رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 26 جمادى الأولى 1424هـ -26يوليو 2003
العدد 1587

نظـرات في الإسـلام السياسي

 

ماهدفهم:الدين أم السلطة؟!                            شعارات:أهدافها معروفة

 

* الجماعات الإسلامية انتشرت في الساحة العربية عقب هزيمة 67 خصوصاً مع تراجع التيار الديمقراطي التقدمي

* المواجهة مع تيار الإسلام السياسي لا بد أن تكون فكرية·· والإسلام لا يعرف الحكومة الدينية

* أنصار الإسلام السياسي لا يريدون غير السلطة ·· وهم يحاولون تسييس الدين

* فرق كبير بين الدين والفكر الديني فالأول هو معطى سماوي أما الثاني فهو إبداع بشري

* المجتمعات العربية تعاني أزمات طاحنة فهي تعيش بين مطرقة الأمة الفاسدة وسـندان جماعات الإسلام السياسي

* آراء هذه الجماعات لم تعد مجرد أفكار مطروحة بل أصبحت تياراً يعم الشارعين العربي والإسلامي

 

محمد العشماوي:

بين مطرقة الأنظمة الفاسدة والمغرقة في تبعيتها للغرب المتوحش وسندان جماعات الإسلام السياسي المتوهمة أن خلاص الحاضر والمستقبل لن يأتي إلا بالرجوع إلى الماضي ولما يسمونه بأزمنة الخلافة، متناسين اختلاف الأزمنة والتطورات السياسية والاجتماعية وأن حركة التاريخ لا تعرف الرجوع للخلف أو التمثل بفترات سابقة فكما نعرف التاريخ لا يعيد نفسه·

ولأن آراء هذا التيار لم تعد مجرد أفكار مطروحة على الحركة السياسية وجمهرة المثقفين بل أصبحت تياراً عارماً على مستوى العالمين العربي والإسلامي لا يقتصر على أعضائه المنظمين فقط بل استطاعوا أن يجعلوا من أفكارهم وتوجهاتهم رؤى تتلقاها الجماهير كمسلمات لا تناقش وهنا يكمن الخطر ففي ظل الاستعباد السلطوي الحاكم في عالمنا العربي والذي يهيمن على مجريات الأمور في العمل السياسي والثقافي والذي استطاع من خلال هذه الهيمنة أن يفرغ وعي الجماهير من أي مضمون ثقافي ديمقراطي أو تقدمي كي يجعلهم غائبي الوعي عن مصالحهم الاقتصادية والطبقية، في ظل هذا المناخ استطاعت الجماعات الإسلامية أن تملأ هذا الفراغ الشاسع بأطروحاتها وتوجهاتها منتهزة فرصة عدم تواجد التيار الديمقراطي والتقدمي على الساحة منذ فترة طويلة، وإثر هزيمة 5 يونيو 67 والتي أفقدت الشارع العربي توازنه ومن ثم فقدانه للثقة بالمشروع القومي التقدمي، ومتسلحة برؤية تنظيمية صارمة لأعضائها قائمة على السمع والطاعة وبأموال لا حصر لها استخدمت في تأليف قلوب الكثير والكثير ممن انضموا لهذا التيار·

ولأن كاتب هذه السطور ممن يعتقدون أن المواجهة مع هذا التيار ليست أمنية في الأساس كما يرى أصحاب الأفق الضيق في النظم الحاكمة ولكنها مواجهة على الأساس الفكري لدحض هذه الرؤى ولمحاولة كسب الحرب الدائرة على جبهة الوعي وأن كان ذلك يمثل صعوبة كبيرة في هذه الآونة·

لذلك سأحاول مناقشة الفكرة الرئيسية لدى هذا التيار وهو تسييس الدين على الرغم من معرفتي أن هذا الموضوع يناقش منذ عقود بين أنصار الدولة الدينية وأنصار الدولة المدنية·

وفي البداية أود أن أؤكد أن هذا المقال ليس رأيا في أمر من أمور الدين بل هو مناقشة ومساجلة لآراء تضفي قداسة دينية مزعومة على رؤيتها البشرية القاصرة·

