رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 26 جمادى الأولى 1424هـ -26يوليو 2003
العدد 1587

كتابة

عودة  الراوية إلى شعبه

 

 

بقلم: محمد الأسعد

في أسطورة "الراوية" للكاتب البيروني "ماريو فارغاس يوسا" استعارة جميلة فشعب الماشجوانجاس الأمازوني مشتت في أعماق الغابات يتجول دائما ليحفظ للوجود توازنه، أو حرفيا حتى لا تسقط الشمس ويختل نظام الأشياء، ولكن ما يبقي على وحدة هذا الشعب رواة يتنقلون بين جماعاته المتفرقة ويصلون بينها، وبين تاريخها، وبينها وبين أسلافها، بحكاياتهم إنهم ينقلون الرواة أياما وأسابيع، ويقطعون المسافات الشاسعة، ليصلوا إلى جماعات هذا الشعب المتناثرة، ويسهرون معها قمرا بعد قمر، ثم يواصلون الرحيل·

هذه الاستعارة، ذكرتني بتجربة حية عشناها أطفالا في خمسينات القرن الماضي بعد شتاتنا الفلسطيني الكبير بوقت قصير، وأعادت إلي تلك الليالي، حين كان الأهل والجيران بل وكل من يستطيع الوصول يتجمعون ساهرين حول ضيف زائر قادم "من هناك" أي من فلسطين أو من جوارها، يستمعون إليه وهو يروي أخبار الغائبين، من ظل حيا ومن مات، من رزق بأولاد ومن لم يتزوج بعد، والأكثر أهمية كيف يعيشون وفي أي مكان· وأشعر الآن كم كانت حكايات هؤلاء العابرين الذين قد يرحلون في اليوم التالي فجرا، تمنح الساهرين قدرا مذهلا من البهجة والمتعة: بهجة أنهم أحياء وكذلك من يأتون على ذكرهم، ومتعة أنهم ليسوا مجرد شظايا بل أجزاء من شبكة أوسع تمتد عبر الزمان والمكان، شبكة شعب يستعيد قبل كل شيء صلات بعضه ببعض، وليس صلته بوطنه فقط، أو بالأحرى شعب يستعيد وطنه ويحيا فيه مجددا حين يجتمع شتاته في كلمات الراوية·

كان الأمر عفويا بالتأكيد، أو ابتكار أناس بسطاء يحيون تجربة ثمينة قبل قدم أصحاب النظريات، ولكن قصص الضيف المقبل "من هناك"، القصيرة والطويلة على حد سواء، لم تكن للتسلية كما يبدو، بل تتجاوز التسلية والترفيه إلى شيء مبدئي، إلى شيء "يمكن أن يقوم عليه وجود هؤلاء الناس نفسه" علي حد تعبير "يوسا" في استعارته لهذا السبب ربما حرصت أمهاتنا على رواية الأحداث وتذكيرنا نحن الصغار بالغائبين، الأقرباء والغرباء، الأموات منهم والأحياء، مع إصرار عجيب على ذكر التفاصيل حتى وإن تعلقت بموت الأرنبة أو جفاف البئر أو شدة برد ذلك الشتاء، وربما لهذا السبب أيضا تضاءلت القصص الخرافية في أحاديثهن وهيمنت حكايات الأيام الواقعية في البلاد مثلما كانت بأفراحها وأحزانها، وحكايات التشتت بأسماء الأماكن والناس·

كان الواقع الفلسطيني يتجلى في هذا الفعل البسيط: رواية حكاية، وكأن الحكاية تعادل الحياة ذاتها "من يحكي توهب له الحياة" أو كأن الذاكرة أصبحت مجالا لتجميع العلاقات، مجالا يجتذب إليه الأسر المتجاورة في هذا المخيم أو ذاك، ويجتذب إليه الجماعات التي فرق بينها الشتات·

ü  ü  ü

لم تولد الرواية الفلسطينية المطبوعة والمنشورة من هذه التجارب إلا في حالات نادرة جدا· فالكاتب الفلسطيني، شأنه في ذلك شأن الكاتب العربي في الغالب الأعم، تغلبه على تجاربه الحية مفاهيم مغلوطة عن فن الرواية، بل هو لا يرى تجربة إلاّ خلال إطار الكلام النقدي الشائع ومن نافذة الضجيج السياسي الفارغ· إنه أسير الكلام لا التجارب ولهذا لا تتجاوز روايته غناء طائر منعزل في شجرة لا يغادرها إلا لحضور مهرجان أو للمثول، كما يحدث في هذه الأيام، بين يدي دافع ثمن تذكر السفر· إنه لا يرحل في هذا الشتات الكبير، أو هو لم يعد يعنيه، وإن اصطدم به تجاوزه بسرعة وفي وقت يتحول فيه الوطن إلى صفقة ليس من المدهش أن يتحول الفن إلى صفقة أيضا·

