بقلم: أحمد النفيسي
اتسم فهم كثير من المحللين السياسيين لطبيعة تشكيل الوزارة الأولى في عهد سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الأحمد، بالضبابية وعدم القدرة على تشخيص الأساسيات سواء كان ذلك في الدوافع أو الأهداف، وقيل مما قيل: إن الحكومة سُلقت وبسرعة بعد أن تأخر البت في التكليف، وأنها ضعيفة لا تمتلك خبرات سياسية، وأنها تفتقر إلى الإسناد من مجلس الأمة لأنها لم تراعِ في تشكيلها التكتلات السياسية أو القبلية أو الدينية، وأنها غير متجانسة لا يجمعها جامع، وأنها بلا برنامج إلخ، إلخ··
وأقرب ما قيل فيها من الحقيقة هو أنها وزارة عهد جديد ولكن ينقص هذا القول المحتوى الصحيح إذا كان المعنى المقصود هو تدشين سياسات إصلاحية يبدأ بها عهد الشيخ صباح الأحمد· فأين برامج الإصلاح وأين العيار الثقيل من الوزراء الذين يستطيعون تنفيذها والدفاع عنها مع وجود البعض من النوعية الجيدة ومع احترامنا الشديد لجميع الإخوة من أعضاء الحكومة الجديدة؟!
كانت التحليلات التي لم تمسك بعناصر التشخيص لطبيعة تشكيل الحكومة تلجأ إلى التوصيف السلبي أي أنها ليست هكذا وليست كذلك، ولكنها لم تقل ما هي، لأن طبيعة التشكيل هي في الحقيقة أمر محير للوهلة الأولى، فلماذا جاء التكوين بهذه السرعة وبهذه الطبيعة وماذا يريد الشيخ صباح الأحمد من ورائه؟!
لا أستطيع الادعاء بأننا نمتلك المعلومات ولكننا سنحاول استقراء الوقائع المعروفة للإجابة عن بعض المطروح من الأسئلة من أهمها، أن الحكومة لم تأت مسلوقة فالشق الأساسي من الحكومة هو ما يتعلق بالأسرة الحاكمة والتكوين الذي جاء في هذا الجانب كان ناتجا عن تصور مسبق وتخطيط وعمل دؤوب وطبخ على نار هادئة ولفترة طويلة من الزمن قبل التكليف، وعندما صدر التكليف، لم يبق من الوقت لإضافة الوزراء "الشعبيين" إلا القليل قبل انعقاد مجلس الأمة وما يقتضي قبل ذلك من أداء الوزراء للقسم أمام سمو الأمير، كما أنه ليس أمرا عفويا أن يكون الجانب الشعبي من الحكومة بهذا التركيب فالسمة التي تجمع مجلس الوزراء بشقيه هي الولاء المطلق لرئيس مجلس الوزراء وهذه الصفة هي أهم صفة مطلوبة للمرحلة وهي كما قلنا ليست مرحلة إنجاز برامج أونهوض تنموي على كل مالدى الجميع من آمال وتمنيات، وإنما هي مرحلة انتقالية تهدف إلى تحقيق غرضين، الأول هو تكريس سلطة الشيخ صباح في مؤسسات الدولة وإعادة ترتيب ماشذ وتوطين العناصر المنسجمة مع سياسة رئيس الوزراء بعد سنوات من التجاذب والصراع تحت مختلف الواجهات·
وهذا الترسيخ - وفق ما يراه مهندسو التشكيلة الوزارية الجديدة - أساسي لممارسة السلطة الجديدة وأساسي في التعامل مع القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية·
أما الغرض الآخر فهو التهيؤ لاتخاذ بعض القرارات شديدة الصعوبة من دون أي منازعة إذا ما تطلبت الأمور ذلك انسجاما مع الدستور وقانون توارث الإمارة·
إن التشكيل الحكومي يعتبر مثاليا للإيفاء بهذين الغرضين الأساسيين الانتقاليين للوصول إلى تدشين العهد الجديد كاملا مستوفيا جميع الأطر القانونية والدستورية·
أما فيما يتعلق بعلاقة الوزارة الجديدة بمجلس الأمة وتكويناته وما يمكن أن يحدث أو يتفجر فإن الأمور هي في حقيقة الأمر على غير ما تبدو عليه· فمجلس الأمة في غالبيته البرلمانية هو مجلس حكومي الاتجاه ونواب القبائل الذين كانوا يطمحون للتمثيل داخل الوزارة هم في الأساس نواب خدمات حاجاتهم بين وزارات الداخلية والدفاع والنفط ··"وين يروحون"؟
فاللعبة ستنقلب من نواب يسيّرون الوزارة الى وزارة تسيّر النواب، أما نواب التيارات الدينية فالإخوان المسلمون يعرفون أن الرياح في المنطقة قد تغيرت وأنهم قد تلقوا ضربة موجعة أفاقتهم وجعلت زعماءهم يطلقون بعد كل ذلك توسلات التقية وأن "أملهم كبير في الشيخ صباح"، ومعروف أن السلفيين أو معظمهم في جيب وزير الطاقة· أما بعض النواب من ذوي الحناجر المرتفعة فإنهم أيضا نواب خدمات والمصالح الشخصية في النهاية هي الأساس في ممارستهم· وتغيير مراكز بعضهم في الانتخابات إلى المركز الثاني يهدد أيضا بتغييره فيما هو قادم من الأيام إلى المركز الثالث·
والخلاصة أن الوزارة منسجمة ومثالية لتحقيق الأهداف منها، ومجلس الأمة الذي كان أصلا في اليد أصبح الآن في الجيب وربما دون مشاكسات، والمهمة الأساسية لهذه الوزارة هي مهمة انتقالية للتكريس الكامل لعهد الشيخ صباح الأحمد·