ونؤكد أيضا أن الخلاف ليس مع الدين كمعطى سماوي وقيمة روحية وجدانية حميمة لعلاقة الإنسان بالمقدس بل كما ذكرنا من قبل الخلاف مع تيارات تعتقد أن تفسيرها للدين هو المقدس ورؤيتها للدنيا هي المطلق·

رؤى مغايرة

إن المقصود من التمييز بين السياسة والدين هو تقييم العمل السياسي على أنه عمل بشري محض يخطئ ويصيب·

فالسياسة هي في الأصل إبداع بشري يخضع لما يعترى الإنسان من قوة وضعف أو موضوعية وتحيز أو تفتح وانغلاق· لذلك فإن الخلط بينهما هو إساءة للدين والسياسة في آن واحد· فالخلط يؤدي إلى إضفاء نوع من القداسة على العمل السياسي وهو بشري الطابع والممارسة وبالتالي فهو نسبي الحقيقة وهذا الخلط يؤدي إلى إطلاقيته وهو ما يضر بالعمل السياسي القائم في الأساس على التعددية بين آراء متباينة الحكم فيها هو الجماهير·

وهذا الخلط أيضا يسيء إلى الدين بسبب إضافة ما هو بشرى (نسبى) إلى (المطلق) الدين، وبالتالي ندخل إلى الدين ما ليس منه، وهذا المعنى السابق قد أكده بن المقفع وهو الذي حذر من الخلط بين الرأي والدين قائلا (إن الدين يثبت بالإيمان، أما الرأي فيثبت بالخلاف (الجدال) فمن جعل الدين رأيا فقد جعله خلافاً، ومن جعل الرأي دينا فقد جعله شريعة)·

وقد نفى الإمام محمد عبده أي وجود لسلطة كهنوتية تمارس العمل السايسي باسم الدين (ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم كما خولها لأعلاهم يتناول بها أدناهم)· راجع تاريخ الأستاذ الإمام للشيخ محمد رشيد رضا·

وإذا سلمنا بالمنطق السابق وهو بشرية السياسة ونسبيتها فلن ننخدع من الاستخدام الأيدلوجي للدين والذي يهدف إلى صرف نظر الجماهير عن التقييم السليم للتوجه السياسي للجماعات الإسلامية، بل سيكون تقييمنا لأي توجه سياسي يبدأ بالتساؤل عن الموقف الاجتماعي لهذا التيار السياسي والاستفسار عن انتماءاته الطبقية ورؤيته لحقيقة الصراع الاجتماعي بالمجتمع وموقفه من الحريات السياسية والثقافية، هل هو موقف استراتيجي أم مجرد موقف تكتيكي؟ وموقفه من تداول السلطة هل هو على قناعة بأهمية التداول السلمي للسلطة بين أحزاب مختلفة التوجه وحسب اختيارات الجماهير أم مع ما يعرف بديمقراطية المرة الواحدة؟ أي يظل هذا التيار أو غيره ينادي بالديمقراطية وتداول السلطة، وما إن يستحوذ على مقاليد الحكم بالديمقراطية يسارع بإلغائها ويطبق مبدأ الحزب الواحد·

ورؤيته للتيارات السياسية الأخرى هل هم مجرد خصوم سياسيين نختلف مع آرائهم وتوجهاتهم أم سينظر إليهم نظرة إقصائية استبعادية باعتبارهم أعداء لحزب الله (كما يسمون أنفسهم)·

وإذا كانت السياسة هي (علم كيفية إدارة موارد المجتمع الاقتصادية والثقافية والاجتماعية) فهل الخلاف حول كيفية هذه الإدارة قد يخرج أو يدخل الإنسان لحظيرة الدين أم هي أمور دنيوية نتناقش ونتجادل ونختلف حولها دون أن يزيد ذلك أو ينقص من قدر إيماننا؟ وإذا كان أنصار أسلمة السياسة يرون أن دمج العمل السياسي بالدين هو أمر واجب وفقا لقراءة معينة للدين ووفقا لتفسير وتأويل بعض الآيات والمواقف التاريخية التي تعضض من وجهة نظرهم فهناك رأي آخر مغاير لهذه الرؤية بل ويدعي أيضا أنه يستند إلى مرجعية تاريخية وتأويلية لنفس السياق  التاريخي والديني ولكنه يحمل قراءة أخرى للتاريخ والنصوص أيضا·