لم يتحدث الروائي  الفلسطيني إلى الجماعات المشتتة وإن تحدث عنها أحيانا· كان يفضل الحديث والتلاوة والسهر بحضور آخرين يسعى إلى جلب انتباههم إلى الراوية لا إلى موضوع الرواية، لهذا استقى بواعثه من وسط غير وسطه بحثا عن دور وعن مجد لا معنى له يسمى النجاح الأدبي أو المكانة الأدبية ولهذا أيضا لم يفهم النقد المتكاثر، وبخاصة في سبعينات القرن الماضي، مغزى أقاصيص "سميرة عزام" ولا "غسان كنفاني" ولا "إميل حبيبي"، ولا رأى في سيرة "فواز تركي" المنشورة في السبعينيات ظاهرة جديدة، وأدرج كل هذا في إطار مفاهيمي لا علاقة له بمفهوم الرواية كأساس وجود شعب مشتت يود أن يحيا، أو بشعب يود أن يكون له رواته· كان الإطار مدى واقعية أو خيالية الرواية، أو مدى ثوريتها ولا ثوريتها، مدي اقترابها من الحداثة والأخذ بالأساليب المعهودة، أو مدى تطابقها مع شروط المرمزية الكبرى، وما إلى ذلك من هراء كان الراوية يرحل بعيدا عن الناس إلى دور النشر والنقاد وبلاط المتبطلين في منظمة التحرير لينال رواجا ومكانة·

هذه التجارب التي أشرنا إليها لم تكن سوى تلميحات أولية إلى منحى روائي ستغمره تيارات يدفع بها الى السطح نقاد وروائيون معزلون في أعشاشهم، لا رواة شعب مترحلين بين تجمعاته يجتهدون في وصل ما تقطع من علائقه، الصلة بالوطن أولا، وما عدا ذلك لا أهمية له، ويفسر هذا سقوط حكايات جماعات الشتات من الذاكرة، ودوران الصناعة الروائية وراء دائرة ضوء البلاط وأصحابه· فما أن ينتقل هذا من "عمان" إلى "بيروت" حتى تلف العتمة المشتتين في الأردن، وما أن ينتقل إلى "تونس" حتى يسقط المشتتون في لبنان في الظلام، كان الرواة يتسقطون مصدر الضوء ويتحلقون حوله· ولعل النقمة التي يصبها رواة المؤسسة هؤلاء على حياة شعب الشتات البعيدة عن الأضواء والاستهانة بعذاباته وتفاصيل ذاكرته، وصولا إلى تقديم نصائح ومشاريع بأساليب روائية فجة بدءا من حكاية "ليانة بدر" ومرورا بإنشائيات "رشاد أبو شاور" ووصولا إلى مصنوعات "مريد برغوثي"، هي التعبير الخالص عن ضلال إنساني وفني لم يكشف أحد عن سقمه حتى الآن·

ü  ü  ü

شعب الماشجونجاس الأمازوني، أو الشعب الفلسطيني حاليا، لا يجد إلا بالكاد بين مثقفيه من يساعده على ترميم ذاكرته وحفظ توازن عالمه واختراق المسافات بين تجمعاته ووصل ما انقطع من علاقات بين أماكنه، صحيح إننا نتذكر "الأيام الستة" الجميلة لإميل حبيبي، ولكن هذه الإشارات الأولية إلى ضرورة الراوية والرواية لم تجد إطارها النقدي والمفاهيمي، فظلت معزولة تماما تحت مقولات الراوية الذي يستفيذ من أساليب النثر الموروثة، الراوية الساخر أو المبدع، وغابت ملامح "سميرة عزام" في تضاريس النقد الذي لاحق رواة البلاط وكأنها لم تكن، تلك الملامح التي نقلت إلي في أي مكان أكون فيه حكايات وتجارب شعبي المشتت، وأقامت صلة حية بيني وبينه، ولم تتركني معلقا أشك فيما إذا كنت حيا أو ميتا·

