتين وانطلقا إلى المحل التالي/···)) ص ـــ 39

كما لاحظنا أن النهايات تمثلت في طياتها رؤى خاصة وكأنها استنتاجات من تجربته الشخصية···ونذكر هنا رأي الكاتب (خليل السواحري) في نهاية المجموعة ((ولا نعدم أن نجد بين ثنايا قصصه استنتاجات قلما نجدها في أعمال القصاصين الشبان، ويبدو أن التجربة والقراءة قد أغنتا سرده بالكثير من الحكم والأقوال المبتكرة من نحو إن لم يكن لك هدف تحيا له فجد لنفسك هدفا تموت من أجله)) وكما أكد أقواله في نهاية  أغلبية القصص ومنها قصة ((الخوض))

 ((هكذا لن يتلاشى شيء في فم هذه الأرض)) وبتلك العبارة الأخيرة جعل الحزن يلف القصة ويتسربل واهنا علينا حتى لم يعطنا فكرة الاصطدام بالواقع  وجعلنا نشعر بالخجل حتى استقرأ الدهشة حولنا! حيث القاص قام بكسر الحواجز التي خشي الكثير أن يعبرها ·

التجديدات الفنية في المجموعة :

ما التجديدات التي أضافها القاص في القصة بشكل عام؟

  نجد أن أهم تجديد كان في رؤى وتجاوزت أسلوب الحداثة التجريبية وهنا أقصد أن القاص يواجه القضايا بأسلوب يجعلنا نشعر بالوجع ويثير دهشتنا حول تفاصيل لم نفكر بالكتابة عنها! فكيف نبحث عن ذاكرتنا! حتى نلتصق به لمجرد البقاء! فكيف يبحث عن الشخصية (سلطان) ذلك الغائب عن القصة لكنه حاضر بقوة ···وكيف قام بقتل خديجة على الورق لمجرد أنه أراد الانتصار فقط في لعبة شطرنجية؟

كل هذه التساؤلات تحتاج إلى دراسة ونحن في هذه القراءة نحاول كشفها وحتى نشعر بأننا فعلا نملك مبدعين لديهم قدرات الإبداعية (لفرويد) وحالات تشبه (حالات بورخيس وآخرين)··· لكن يظل السؤال يلاحقنا أين هو التجديد الذي أضافه ؟ هل هو في اختيار رؤى خاصة لها علاقة بالمكنون النفسي؟ أم التجديد في النهاية المقنعة؟

وحتى لو لم يكن هناك تجديد في النهاية لكن يكفي أن القاص دمج بين الواقع والتأمل الاستبطاني عن طريق الخيال وجعلنا نشعر بالاقتناع من النهايات هذا يعتبر تجديدا فنيا وجاء بوعي فكري و أضاف نهايات تحث على التأمل في رؤاه الخاصة ولقد تنوعت الرؤى بين الفكرية والاجتماعية·وهكذا كان ينثر الاغتراب والتهشيم الداخلي وأغوار النفس المحطمة ويبرز لنا المفاجآت في النهاية حيث يختار نهايات تؤول بنا نحو التأمل فيه فهنا التجديد فمثلا في قصة (صياغة أخرى للنسيان) القاص كان يبحث عن التجديد في أسلوب النهاية المكشوفة لكن يثير القلق وفي تلك النهايات يطالب بمشاركة ذهنية من قبل (القارئ ــ المتلقي)

 

(6)

 

"حركت لسانها لتزيح بعض الشعر والرمل/سرت قوة خفية في يديها/استلت يدها اليمنى/وضعتها على جانبها/ زحفت يدها على الرمل/بحثت عن كتفه/عن صدره/عن يديه/لم تجد شيئا···"

بذلك الوصف التمثيلي والتحليلي القاص يتدخل لإيجاد النهاية المحكمة وينفرد بأسس النهاية (الواعدة) وهي نهاية يتم التنويه بمخارج كثيرة من دون ذكرها صراحة بتلك "الثيمة" ينهي القاص قصصه ويقول في مقطع من القصة نفسها من دون أن يصرح بنهاية حاسمة·