وعلى كل فأصحاب هذه الرؤية لا يدعون امتلاكهم للحقيقة المطلقة بل يؤكدون أن آراءهم نسبية قد تخطأ وقد تصيب فمنذ نزول الوحي على الرسول الكريم كانت هناك قناعة راسخة بأن للنصوص الدينية مجالات فعاليتها الخاصة وهناك مجالات أخرى تترك للعقل والخبرة وللتجربة التي تصيب أحيانا وتخطئ أحيانا أخرى·

وهذا المعنى كان يؤكده الرسول باستمرار في ممارساته اليومية وتفاعلاته مع الصحابة فحينما سئل عن تأبير النخل كان رده هو نتاج لخبرته الشخصية وعندما جاءت النتيجة مغايرة للواقع فأكد بأننا (أعلم بأمور دنيانا) بل وهو أيضا الذي أكد في واقعة أخرى بأن (ما كان من أمر دينكم فإلي وما كان من أمر دنياكم فشأنكم به)·

بل إنه عندما وضع خطة لإحدى غزواته أسقط في يد بعض الصحابة فالخطة من وجهة نظرهم بها الكثير من الثغرات لذلك وقعوا في حيرة من أمرهم أيختلفون مع الرسول المنزل عليه الوحي، أيناقشونه فيما يعتبرونه متروكا للخبرة وانتهوا بسؤال الرسول عن خطته (أهو الوحي أم الرأي والحرب والمكيدة) وكان الرد (إنها الرأي والحرب والمكيدة)·

السياسة بين

(الحكم) و(الأمر)

كثيرا ما يطلق أنصار الإسلام السياسي أفكارا هي الأقرب للمجاز البياني أو الشعارات الدعائية مثل (الحاكمية لله) كي يؤكدوا أن القرآن الكريم لم يفصل بين العمل السياسي والدين· ومستشهدين بآيات محورها كلمة (الحكم) مثل (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) المائدة آية 44·

(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) النساء آية 65·

والمتتبع لأسباب نزول هذه الآيات سيجد أن لا علاقة لها بما يعرف بالسلطة السياسية فكلمة (الحكم) المذكورة بالآيات تعني التحكيم أي القضاء في الخصومات·

فالآية الأولى بصورة المائدة نزلت في مجموعة من اليهود الذين احتكموا لرسول الله في واقعة زنى ولكنهم أخفوا حكم الزاني لديهم عن رسول الله فنزلت فيهم الآيات· والآية الثانية أيضا تتكلم عن (التحكيم) أي القضاء في الخصومات وهي آية خاصة بالنبي وحده·

أما الحكم بالمعنى السياسي (السلطة السياسية) فقد تحدث عنه الله في مواضع أخرى ووضعها في سياق الرأي والمشورة والخلاف والاختلاف (وأمرهم شورى بينهم) الشورى آية 38· (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر) آل عمران آية 152·

وهذا (الأمر) (السياسة) الذي تحدث عنه القرآن نجده قد تركه للعقل والخبرة باعتباره أمرا دنيويا وليس دينيا فلو كان أمرا دينيا ما ترك لنا الخيار في الخلاف والجدال حوله، أو ليس هذا الأمر من أمور الدنيا التي نحن أعلم بها؟

وهو ما حدث - إثر موت رسول الله - بثقيفة بني ساعدة وكيفية اختيار خليفة المسلمين واختلاف المسلمين فيما بينهم حول من أحق بالخلافة أهم الأنصار بقيادة (سعد بن عبادة) الذين حموا الرسالة حينما لجأ إليهم المهاجرون·

أم المهاجرون بقيادة (أبي بكر) باعتبارهم ناشري الرسالة وأول من تحمل العسف والجور من أجلها· وانتهى الأمر بفوز المهاجرين بمنصب الخلافة ورفض (سعد بن عبادة) وأنصاره مبايعة أول خليفة للمسلمين ورفض (علي بن أبي يطالب) في أول الأمر المبايعة أيضا لاعتقاده أنه قد بخس حق آل بيت النبي في هذا الأمر·

