
أصدرت جمعية الحقوقين العراقيين بيانا أكدت من خلاله أن تشكيل مجلس الحكم الانتقالي جزء من طموحات الشعب العراقي وخطوة إيجابية نحو الأمام من أجل استعادة العراق لسيادته واستقلاله، وعودته إلي مكانته الطبيعية لممارسة دوره الوطني والعربي والدولي، والعمل على توفير الأمن والاستقرار وتفعيل مؤسسات الدولة ورفع المعاناة الإنسانية والنفسية عن الشعب العراقي بعد عقود من القهر والإذلال بسبب تلك الأوضاع الشاذة وشيوع ثقافة سياسية مشوهة ووعي سياسي زائف يعتمد النموذج الدكتاتوري كممارسة للسلطة السياسية المهيمنة على جميع السلطات الأخرى في الدولة·
وأضاف البيان أنه في الوقت الذي استبشرت فيه الجمعية بهذا المجلس خيرا كبقية المؤسسات والمنظمات الوطنية غير الحكومية، إلا أنها ومن باب حرصها على نجاحه ومشروعية أداء مهامه وارتقائه إلى مستوي مسؤولياته الجسام، تبدي بعض الملاحظات والتحفظات على طريقة ممارسة المجلس لاختصاصاته·
ففي أول اجتماع بعد تعيين أعضائه أقر المجلس تشكيل هيئة لغرض إنشاء محكمة جنايات عن الجرائم الدولية التي ارتكبها صدام وأركان نظامه·
وهنا ترى الجمعية أن هذه الممارسة خارج الصلاحيات المخولة لمجلس الحكم، فالمجلس يستمد شرعيته من قرار الحاكم المدني الأمريكي "سلطة الاحتلال" الذي استخدم صلاحياته بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1483 في بناء المؤسسات الوطنية والمحلية تمهيدا لقيام حكومة عراقية منتخبة، تحظى باعتراف المجتمع الدولي، وقد حدد الحاكم المدني الأمريكي صلاحيات هذا المجلس بما يلي:
- ترشيح بعض الوزراء
- ترشيح الممثلين الدبلوماسيين
- إقامة استراتيجية سياسية والتصويت على الميزانية واحتفظ الحاكم بحقه في استخدام حق النقض "الفيتو" لأي قرار يتخذه المجلس·
وتبعا لطبيعة هذه الصلاحيات فإن سلطة المجلس ليست سوى "سلطة تنفيذية" مقيدة بحدود معينة لا يمكن تجاوزها، كما فعلت بإقرارها تشكيل هيئة لغرض إنشاء محكمة جنايات عن الجرائم التي ارتكبها صدام وأركان نظامه·
هذا التجاوز لا ينسجم قانونا مع المعطيات الراهنة للعمل السياسي من أجل بناء مجتمع حضاري وإرساء القيم والقواعد الدستورية للوصول إلى دولة القانون التي تعتمد مبدأ الفصل بين السلطات واستقلالها الكامل أساسا لها، وبناء المجتمع المدني الديمقراطي·
كما أن الجرائم الدولية "جرائم الحرب، جرائم الإبادة الجماعية، جرائم ضد الإنسانية، وجرائم العدوان"· التي تقع تحت أحكام القانون الجنائي، وبالتالي فإن الاختصاص للنظر فيها ينعقد بتخويل من مجلس الأمن، إما بتشكيل محكمة جنايات دولية على غرار محكمة رواندا أو يوغوسلافيا السابقة أو إيجاد صيغ قانونية أخرى كتشكيل محكمة جنايات مختلطة أو غيرها· لذا فإن قرار مجلس الحكم الانتقالي يفتقر للأساس الشرعي الدولي ما يؤدي إلى أن تعترض عليه المنظمات الدولية، بالإضافة إلى تناقضه مع مبدأ الاختصاص·
وأشارت الجمعية في بيانها إلى ما جاء في "مشروع العدالة الانتقالية لمستقبل العراق" الذي أنجزته الجمعية بجهود عدد كبير من الخبراء والأساتذة والحقوقيين العراقيين والأجانب من ضرورة تأسيس مجلس القضاء الأعلى، إلى جانب مجلس الحكم الانتقالي لتكريس استقلالية القضاء ومباشرة مهامه بكل حياد ونزاهة وموضوعية ليكون اللبنة الرئيسية في بناء الديمقراطية، حينذاك سيكون من مهامه الأساسية تشكيل المحاكم واللجان التحقيقية ولجان الحقيقة والمصالحة للتحقيق ومحاكمة أركان وأتباع النظام البائد·
وأكدت الجمعية أن تحقيق الفصل بين السلطات في الدولة وإرساء قواعد ومؤسسات المجتمع المدني من الآن، هو ضمان للحقوق المشروعة الآنية والمستقبلية ولقطع الطريق أمام كل من تسول له نفسه العودة إلى تقاليد وممارسات سلطة الدكتاتورية والإرهاب التي من شأنها دائما تذويب جميع السلطات في الدولة في بوتقة السلطة السياسية لتقطع الطريق أمام بناء مجتمع العدالة والديمقراطية·
ودعت الجمعية إلى العمل من الآن لبناء المجتمع العراقي على أسس سليمة للوصول إلى مصاف الدول المتقدمة، لا سيما أن شعبنا يتمتع بجميع مستلزمات ومقومات شعوب العالم المتمدن·