رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 19 جمادى الأول 1424هـ-19 يوليو 2003
العدد 1586

دراسة

جدل المثقف و السياسي 2-2

بقلم : جعفر حسن

 بالإمكان اعتبار أن الثقافة منتشرة بشكلين أحدهما أفقي والآخر رأسي في المجتمع، باعتبارها مجموعة مترابطة من الرموز والأفكار والتصورات والمعتقدات والعلوم و التقنيات و الفنون، حاوية للتراث المادي والمعنوي للامة ، بما اختلط و تشرب من نتاجات إنسانية مختلفة، فكل الأفراد المنتظمين في المجتمع تشكل الثقافة العامة للمجتمع جزءا من كينونتهم ونظامهم الروحي، إذ لا يمكن تصور فرد سوي خال من النشاط الفكري والثقافي، فالمرأة التي تعد الطعام في المنزل إنما تمارس عملا مرتبطا بالثقافة السائدة في المجتمع، ولكنها على الرغم من ذلك ليست مثقفة بالضرورة، إذ إنها تقوم بعمل وظيفي لتقنية الإنتاج المادي وهو جزء من ثقافة المجتمع، ويبدو أن الثقافة تحتمل التناقضات الظاهرية والمعبرة عن التجارب المتناقضة والمصالح المختلفة ، مما يشير إلى أن أشد العادات و الأفكار و الأفعال تباينا يمكن أن تقع إلى جانب بعضها البعض في الثقافة ذاتها·

كما أننا بحاجة إلى إعادة النظر إلى تلك القيمة الإيجابية التي تعودنا على ربطها بكلمة مثقف والتي تنبع أساسا من ذلك الارتباط العضوي بين المثقف والثقافة، إذ عادة ما ننسى أن أبشع طرق التعذيب، و ابتكار وسائل الإعدام البغيضة، والأشكال المختلفة للعنصرية والتمييز الجنسي، وأساليب هدر حقوق الإنسان الأساسية، والمذابح الجماعية، وأساليب القمع الهمجية ، هي من إنتاج الثقافة أيضا· كما تبدو الثقافة في بعض الأحيان على أنها اضطرار لدولة استعمارية لفهم الشعوب التي تقهرها والتي تمنع عنها حقا في أن تحكم نفسها بحجة أن عليها أن تتحضر بما يكفي لأن تمارس ذلك بصورة مسؤولة·

بينما يمكن الإشارة إلى أن دورها هو تعميق الانسجام في داخل المجموع الذي تتكتل فيه الفئات المختلفة من الناس و ربما كانت تلك المجموعات هي التي تفرز المثقفين باعتبارهم مفكرين، وذلك بتفاوت الأفراد في نصيبهم من تحصيل الثقافة وهو الاتجاه الرأسي لها بمعناها الذي يشير إلى كونها نقدا للمجتمع، ويتحكم هذا التفاوت في مدى فاعليتهم داخل المجتمع، ويمكننا أن نتكلم عن المثقف باعتباره إما مالكا لكم كبير من النتاج الثقافي أو باعتباره معرفة متخصصة، حيث يتجلى المثقف مبدعا بها و فيها بحديها العام والخاص، وربما يشترك الاثنان في نشر الثقافة و استهلاكها، فيجعل توظيف المثقفين باعتبارهم أداة من أدوات السيطرة على المجتمع وخيراته المادية من المثقف مثقفا عضويا يكون جزءا من نسيج النظام الاجتماعي ميالا لتأييد الأيديولوجيا المسيطرة في المجتمع، ويصب في اتجاه التأكيد على المشروع القائم والمتحقق بالفعل وضمان استمراره، ولذلك نجد أنه من الممكن أن تسود نمطيات من تكرار الإجابات الجاهزة في النسق الثقافي· بينما يكون المثقف المبدع بالثقافة وفيها ذا مشروع نقدي يميل إلى تغيير النسق الثقافي السائد و ربما تكمن رسالته في ذلك الاتجاه الذي يدفعه لأن يكون ناقدا متميزا لا تقف أمامه حدود التابو ومنها الأيديولوجيا، و يعود مشغولا بإنتاج و إعادة إنتاج الثقافة و ترويجها و استهلاكها في اتجاه يميل لجعل المجتمع الذي يعيش فيه أكثر إنسانية·

 

علاقة المثقف بالسياسي:

لربما قد أتينا على بعض تلك الملامح التي تحكم علاقة المثقف بالسياسي، والتي يمكن أن تتمثل في تلك الهيمنة التي يمارسها السياسي باعتباره رجل السلطة في توظيف المثقف داخل مشروعه، و الحرص على عدم إفلاته من تلك الدائرة باعتباره أداة من أدوات السيطرة السياسية والضبط الاجتماعي، ويبدو انه لا مناص من الاعتراف بأن هناك الكثير من المثقفين الذين يقتنعون بالسياسي ومشروعه الأيديولوجي، فلا تكون هناك مشكلات تذكر في هذا التعاون وإمداداته على الرغم من وجود بعض التعارضات الهامشية التي تكون مقبولة لحيوية المشروع الأيديولوجي·