"نحن أحياء"، هذا هو ما يقوله الخطاب الفلسطيني في الخمسينات، وقبل أن تأخذ "القضية" مكان الصدارة ويتضاءل شعب الشتات في الخلفية المعتمة، فيقول فلاح فلسطيني لباحثة أجنبية "حتى الآن لا أحد روى قصتنا"، وبالفعل، لا أحد قصّ على هذا الفلاح أخبار الأهل المتناثرين ولا أحد حمل إليهم أخباره، لم يعد الرواة معنيين بالمخيم أو القرية قدر عنايتهم بالبقاء على مقربة من دائرة الضوء فما شأنهم بهذا الماضي؟ لقد شبهه أحدهم بكلبٍ راقد في الشمس وودّ أن يحمل عصا ويضربه·

ü  ü  ü

لديّ الآن بضع ملحوظات سألتفت الآن إلى ما أراه عودة الراوية الفلسطيني إلى ذاكرته وشعبه·

الإشارة النقدية الوحيدة إلى هذه العودة جاءت في مقالة للروائي "غالب هلسا" قبل وفاته بوقت قصير في العام 1989 كانت الإشارة الى رواية تعتمد اعتمادا كليا على الذاكرة الفلسطينية فقال غالب إن هذه الرواية (وكانت روايتي "أطفال الندى") "تحمل رؤيا تتطابق مع وظيفة الفن، بما فيه الأدب، حين يعيد إلينا لحظات حياتنا ويستنقذها من العدم ويثبتها· إن تجاربنا وتاريخنا معرضان للضياع ولا نستعيدهما إلا عندما نضعهما في سياق الشكل، سياق تغريب التجربة، وإعادة تمثلها عبر التقمص فنقول حين نقرأ الأدب المتميز منهدشين، هذا صحيح ونعني أن ماتم في العمل الأدبي حدث لنا ولكننا نسيناه وها نحن نفهمه الآن ونستنقذه من النسيان"·

العلاقة بين هذا الكشف وبين وظيفة رواة الأمازون تكاد تكون حرفية، فهم لا ينقذون من الضياع حكاية بقدر ما ينقذون شعبا· وهم لا ينقذون ذاكرة بقدر ما ينقذون حياة· إنهم حين يقصون يقومون بفعل من أفعال الخلق، وهنا تحضرني ملحوظة سجلها الكاتب العراقي "سليم الشيخلي" بعد ما يقارب من ثلاثة عشر عاما، وتتعلق بالرواية نفسها: "يحمل أسلوب الرواية أفقا متراميا يواجه القارىء عند النهايات ليصبح أحد أبطالها الباحثين عن شخصيات أخرى كي يلم الأفق من حوله"·

لا أعرف إن كانت هذه الرواية وضعت علامة مازالت خارج الوعي النقدي الشائع، علامة تشبه شظية من خطاب آخر، غريبة عن الخطاب النقدي العربي وأطره التقليدية، إلا أن الذي أعرفه يقينا أنها أطلقت في أماكن عدة فلسطينية بذور نشوء راوية فلسطيني يقرر أن يرحل بين شتات شعبه بدل أن يتسكع في انتظار مهرجان أو ناشر أو قرد من قرود البلاط، أن يجعل الأواخر أوائل، وأن يرى الوطن انبثاقات من علاقات شعب بين بعضه البعض لا تجريدا قائما في الخطابات والبرامج والصفقات·

بداية لمستُ هذا في "كتاب حمدة" للشاعر الفلسطيني "محمد القيسي" في أواخر الثمانينات·

وهنا أود ذكر حادثة سبقت وصول روايته هذه إلي لأنها مغزى يوضح ما أذهب إليه· حين التقيت به في مهرجان المربد "1987" ولم يكن مرّ على نشر فصول من "أطفال الندى" على صفحات "القبس" الكويتية إلاّ بضعة أشهر، بادرني منفعلا: "ما هذا الذي تنشره في القبس؟"، وظننت للوهلة الأولى أنه يشير إلى حماقة ارتكبتها أو شيء من هذا القبيل، ولكنه سرعان ما قلب ظني رأسا على عقب وفاجأني بالقول إنه منذ أن قرأ ما نشرت توقفت عن الكتابة طيلة بضعة أشهر، لماذا؟ لأنه وجد بالضبط ما كان يسعى إلى كتابته·

