· خصخصة الصناعة النفطية في العراق تهدد باندلاع حرب طائفية أو تؤدي إلى إغناء حفنة من الفاسدين كما حدث في روسيا
· المواطنون في الدول الغنية بالنفط يعتمدون عليها في تأمين حياتهم ورفاههم بدلا من الاعتماد على أنفسهم
· رفع قيمة العملة المحلية لدى الدول النفطية يسهل استيراد السلع والخدمات بدلا من تطوير اقتصاد متنوع لإنتاجها
· معظم الدول النفطية هُدِرت ثرواتها على المحاسيب والفساد وبناء قواتها المسلحة
· المملكة العربية السعودية نسبة التعليم فيها %63 مقابل %97 في أمريكا و%100 في اليابان وألمانيا
· أبلغ كولن باول الكونغرس بأن الإدارة الأمريكية تدرس تطبيق نموذج ألاسكا على العراق
بقلم: ماريغو آثانز
بعد أن استأنف العراق تصدير نفطه إثر رفع العقوبات الدولية التي ظلت مفروضة عليه طوال ثلاثة عشر عاما، سيتم استخدام عائدات النفط في تمويل مجتمع عراقي تسوده المساواة وينعم بالديمقراطية·
أو هذا ما يأمله صانعو السياسية الأمريكية·
ولكن في الواقع لا توجد ديمقراطية في أي من الدول الغنية بالنفط، حيث شجع المال السهل على الفساد ووفر مهربا من المهمة التي تعتريها الفوضى أحيانا، والهادفة الى خلق اقتصاد متنوع وطبقة وسطى قادرة على الاعتماد على نفسها·
والاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هو النرويج التي تعتبر - إضافة الى ولاية ألاسكا - نموذجا محتملا لصناعة النفط العراقية مستقبلا، فكلا من النرويج وألاسكا، تقومان بعملية ناجحة لإعادة توزيع حصة أساسية من الثروة النفطية بشكل مباشر على مواطنيهما، ولكن كلا النموذجين برزا من ديمقراطية قائمة في مجتمعين ثريين ولا يمثلان نموذجا قابلا للتطبيق في بلد تمزقه الحرب كالعراق، وحيث تصل تكاليف إعادة إعماره الى مئات المليارات من الدولارات·
أما النموذج الثالث المحتمل، فهو تجربة دولة تشاد الإفريقية الصغيرة التي يعمها الفقر والتي يقوم البنك الدولي بتمويل خط لأنابيب النفط من المتوقع أن يجلب للبلاد أرباحا سنوية تصل الى نحو 200 مليون دولار من مشاريع تطوير الثروة النفطية·
وبموجب اتفاق تمويل المشروع مع البنك الدولي، يتم تخصيص 80 في المئة من عائدات النفط الى التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية والتطوير الحضري والبنية التحتية وإدارة المياه والبيئة·
وتذهب الـ 20 في المئة الأخرى من عائدات النفط الى “صندوق الأجيال المقبلة” والتنمية المناطقية في الأقاليم المنتجة للنفط ولتغطية الاحتياجات الملحة للحكومة·
تخرصات
أما إذا كان بالإمكان تطبيق أي من هذه النماذج على العراق، فهو أمر لا يعدو كونه تخرصات، إذ يقول مايكل روس، بروفيسور العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجلوس الذي يدرس هذه المسألة “ليس لدينا أي نماذج يمكن أن يحتذى بها لكيفية قيام دولة نامية غنية بالنفط، بإدارة مواردها النفطية، فمعظم هذه الدول هدرت ثرواتها النفطية على المحاسيب والفساد وكثيرا ما استخدمتها لبناء قواتها المسلحة”·
ويجري الحديث في الكونغرس حول “صندوق ألاسكا الدائم” الذي أنشئ في السبعينات في أثناء بناء “خط أنابيب عبر ألاسكا” لضمان استثمار العائدات النفطية بحيث يتم ادخار الجزء الرئيسي وتوزيع جزء منها على كل مواطن ألاسكي سنويا، ففي العام الماضي مثلا تسلم كل مواطن ألاسكي شيكا بقيمة 1540 دولارا، ونمت مدخرات الصندوق الدائم الى أكثر من 20 مليار دولار، فضلا عن مبلغ يقاربه تم توزيعه على السكان مباشرة، خلال السنوات الماضية·
وقد أبلغ وزير الخارجية كولين باول إحدى لجان الكونغرس أخيرا أن الإدارة الأمريكية تدرس تطبيق نموذج ألاسكا في العراق، مشيرا الى أن المسؤولين الأمريكيين يريدون التأكد من أن جزءا من عائدات النفط العراقي “تذهب مباشرة الى الناس، بحيث يكون لهم الخيار في التصرف بها”·
في البدء كانت الديمقراطية
