· اليهود كانوا يملكون 6 في المئة من فلسطين عام 1948 ولا يرضيهم الآن 78 في المئة منها
· اسحق رابين أمر بـ “تكسير عظام سكان الأرض الأصليين” في أثناء الانتفاضة الأولى
· قد يحصلون على دولة ولكنها لن تكون أكثر من محمية أو “بانتون”
· سمعة شارون السيئة بدأت عام 1953 حين أمر قواته بإعدام 69 عربيا على الحدود الأردنية
· كل الأيديولوجيين من اليمين المتطرف في واشنطن يؤيدون النهج الإسرائيلي
· أسفر اتفاق “الأرض مقابل السلام” عن استيلاء إسرائيل على المزيد من الأرض
· اتفاق أوسلو أدى الى تدهور اقتصادي ومزيد من النشاط الاستيطاني
· “الجريمة السياسية” هي محاولات شارون المتجددة لمحو الاستقلال السياسي للفلسطينيين
يلعب الفلسطينيون منذ زمن طويل دور هنود حمر العالم المعاصر، ففي القرن التاسع عشر، لم يظهر الأمريكيون أدنى اهتمام بسكان البلاد الأصليين، حيث استولوا على أرضهم وساقوهم بالقوة نحو الغرب قبل أن يجمعوهم في محميات، لقد كان هذا السلوك من البشاعة لدرجة أثارت إعجاب أدولف هتلر الذي أعلن أن الألمان يجب أن “يعاملوا سكان أوروبا الشرقية الأصليين معاملة الهنود الحمر في أمريكا”، ومن خلال قيام الولايات المتحدة على مدى ربع القرن المنصرم، بتزويد إسرائيل بالأسلحة والمساعدات والدعم، فقد مكنتها من التعامل مع الفلسطينيين بطريقة مماثلة·
ولا يعقد باروخ كيمرلنغ البروفيسور في علم النفس الاجتماعي بالجامعة العبرية في القدس وجويل ميغدال البروفيسور في الدراسات الدولية في جامعة واشنطن، مثل هذه المقارنة، على الرغم من أنهما - وربما بشكل عفوي - حين يشيران الى قطاع غزة يضعان لأحد فصول الكتاب عنوان “محمية فلسطينية”·
ولكنهما يرفضان الزعم الإسرائيلي التقليدي بأنه لم يكن هناك شعب فلسطيني حتى وقت قريب جدا، وهي الفكرة التي عبرت عنها رئيسة وزراء إسرائيل عام 1969 غولدا مئير التي قالت: “لا يوجد شيء اسمه فلسطينيون”، وقالت مئير المنحدرة من مدينة ميلواكي بولاية ويسكانسن في تصريح شهير لها “لم يكن هناك شعب فلسطيني في فلسطين يعتبر نفسه شعبا فلسطينيا، وجئنا وطردناه وأخذنا أرضه·· فلم يكونوا موجودين”·
وفي الوقت الذي ينفي فيه المؤلفان أيضا أن الفلسطينيين قد تواجدوا كشعب منذ زمن سحيق، فإنهما يجادلان أن الشعب الذي يعرف الآن بـ “الشعب الفلسطيني” كان نتاجا لمصادفتهم على مدى القرنين الماضيين لـ “القوى المؤثرة المنبثقة عن الأسواق الأوروبية والإدارة الحكومية ثم المستوطنات اليهودية”، وتميز النهج الاجتماعي - التاريخي للكاتبين بالأصالة والتنوير والإقناع·
نكسات خطيرة
لقد كانت المرحلة الحاسمة في محاولات تحويل الفلسطينيين الى هنود حمر هي “النكبة” عام 1948، حين تعرض أكثر من 750 ألف شخص أو 90 في المئة من العرب الذين كانوا يعيشون في الأراضي التي أصبحت تعرف بـ “دولة إسرائيل” أو 50 في المئة من إجمالي السكان في فلسطين التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني، الى التهجير بوساطة عملية “تطهير عرقي” وحشية على يد الإسرائيليين، وقد أنجز الإسرائيليون عملية “الترانسفير” (وهو مصطلح صهيوني) من خلال القيام بالمجازر واستخدام القوة والترويع، ورفضت إسرائيل السماح لهؤلاء اللاجئين بالعودة ومحت 40 قرية فلسطينية من الوجود·
وأدت حرب عام 1967 الى طرد للفلسطينيين بأعداد أقل واحتلال كامل أراضي فلسطين في عملية كانت هادئة نسبيا، باستثناء ما حدث في غزة حينما أمر القائد العسكري الإسرائيلي “آنذاك” ارييل شارون “بإعدام الكثير من الشباب الفلسطينيين دون محاكمة إثر محاولة للثورة ضد الاحتلال”، ويذكرنا كيمرلينغ وميغدال بأن سمعة شارون السيئة بدأت عام 1953 حين أمر قواته بإعدام 69 عربيا على الحدود الأردنية، منهم 46 بين امرأة وطفل·
وفي تلك الأثناء، أسس ياسر عرفات حركة “فتح” التي أصبحت نواة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وارتكب بعض الفلسطينيين أعمالا إرهابية مخيفة بما فيها “عملية ميونخ” ضد اللاعبين الإسرائيليين في دورة الألعاب الأولمبية عام 1972·