وجاءني بعد ذلك بوقت قصير "كتاب حمدة"، ومعه اتضح في ذهني شيء جديد: هاهنا "راوية" يجمع شتات شعبه أو يبدأ التفكير بوظيفة ظلت حتى تلك اللحظة مطمورة تحت خطابات أدبية معتادة: يغني الروائي أو الشاعر حكايات يعتقد أنها سترفعه إلى مكانة الروائي أو الشاعر، أعني أنها ستمنحه دورا ومكانة اجتماعية، حتى لو اقتضاه الأمر، كما قال أحدهم، الانصراف إلى قضايا "عالمية"، فقد أدى ما عليه وها هو الآن يترك لغيره قضايا هذا الشعب المشتت·

هنا في "كتاب حمدة" يستنقذ الراوية أمه وإخوته والغائبين من العدم، وبهم يستنقذ ذاكرته ووجو نفسه، ويستيقظ على واقع منسي ومهمل، ويتطلع حوله للمرة الأولى بعد عمر قضاه في مضغ الورق·

هل كان كل هذا مصادفة؟ ستقودني مخطوطة رواية للكاتب الفلسطيني أيضا "إبراهيم زعرور" في العام نفسه تقريبا إلى يقين أن في الأمر ما هو أكثر من المصادفة، فأقرأ للمرة الأولى حكاية جزء من شعبي هناك في فلسطين الشرقية بعد الشتات بوقت قصير، وأقرأ أساطيره وأخباره ومصائره، والأكثر أهمية، ملامح أناسه الأحياء، في هذه الرواية التي نشرت لاحقا تحت عنوان "ذئب الماء الأبيض" (2002) أحسست باتساع عرق ثمين وتشعبه في منجم يكتشف حديثا، وأن لا علاقة تربط هذه الرواية ورواية القيسي بما هو شائع ويحظى بالمجد· إنها ترتبط بما أومأ إليه "إميل حبيبي" وشقته "أطفال الندى"·

ولم يكن الأمر مصادفة، ولا هي مصادفة أن تولد رواية الذاكرة الفلسطينية خارج أقفاص رواة المؤسسة والمتجولين بين أروقتها، وخارج مطامحهم الضالة في الحصول على أدوار تحددها مراسيم وأوامر بلاطية، فالذاكرة الفلسطينية هدف حرب يشارك هؤلاء الآن فيها لتجريد الفلسطيني من كل ما يذكر بفلسطين، أو بوجود شعب مشتت منذ أكثر من خمسين عاما·

منجم رواة قبيلة؟ ليكن، فالجمال والحيوية اللذان يشعر بهما الناس حين يكتشفون أنفسهم في رواية، يماثلان فرح ودهشة ورغبة المشتتين، سواء في الأوساط الأدبية أو خارجها إنهم يستعيدون ذاكرتهم ويحيون مجددا، بل ويجدون أنفسهم أحياء، حيث يستعصي الفلسطيني على الموت حتى إن مات، في هذه الشبكة التي ينسجها الراوية فتجمع بينهم وبين شعبهم·

سأتعرف بعد ذلك على "آربيسك" أنطون شماس وقد نقلت من العربية إلى الإنجليزية، و"خارج المكان" لإدوارد سعيد، فأعرف هذه المرة أن ماظننته إنجازا فرديا هنا أو هناك، إنما هو يقظة فلسطينية، وتلمسات جو عام أطلقتها غريزة الحياة فينا· صحيح أننا نقرأ ونلم بطرف من هذه الأيديولوجيا أو من هذه النظرية النقدية أو تلك، ونشعر أننا ننتمي إلى رواية حديثة تجيء من أمريكا اللاتينية، أو من اليابان، ولكن ما يتضح يوما بعد يوم هو أن كل راوية أو مغن هو راوية شعب ومغني شعب، للسديم رواته ومنشدوه بالطبع، إلا أننا أرضيون بالمعنى الذي تاق إليه "نيتشه" في انقلابه على ألف عام من تجريدات الفكر الغربي، وبالمعنى ذاته الذي نفعله بالانقلاب على عقود من عالم رواة ومنشدي البلاط المتنقلين بين خيولهم وأعشاشهم وبين احتفالات أولياء أمورهم وسهراتهم·

طباعة  

وتــد
 
المرصد الثقافي
 
نص
 
خبر ثقافي
 
إصدارات