تخريب مبدأ توزير النواب
في الجلسة العلنية للمجلس التأسيسي بتاريخ 18/9/1962 نوقشت المادة (56) من الدستور وتم الموافقة عليها بالنص الموجود في الدستور، وهي مادة تنص في جزء منها على ضرورة تعيين الوزراء من أعضاء مجلس الأمة ومن غيرهم على أن لا يزيد عدد الوزراء جميعا على ثلث أعضاء مجلس الأمة·
ويبدو أن مضمون هذه المادة هو حديث الناس اليوم ونقصد مسألة توزير النواب التي أسيء أو ربما تم التعمد في الإساءة باستخدامها·
ورجوعا الى ما تضمنته المذكرة التفسيرية لهذه المادة نرى تأكيدها على الظروف الملائمة ومراعاة واقع الكويت بألا يؤخذ على نحو مطلق بالقاعدة البرلمانية التي توجب أن يختار الوزراء من بين أعضاء البرلمان ومن ثم تمنع تعيين وزراء من خارج البرلمان، ولذلك ترك الأمر لتقدير رئيس الدولة في ظل التقاليد البرلمانية التي توجب أن يكون الوزراء قدر المستطاع من أعضاء مجلس الأمة، وهي في ذلك أيضا تراعي تلك الحقيقة الحتمية وهي قلة عدد أعضاء مجلس الأمة تبعا لعدد السكان مما يتعذر معه وجود العدد الكافي من بين هؤلاء الأعضاء لسد حاجة البلاد من الوزراء المطلوبين لحمل أعباء الدولة·
لكن ماذا يحدث اليوم في تطبيق هذه المادة على الواقع الفعلي؟ لقد ساهم الفساد والتردي في الأداء المؤسسي للدولة الى شيوع مفاهيم غريبة وشاذة في أعمال الإدارة العامة الأمر الذي جعل إقناع الشخصيات الرصينة لقبول التوزير أمراً صعبا، وهذه المشكلة التي أخرت تطوير البلاد مسؤول عنها مجلس الوزراء بصفته ممثلا للسلطة التنفيذية صاحبة البرامج والسياسات المفترضة للتنمية والتغيير، ولذلك لا يجد المراقب غرابة في بداية أي تشكيل وزاري من صعوبة الحصول على الأشخاص القادرة على العمل والتطوير، ولذلك نجد أن نوعية الوزراء التي تتقلد وزارات ذات أهمية ليست قادرة على أداء دورها البرلماني، فما بالنا بالدور المتعلق برسم السياسة؟ مع الأخذ في الحسبان أن المنصب الوزاري هو منصب سياسي بالدرجة الأولى فإن النقد الذي يوجه اليوم الى الوزراء النواب ما هو إلا تراكم لمسيرة طويلة من التعثر لم يستطع مجلس الوزراء الخروج منها، ومثل هذه المسيرة لا يرقى لها إلا مثل هذه النوعية من الوزراء الذين لا هم لهم إلا وضعهم الانتخابي بالدرجة الأولى·
لقد كان الهدف من صياغة هذه الفقرة من المادة (56) تحقيق التوازن والمشاركة في أعمال الإدارة العامة التنفيذية من قبل أعضاء مجلس الأمة، ومن أفراد الشعب ممن هم خارج المجلس سواء كمواطنين عاديين أو من أفراد الأسرة الحاكمة، وهو هدف نبيل بلا شك، إلا أننا نتحدث اليوم عن غياب المحاسبة وتفشي المحسوبية والفساد والتي اعترفت بها الحكومة علنا وأنشأت من أجلها مجلساً لخدمة المواطن نظر أخيرا في قرارات مجحفة قام بها وزراء منتخبون، ظلم فيها موظفون كثر وينظر مجلس الوزراء - ينظر فقط - في عملية تجميد - وليس إلغاء كل قرار مجحف صدر عن هؤلاء الوزراء منذ توليهم الوزارة·
لقد كشف استجواب النائب السابق حسين القلاف لوزير الكهرباء والشؤون طلال العيار حجم الفساد الإداري وتفشي المحسوبية، وساهم عدم طرح الثقة به الى استراحة باقي الوزراء من مبدأ المحاسبة، فهل وصلت الحكومة الى مبتغاها بتشويه مضمون هذه المادة باختيار الأسوأ من النواب للتوزير؟
المحرر