وعلى الرغم من أن منظمة التحرير نالت الكثير من الاعتراف الدولي، وعززت الهوية الوطنية، إلا أنها منيت بنكسات خطيرة، فقد طردت من الأردن على يد نظام الملك حسين وطردت من لبنان على يد الإسرائيليين·
سكان البلاد الأصليون
وبعد الخروج من لبنان، تعرض المئات من الفلسطينيين الى المجازر في مخيمي صبرا وشاتيلا على يد الميليشيات اللبنانية بتواطؤ إسرائيلي، وقد أدانت محكمة إسرائيلية شارون الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع آنذاك وجاء في الحكم أنه “يتحمل المسؤولية شخصيا” عن تلك المجازر، وأوصت بعزله من الحكومة·
وتعطي حدود ما قبل عام 67 إسرائيل 78 في المئة من أرض فلسطين وهي نسبة يعتقد معظم المراقبين أنها كبيرة جدا بالنسبة لأناس لم يكونوا يملكون قبل عام 48، سوى 6 في المئة من أراضي فلسطين فقط، ومع ذلك، فإن الإسرائيليين لم يرضوا بذلك، وبدأوا ببناء المستوطنات غير الشرعية في الأراضي القليلة المتبقية للفلسطينيين، وحين ثار الفلسطينيون على الاحتلال وسرقة أراضيهم بشكل متواصل، وأطلقوا انتفاضتهم الأولى عام 1987، جاء الرد الإسرائيلي عنيفا، وأوصى وزير الدفاع الإسرائيلي “آنذاك” اسحق رابين بـ “تكسير عظام سكان الأرض الأصليين”، ولكن هذه الانتفاضة، إضافة الى حرب الخليج عام 1991، قادتا الى اتفاق أوسلو عام 1993·
لقد تمكن المؤلفان من تشخيص الأسباب التي قادت الى فشل اتفاق أوسلو، وربما لم يشأ الإشارة الى عجز المفاوضين الفلسطينيين المثير للدهشة، فهم إما أنهم لم يدركوا حجم المستوطنات أو أنهم اعتمدوا على نوايا إسرائيل الحسنة، ولذلك لم يطالبوا بالوقف الفوري لبناء المستوطنات، وعليه، فقد أسفر الاتفاق الذي كان ينبغي أن يقود الى إعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة مقابل السلام، أسفر - بدلا من ذلك - الى استيلاء إسرائيل على المزيد من الأرض، ومع حلول عام 2000، تضاعف عدد المستوطنات غير الشرعية التي أقيمت في الأراضي المحتلة منذ اتفاق أوسلو، مرتين·
جريمة سياسية
ويعتقد المؤلفان - وهما محقان تماما في ذلك - أن اتفاق أوسلو كان يعاني من خللين أساسيين هما: أنه لم يكن هناك محكم ثالث، كما أن الاتفاق لم يكن متوازنا، فالإسرائيليون كانوا يريدون اعترافا من منظمة التحرير الفلسطينية وإنهاء عمليات العنف فورا، وحصلا على ما أرادوه، وكل ما حصل عليه الفلسطينيون لا يتعدى كونه وعودا بدولة ذات سيادة وإنهاء الاستيطان اليهودي وحلا عادلا لمشكلة اللاجئين، ولم يف الإسرائيليون بأي من هذه الوعود·
ورأى الفلسطينيون أن النتائج الرئيسية لعملية أوسلو هي التدهور الاقتصادي وزيادة، أكثر من أي وقت مضى، في النشاط الاستيطاني، إضافة الى سياسة الفصل العنصري من خلال الطرق الالتفافية التي يمنع استخدامها من قبل غير المستوطنين اليهود، ولذلك انفجر العنف مرة أخرى·
وفي ختام هذا الكتاب التاريخي الجاد والمنصف، يرى المؤلفان كيمرلنغ وميغدال، الفلسطينيين يواجهون “محاولات شارون المتجددة لمحو استقلالهم السياسي” في ما يمكن أن يطلق عليه “جريمة سياسية”· وعلى الرغم من تصريحات الرئيس الأمريكي جورج بوش المتكررة بأنه يحبذ قيام دولة فلسطينية، إلا أن إدارته فعلت حتى الآن كل شيء يريده شارون الذي يعارض قيام مثل هذه الدولة والذي وصفه بوش، بشكل يثير السخرية، بأنه “رجل سلام”·
وبالإضافة الى ذلك، فإن كل الأيديولوجيين من اليمين المتطرف في واشنطن يؤيدون النهج الإسرائيلي، إنهم شارونيون ولا تعني العدالة للفلسطينيين بالنسبة لهم أكثر ما كانت تعنيه العدالة لسكان أمريكا الأصليين في نظر الرواد الأمريكيين، ولذلك، من الصعب أن يشعر المرء بالتفاؤل، فربما يحصل الفلسطينيون في النهاية على شيء يطلق عليه “دولة”، فهذا أمر ممكن جدا، ولكنه في الواقع سيكون أشبه بـ “البانتون Bantustan” أو “المحمية Reservation”·
“ عن صحيفة الأوبزرفر البريطانية “
___________________________________________________
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
saleh@taleea.com