كل ما سبق يؤكد أن الإسلام لا يعرف الحكومة الدينية (الثيوقراطية) التي تدعى أن حكمها على الأرض هو نيابة عن الله وأن من يختلف معها فهو يختلف مع صحيح الدين، وبالتالي فالمعارض لمثل هذه الحكومات الثيوقراطية سينظر إليه باعتباره كافرا وملحدا·

بل إن ممارسات النبي في الأمور السياسية والخلاف حول أحقية من بالخلافة لهو دليل كبير على بشرية العمل السياسي ونسبيته·

وإذا كانت سيرة الشيخان (أبو بكر وعمر) تؤكد أنهما كانا يضعان حدودا فاصلة بين رؤيتهم لأسلوب الحكم والإدارة وبين الدين غير مدعين أن ما يقولانه هو كلام الله بل هو كلام وآراء بشر (ولوا عليهم وليسوا بخيرهم) كما قال الصديق ذلك فللناس الحق في الاختلاف معهم (بتقويمهم إن أساؤوا وإعانتهم إن أحسنوا)·

بدايات الأزمة

ولكن منصب الخلافة بدأ يأخذ منحى آخر يقدس الخلافة كنظام سياسي وهو ما حدث بأواخر عهد (عثمان بن عفان) الخليفة الثالث عندما حدثت الثورة في دولة الخلافة على النظام القائم آنئذ إثر تقريب (عثمان) لأقاربه من الحكم وجعلهم ولاة لأمصار مهمة في دولة الخلافة مثل (معاوية بن أبي سفيان) و(الحكم بن العاص) طريد النبي محمد·

وهو ما أثار السخط بين الناس فقاموا بثورة كان في مقدمتها مجموعة من الصحابة والتابعين بقيادة (محمد بن أبي بكر) وهو نجل الخليفة الأول، محاولين إقناع (عثمان) بترك الحكم حقنا للدماء فكان رده (كيف أخلع رداء قد سربلنيه الله)·

وكانت هذه هي المرة الأولى التي ينظر للخلافة على أنها هبة أو عطية من الله يعطيها لظله على الأرض - وحاشي لله أن تكون كذلك - وحدث ما حدث من فتن، وقتل عثمان وأصرقاتلوه أنه قد خرج عن الإسلام ويستوجب ذلك عدم دفنه بمقابر المسلمين وهو ما حدث بالفعل إلى أن جاءت خلافة (معاوية) وقام بنقل رفاته لمقابر المسلمين·

والمتتبع للتاريخ السياسي للمسلمين منذ مقتل (عثمان) ثم مقتل (علي بن أبي طالب فأولاده) وحتى مرحلة (الملك العضوض) وهي بداية مرحلة الأمويين مرورا بدولة العباسيين سيجد تلك العلاقة المعقدة والمتوترة بين الدين السماوي والسلطة السياسية البشرية بل وسيلاحظ كيف كان يستخدم الدين كستار في المعارك السياسية لتمرير آراء وتوجهات بعينها بل إن فكرة تحكيم النص الديني الهدف الأساسي منها هو لي عنق النص الديني كي يوافق المصلحة الدنيوية لخصم على آخر من خلال استخدامه كستار لتمرير الآراء السياسية لهذا التيار أو غيره وهناك العديد والعديد من الشواهد التاريخية التي تؤكد الفكرة السابقة·

وخير شاهد تاريخي على ذلك هو ذلك الصراع السياسي الشهير الذي حدث بين الخليفة الشرعي (علي بن أبي طالب) وآخرين بقيادة (معاوية بن أبي سفيان) والذي كان يرى نفسه أحق بالخلافة·