و لكن الموضوع يتطور من خلال تلك العلاقة بين المفكر أو المثقف إن شئنا و بين السياسي بمشروعه الأيديولوجي عندما يتعرض ذلك المشروع إلى النقض والتهاوي من خلال النقد الذي يوجهه المثقف سواء لمشروع السلطة أو المعارضة على حد سواء، خصوصا إذا ما تمترس الاثنان خلف الأيديولوجيا، ولعلنا نجد أن هناك نزوعا في داخل أنظمتنا العربية نحو الهيمنة على المثقف الذي لا يمكن جعله مثقفا عضويا في النظام السياسي بطرق ووسائل متعددة تبدأ بالإغراء و لا تنتهي بالمحنة الحياتية أو فقدانها، كما أن السياسيين في المعارضة يحاولون احتواء المثقف والهيمنة عليه باعتباره أداة من أدوات المعارضة السياسية الفاعلة في مسألة تداولية السلطة، من حيث قدرته على إنتاج الأفكار و ترويجها و الحض على استهلاكها، فكم هم المفكرون الذين ذهبوا ضحية للثورة أو للسلطة أو لتناقضات أجنحة الاصطراع السياسي على السلطة في المعارضة؟ كم هم المثقفون الذين خرجوا على أحزابهم السياسية و قامت الأخيرة بتصفيتهم؟ ولماذا؟ هل هناك من علاقة بين هذه الأمور وهيمنة السياسي على الثقافي؟

و على الرغم من إشارتنا إلى كون مجموع السياسيين داخل المجتمع أقل من كتلة المجتمع إلا أن العلاقة التي تحكم السياسي بكتلة المجتمع تنـزع إلى الهيمنة التامة على مقدراته، وبالتالي يعتقد السياسيون أنهم أكبر من الثقافة، والذين هم  في نهاية التحليل نتاجها و المستخدم الأمثل لمكوناتها بما فيها الأيديولوجيا ، لكن يمكن أن نشير إلى أن الثقافة أكبر من السياسة التي تشكل في نهاية المطاف جزءا من التكوين الثقافي للمجتمع وبالتالي يمكن إعادة التفكير فيها كما تفكر في أي من مكوناتها و التي منها الأيديولوجيا·

إن أعتى العقول الجبارة للبشرية التي أنتجت لنا المدن الفاضلة عبر التاريخ الإنساني (أفلاطون مرورا بيتوبيا توماس مور إلى الفارابي و حتى اليتوبيات المعاصرة) وقعت في فخ الأيديولوجيا التي تحاول إيجاد إجابات جاهزة نهائية لمجموعة المشكلات التي يتعرض لها المجتمع في لحظة سكونية ما، و تعتقد في ذاتها بأنها تمتلك الحقيقة المطلقة و إجاباتها صالحة دوما لكل المشكلات، وهو نزوع نحو نوع من أنواع التعصب، أدى في أحسن الأحوال إلى خلق مدن موحشة باردة لا حياة فيها، يقدم فيها كل شيء وتدعي أنها تقدمه للإنسان، إلا أن إنسانها في ذاته لا يمتلك الحرية، و إنما يعيش في مدن الضرورة التي تجبره على أن يكون إما سيدا أو عبدا، إما مواطنا صالحا أو ملعونا مطرودا من جنة الضرورة، وهي ذاتها المدن التي ترمي بالأطفال والمعاقين ليلاقوا حتفهم وتطرد الشعراء! فيها كل شيء متوافر إلا الحرية الإنسانية في اختيار المصير! إنها مدينة تقوم على أسطورة ما، كذبة ما يجب أن يصدقها أهل المدينة الفاضلة و كيف سيظل هؤلاء فضلاء إذا ما صدقوا الكذب! وهي ذاتها تجل لتلك الفكرة التي تتحدث عن الحياة السياسية والاجتماعية التي نحياها وكأنها قدر محتوم لا فكاك منه، ولربما كانت الفكرة التي تقول بأن القدر نحن نصنعه هي التي جعلت الإنسان يتخطى حاجز المدينة الفاضلة (الباردة، الخالية من الحرية) إلى مدن على الرغم من مساوئها فإنها تمثل أفضل ما اجترحته الإنسانية حتى الآن ·

ثمة بعض الآراء تطرح حول جدل السياسي والثقافي و يطرح من خلال التساؤل هل لكل سياسي مشروع ثقافي؟ وهل لكل مثقف مشروع سياسي؟ ولنا أن نفكر في الموضوع من خلال المقدمات التي طرحناها في هذه الورقة، ويتضح أن بعض المثقفين يمتلكون مشروعا أو مشاريع سياسية و لكن التجارب السياسية في الوطن العربي تبين انه بمجرد أن يتحول المشروع السياسي الذي تطرحه المعارضة إلى سلطة سياسية يتحول معه المشروع الثقافي للمثقف إلى أيديولوجيا للسلطة السياسية، و بالتالي فإن السياسي يمتلك أيديولوجيا تتبدى وكأنها مشروع ثقافي ولكنه ليس كذلك على الاعتبارات التي طرحناها سابقا، ويضل المثقف في كثير من الأحيان بعيدا عن المشروع السياسي و لكنه يحفر في خنادق مختلفة لنقد الأيديولوجيا من جهة و تطوير بنية الفكر السياسي و الاقتصادي والاجتماعي لمجتمعه بغية تطويره بما يتلاءم مع العصر من جهة أخرى ، و يدرجه ضمن العناصر الفاعلة في الثقافة الإنسانية محاولا تقوية دعائمه في ظل نظام العولمة الجديد الذي تهدد رياحه بإبادة من يقف أمام عصفها العاتي كما بتنا نشهد بأم أعيننا ·    

* كاتب من البحرين

طباعة  

وتــد
 
سيرة طويلة من المشاركات والمعارض والجوائز
القصار نصب جمالياته في قلب "الصفاة"·· ورحل

 
شعر
 
إصدار
 
المرصد الثقافي