الـمــحـاكــمـة
نهض المؤذن مضطربا من نومه، خائفا أن يفوته موعد آذان الصباح، وهو المؤتمن على مواقيت الآذان منذ عقدين من الزمن، لا تفوته المواعيد شتاء أو صيفا، لكن ما خاف منه المؤذن أو تحسّب له قد حصل، كان قد فات على موعد الآذان نصف ساعة أو يزيد، فلعن الشيطان في سره واستعاذ من شروره بآيات قرأها فيما كان رجل يدق عليه الباب دقا متواليا وعاليا وحين فتح المؤذن له بادأه الرجل سائلا عن أحواله قائلا له: - انتابني خوف عليك· - لعن الله الشيطان، أخذتني سِنَة من النوم·
- ما لا يدرك كله يدرك بعضه، فاصعد الى مئذنتك وأذّن بالناس كعادتك·
ارتدى المؤذن قفطانه ووضع عمامته فوق رأسه، وعباءته فوق كتفه وصعد الى المئذنة في خطوات متهالكة وبأعلى صوته باشر الآذان حين أطلت عليه امرأة من شباك بيتها قائلة له وسط الآذان:
- صح النوم يا سيدنا الشيخ·
فاستعاذ بالله من تلك المرأة التي تطالعه في موعد كل آذان، تناكفه حينا وتلاطفه أو تقول له بصوت عالٍ، مغناج:
- أوشكت الشمس أن تغيب يا سيدنا·
ومع هذا لم يعرها أي انتباه ولم يرد لها قولا· هبط من المئذنة الى فناء المسجد· توضأ ثم دخل المسجد للصلاة وهي مرابطة في نافذة بيتها، تبتسم له او تناكفه بحسب الحال·
في اليوم التالي، عند الساعة العاشرة، التأم في بيت أحدهم مجلس أعيان المدينة وكان حديث المجلس حديثا عن المؤذن وإهماله لواجباته، وكيف لا وهو المؤتمن على صلاة الناس كبِر في العمر وبات ينسى مواعيد الآذان، وقد آن له أن يرتاح وأن يُستبدل بمؤذن جديد، ولا سيما أن في البلدة شابا له من المواصفات ما يؤهله للقيام بهذا العمل· وبعد مناقشة طويلة استقر رأي الجماعة على إحالة المؤذن على التقاعد واستبداله بآخر أكثر همة ونشاطا يحافظ على مواعيد الآذان فلا يضيع على الناس فرصة الصلاة في مواعيدها، وأنيط بشيخ البلدة إبلاغ المؤذن هذا القرار·
عند الظهر قام المؤذن الى آذانه في الموعد حين أطلت عليه تلك المرأة قائلة:
- أوصيت رجال البلدة بك، فلا حديث في البلدة الا عنك وعن استبدالك بمؤذن جديد· ثم أضافت:
- مع أني أستعذب صوتك كثيرا·
أحس بغصة لسماعه ما تقول، ودارى غضبه من تلك الجارة التي تقف له بالمرصاد والتي لها في كل يوم صولة معه، لماذا تتابعه؟ وما شأنها به؟ واستعاذ بالله منها، أتراها تريد منه أمرا تخفيه؟
عند المساء قبيل صلاة العصر حضر الى المسجد جماعة من أعيان البلدة يتقدمهم شيخها· دق أحدهم على باب غرفة المؤذن طالبا اليه ملاقاة الجماعة في بهو المسجد، وعندما اتخذ الجميع مجالسهم حضر المؤذن وقد ساوره إحساس مريب بأن الجماعة لا تريد به خيرا، قال الشيخ بلسان الجميع:
- سيكون اليوم يومك الأخير في هذا المسجد·
ولم تنفع التوسلات وحجج الدفاع التي قالها المؤذن بتبديل هذا القرار·
- عليك أن تسلم غرفتك غدا للمؤذن الجديد·
ولما لم ير المؤذن فائدة من التوسل الذي بذله لإلغاء القرار أو تأجيله قبل بالأمر ووعد بإخلاء غرفته في المسجد لمن سيحل مكانه من دون أن ينسى القول مستدركا:
- ولكن ليس لي عمل آخر ولا مكان أبيت فيه·
فأجابه الشيخ:
- لسوف نعطيك تعويضا ويجب أن تعرف ان هذا ما جنيته على نفسك·
تبادل الجميع في ما بينهم الكلام همسا حين توجه الشيخ الى المؤذن قائلا مستجوبا ومبررا هذا القرار في حق المؤذن: - ألم تقم الآذان في غير مواقيته؟
- الله يقبل الصلاة في كل زمان ومكان·
- ولكنك عبثت بعرف لا يجوز العبث به وهو ليس محل اجتهاد·
- ومع ذلك فإني أذنت بالمواعيد قبل قليل أو بعد قليل فما الفرق؟!
- ذمتك واسعة، فكيف تتحمل وزر القاعدين عن صلاتهم حتى يسمعوا صوت المؤذن·
- فليقم الى الصلاة من يشاء بآذان أو من دونه·
- ألا ترى أنك تجدّف في رأيك هذا؟
- لكني لا أرى رأيكم في ما تقولون·
فرد أحد الجالسين عن يمين الشيخ:
- ونحن أيضا لا نرى رأيك في ما تقول·
- ولكني أذنت دائما بالناس للصلاة·
- قبل الموعد أو بعده؟
- وما الفرق؟
- أنت تحلل وتحرم على مزاجك·
- ولِم لا يكون الآذان قضاء والصلاة تجوز كذلك؟
- هذا أمر وذاك أمر آخر·
فرد رجل رابع من هيئة المجلس وقد طلب الإذن بالكلام من شيخ البلدة:
- بلغنا أنك تنام صباحا وظهرا فتنسى ما كلفناك به·
- هي غفوة يدعوني التعب اليها·
- بل يدعوك فتور الهمة وكبر السن، ونحن نأخذك بتقصيرك وإهمالك·
وحين انتهت جلسة الاستجواب صدر الحكم في حق المؤذن وقضى بعزله وبإخلاء الغرفة التي يسكنها وتسليمها الى المؤذن الجديد·
هاني حلاوي - "النهار"