وتجلت عملية استغلال الدين كوقود في الصراع السياسي في موقعة (صفين) عندما شعر (معاوية) بدنو الهزيمة تفتق ذهن قائد جيوشه (عمرو بن العاص) بحيلة ذكية لاختراق صفوف الخصم (علي بن أبي طالب) واضعين المصاحف على أسنة رماحهم مرددين للآية الكريمة (إن الحكم إلا لله) - والتي أصبحت شعاراً سياسياً حتى هذه اللحظة - وكان الهدف الأساسي من ذلك هو نقل الصراع السياسي الاجتماعي من بعده الدنيوي - وهو الصراع على السلطة السياسية واعتقاد معاوية أن الأنسب لخلافة قريبه عثمان واستخدام حيلة الأخذ بثأره مطية لتقويض دولة (علي بن أبي طالب) - لمنطقة أخرى وهي منطقة النصوص وقد أدرك (علي) بحسه السياسي هذه الحيلة الذكية وكان قوله لرجاله - والذي أوردها الطبري في تاريخه - (عباد الله امضوا على حقكم وصدقكم قتال عدوكم، فإن معاوية وعمرو وأصحابهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال وشر الرجال، ويحكم إنهم ما رفعوها لكم إلا خديعة ودهنا ومكيدة)·

ثم أردف قائلا (إنها قولة حق يراد بها باطل، إن القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق وإنما ينطق به الرجال) كل حسب مصالحه وتوجهاته، وبالفعل فإن هذا الشعار البراق (إن الحكم إلا لله) والذي اخترق صفوف جيش (علي بن أبي طالب) كالسهم مما أدى لضغط رجاله عليه كي يقبل بمبدأ التحكيم الرافض له·

هذا الشعار أدى في النهاية الى تحكيم رجلين (أبو موسى الأشعري) و(عمرو بن العاص) استخدم أحدهما (عمرو) ذكاؤه السياسي لإقصاء الآخر عن سدة الحكم ليتولى (معاوية) الخلافة ويعلنها صراحة (أنا أول الملوك)·

وانتهى الصراع بانتصار القوة والدهاء على الفكرة والمثال· ولكن في فترات الصراع السابق ذكرها كان الهدف الأساس كما أسلفنا هو إضفاء الشرعية الدينية على تلك الممارسات السياسية سواء من جانب (علي بن أبي طالب) والذي أكد أن خصومه (ليسوا بأهل دين ولا قرآن) أو من جانب (معاوية وعمرو) اللذين هتفا بأن الفيصل في هذا الخلاف هو الله·

أما في الفترات التالية من حكم الخلافة والتي تلت مقتل (علي) تغير النهج تماما وبدلا من أن يصبح الهدف هو أخذ الدين ستاراً في الممارسة السياسية، تم الترويج لفكرة أن خليفة المسلمين هو (خليفة الله) و(ظله على الأرض) وتجلت هذه الرؤية الكهنوتية في خطبة معاوية الأولى بمناسبة توليه الخلافة حيث قال: (أيها الناس إن الأرض لله وأناخليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركته للناس فبالفضل مني)·

وهكذا فإنه ربط إرادته بإرادة الله وسلطته بسلطة الله واختياره باختيار الله وذلك هو جوهر السلطة الدينية الكهنوتية التي يريدها أنصار الإسلام السياسي تلك السلطة التي تقطع الطريق أمام أي اختيار حر للجماهير·

وبالفعل فإن فكرة اختيار المسلمين لخليفة لهم بين أكثر من شخص كما حدث مع (أبي بكر وعمر وعثمان)  قد ألغيت تماما بل إن الوعد بتسليم الخلافة لابن (علي كرم الله وجهه) قد نسي أيضا وبدأ معاوية يؤهل (يزيد) لتوليه الأمور وأعلن ذلك في إحدى الجلسات عندما وقف أحد الخطباء قائلا: (أمير المؤمنين هذا - مشيرا الى معاوية - فإن هلك فهذا - وأشار إلى يزيد - فمن أبى فهذا - وأشهر سيفه - فرد معاوية: اجلس أنت سيد الخطباء) وظل هذا التوجه في جميع خلفاء بني أمية فيما عدا عمر بن عبدالعزيز·