(( أزاحت بيمينها الشعر عن عينيها/كان القمر مكتملا/أغمضت عينيها لتراه/···· أزاح الرمل عن وجهه وجفنيه فتح عينيه فرأى جزءا من القمر أغمضهما ليراها)) ص ـــ 45·

كما أضاف لغة الإثارة  في قصة ((نقلات شطرنجية باتجاه خديجة)) اعتمد على أسلوب ((التفــتــيـــت)) أو كــمـا يســــمى فـــــي الأدب ((Atomization))

وهذه الظاهرة أو الأسلوب من سمات الحداثة في القصة التجريبية حيث يقوم القاص بكسر الشكل الهندسي  وإعطائها أرقاما أو عناوين فرعية وهذا الأسلوب اتبعه الكثير من كتاب القصة في عمان ومنهم الكاتب (محمد الرحبي)) كما كتب في قصة ((ما قالته الريح)) لكن القاص ((محمد الرحبي)) اعتمد على المنولوج واللغة الشاعرية·· أما القاص فإنه كان ينقل (القارئ) نحو تكملة الحبكة والمحور يدور حول سؤال واحد وبالتنقلات الشطرنجية جعلنا القاص في دائرة المشاهدة لتلك التنقلات الدرامية· 

"وفتت القصة بتلك العناوين البسيطة ((وصف درامي مسرحي)) وثم نقلة أولى، نقلة ثانية، نقلة أخرى، تأبين، نقلة أخيرة"·

وكان ينتقل في التفتيت بتسلسل يثير الدهشة وكأنه أمام لوحة تعبيرية ينتقل من خط إلى آخر حتى يلمس زاوية لا يعجبه يقوم بتهشيم اللوحة

(( أتحين الفرصة المناسبة للاعتراف/أتعرفين اللؤلؤة يا سمراء؟/هو امتدادي/هو عشقي/أحبك/هاهو يتقدم يا خديجة/يا حلم الطفولة/لا يملك السلاح حتى يتخلى عنه أتقبلين/تتحرك نحوي يا أيها البيدق الأسمر/سأفكر/الرخ/تقدم عليك ألا تسلك طريق المواجهة/حاول الإلحاح بالضغط عليها من الجوانب/خديجة أتقبلين/أطلت الملكة على استحياء لا مانع/ ····)) ص ــــ 55 ـــ 56·

والحبكة في تلك القصة تم تكثيفها إلا إنها حملت العمق في دائرة السؤال وكل التنقلات الشطرنجية من أجل إجابة بالقبول أو الرفض ···ولكن تموت خديجة على ورق وفي ذهن القاص لا لأنها لامست الانتصار !· وكتاب القصة في عمان اعتمدوا على التفتيت أولا لإيجاد حدث جديد في القصة وثانيا مسايرتهم للآخرين في تحديث القصة وطرح هواجس القلق وأغلب من اعتمد على ظاهرة التفتيت أيضا القاص (يونس الأخزمي) كما نجد في قصة (موجة البحر) والقاص( سالم آل تويه) في قصة ((شيء اسمه الموت))·

 وفي قصة (أين من عانق الغريب وهاجر) تمثلت في طياتها الرمز  و لحف المضمون بالغموض حيث كلمة الغريب وهاجر يثير التساؤل حول "الثيمة" الرمزية اللذان يحيطان أكثر في أسيجة (الجسد والروح) و ((الموت والحياة)) معا والغاية في نفس القاص ··!

((طبعت هاجر قبلة على كتفي الأيسر/وسرى شعور كالهزيمة داخلي/وتناست يدي الستارة/فعادت إلى موضعها السابق/واختفى الشارع/استدرت نحوها/تأملتها/قالت بعد لحظة غياب/···

ـــ أتأكد من وجودك فقط خشيت أن يسبقني الغريب إليك أما زلت تفكر في عناقه؟

ـــ لم أنس ذلك لحظة

ـــ وتتركني ؟!!!!

 

طباعة  

كتابة