إلى أن جاء العباسيون فتغيرت الوجوه والملامح ولم تتغير السياسات واستمرت فكرة الحكم بالحق الإلهي المقدس وتجلت في أولى خطب أول الخلفاء العباسيين (أبو جعفر المنصور الملقب بالسفاح): (أيها الناس لقد أصبحنا لكم قادة، وعنكم زادة، نحكمكم بحق الله الذي أولانا، وسلطانه الذي أعطانا، وإنما أنا سلطان الله في أرضه، وحارسه على ماله جعلني قفلا، إن شاء أن يفتحني لإعطائكم وإن شاء يقفلني)·

إن الهدف من ذكر مثل هذه الوقائع هو التأكيد على أن منصب الخلافة هو مجرد منصب دنيوي بشري قد يمسك مقاليده إنسان يخاف مصالح الناس ويحترم حقوقهم وقد يتولاه شخص جائر هدفه السلطة وجمع المال· لذلك فلا عجب أن يصل لهذا المنصب الرفيع شخص أقل ما يقال عنه أنه فاسق ناهيك عن حكم بعضهم بزندقته وهو (الوليد بن يزيد) والذي بلغ استهتاره بالناس وبالدين أنه جعل إحدى جواريه ترتدي عباءته وتؤم المسلمين في إحدى الصلوات· بل إنه كان يستفتح بالقرآن فإذا به تقع عيناه على آية بها عذاب ووعيد فما كان منه إلا أن أتى بسهم ليصوبه على المصحف الشريف قائلا:

أتتوعد كل جبار عنيد

                        فهاأنا ذا جبار عنيد

فإذا ما جئت ربك يوم حشر

                        فقل يا رب مزقني الوليد

بل الأفظع هو ما فعله والده (يزيد بن معاوية) ففي عام 60 من الهجرة أرسل يزيد جيشا جرارا لإكراه أهل المدينة على مبايعته فهزمهم في موقعة (الحرة) ثم أمر باستباحة مدينة النبي فأبيحت بذلك أموال وأعراض ودماء المسلمين لمدة ثلاثة أيام وعندما وصل نبأ ما حدث بالمدينة إلى خليفة المسلمين وأمير المؤمنين (يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب) قال في ذلك شعرا:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

                        جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحا

                        ولقالوا ليزيد لا فشل

أي أن أمير المؤمنين رأى أن ما حدث بموقعة (الحرة) لأهل المدينة هو ثأر وانتقام لانتصار المسلمين (مهاجرين وأنصار) على شيوخ مكة (بموقعة بدر) وأولهم (أبوسفيان بن حرب) جد الخليفة، ولا تعليق·

وإذا كان ما سبق في عهد الأمويين والعباسيين فإن الأفظع كان في عهد الفاطميين وهو تشبيه الخليفة بالله - جل وعلا - ولنقرأ هذا الشعر من ابن هانئ الأندلسي في مدح (المعز لدين الله الفاطمي) وبلا تعليق أيضا·

لا تسألن عن الزمان فإنه

                        في راحتيك يدور حيث تشاء

ما شئت لا ما شاءت الأقدار

                        فاحكم فأنت الواحد القهار

ما سبق هو قطر من غيث تحمله كتب التراث في بطونها، الهدف من ذكره هو التأكيد على أن الإسلام لا يعرف ما يسمى بالسلطة الدينية الكهنوتية بل هو بريء من جميع هذه الممارسات والتي فعلت باسمه·

ولتؤكد أن هناك فرقاً شاسعاً بين الدين - أي دين - وممارسات المنتمين لهذا الدين فأعمالهم حجة عليهم فقط وليست حجة على هذا الدين·

ولتؤكد أيضا أن هناك تمايزاً بين الدين والفكر الديني فالدين هو معطى سماوي كلي الصحة - كما يقول الدكتور رفعت السعيد - أما الفكر الديني هو إبداع بشري قد يخطئ وقد يصيب، إن أخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران غير مدعى أنه الحقيقة الوحيدة المسلم بها بل كما يقول الإمام أبوحنيفة (قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب)·

ولنعيد ما قاله الإمام محمد عبده (ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة)·

طباعة  

عرض كتاب للمؤلف علي حسين العوضي
الحركة الطلابية الكويتية والتيارات السياسية