لكن أستاذة العلوم السياسية في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا تيري لين كارل التي ألفت كتاب “مفارقة الوفرة: الطفرات النفطية ودول البترول” ترى أن تجربة ألاسكا غير مناسبة للوضع في العراق، فهي تقول إن “ألاسكا هي إحدى الولايات الأمريكية وليست دولة مستقلة، ولذلك، فإن فكرة استخدام ولاية صغيرة غير مكتظة بالسكان كنموذج للعراق هو أمر مثير للسخرية، فنحن هنا لا نتحدث عن الفارق بين نوع معين من الفاكهة وآخر، بل بين الفاكهة واللافاكهة”·
وأشارت أيضا الى أن ألاسكا تواجه أسوأ عجز في الميزانية من بين الولايات الأمريكية كافة، كما أن “الصندوق الدائم” لا يعمل كما كان متصورا·
أما النرويج لتلقى الكثير من الثناء باعتبارها الدولة الوحيدة في العالم الغنية بالنفط وتتمتع بالديمقراطية وتمكنت من تجنب الفساد، ففي كل عام يتخذ البرلمان النرويجي قرارا بإيداع صافي الإيرادات النفطية بعد تغطية العجز في ميزانية الدولة غير النفطية، ويتم استثمار كامل هذه الأموال في الخارج لإبقاء القرارات المالية بمنأى عن الاعتبارات السياسية الداخلية ولحمايتها من أي تراجع في الصناعات المحلية·
ويحذر “معهد المجتمع المفتوح” الذي يتخذ من واشنطن مقرا له بعد أن درس نماذج عدة، من أن عائدات النفط في حالة النرويج دخلت الى دولة ثرية وقليلة السكان وذات ديمقراطية راسخة واقتصاد متنوع، مشيرا الى أن هذه التجربة قد لا تنجح في الدول الأقل تقدما·
وتقول كارل إنه “كان هناك (في حالة النرويج) من كان يحبذ العمليات المحاسبية والرقابية، وكانت هناك الشفافية أيضا والديمقراطية الموجودة قبل النفط والخدمة المدنية ومراقبة أي شكل من أشكال الفساد”·
أما في تشاد، فقد فرض البنك الدولي الكثير من المتطلبات الإنسانية والاستثمارية كشرط لتقديم قرض للمساعدة في تمويل مشروع خط أنابيب تشاد - الكاميرون، المقرر استكماله العام المقبل، ويقول روس إن “أحدا لا يمكنه أن يعرف ما إذا كان هذا المشروع سينجح أم لا، لأن أموال النفط لم تبدأ بالتدفق، إنها تجربة مثيرة”·
لعنة
ويقول الخبراء إن العراق بوضعه الراهن حيث نقص الماء والغذاء والكهرباء والأدوية يشكل كابوسا يوميا، ولا تلوح انتخابات محلية في الأفق، فإن هناك احتمالا ضعيفا لأن يصمم العراقيون نظاما لإدارة الموارد النفطية بشكل يعود بالفائدة المباشرة على المواطنين في وقت قريب·
ويشير هؤلاء الخبراء الى الدروس التحذيرية من مختلف أنحاء العالم حيث ثبت أن الثروة النفطية كانت لعنة، أو “مخلفات الشيطان” على حد تعبير وزير النفط الفنزويلي الأسبق خوان بابلو بيريز الفونسو، في مقابلة أجريت معه قبل نصف قرن·
فالدول الغنية بالنفط التي لا حاجة لها لفرض ضرائب على شعوبها، هي في المقابل، ليست مسؤولة أمام هذه الشعوب، كما يرى المحللون السياسيون·
إذ يقول جيمس دوبنز، الباحث في مؤسسة “راند” الأمريكية إن “المواطنين في هذه الدول يصبحون معتمدين على الدولة في تأمين حياتهم ورفاههم، بدلا من الاعتماد على أنفسهم”·
فالاقتصاد الذي يعتمد على النفط يعمل جيدا حين تكون الأسعار مرتفعة، كما يقول روبرت ايبل، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الذي يتخذ من واشنطن مقرا له “ولكن حين تنخفض أسعار النفط، فإنها تواجه متاعب مالية، ويؤدي العائد النفطي الى رفع قيمة العملة المحلية ويجعل من السهل استيراد السلع والخدمات التي يحتاجها الناس بدلا من تطوير اقتصاد متنوع ينتج هذه السلع والخدمات”·
مؤشر غير مشجع
ويقول روس إن نيجيريا، خامس أكبر الدول المصدرة للنفط الى الولايات المتحدة، حصلت آلافا عدة من مليارات الدولارات كعائدات نفطية على مدى الثلاثين عاما الماضية، لكن دخل الفرد في نيجيريا هو اليوم أقل مما كان عليه عام 1970، وظلت البلاد تخضع لحكم الدكتاتوريات العسكرية لمعظم قيام هذه الدولة منذ استقلالها، وأعاق التحول الى الديمقراطية في نهاية التسعينات، نزاع داخلي مرير في الجزء المنتج للنفط من البلاد·
ويقول روس إن “الحكومة النيجيرية لم تكن يوما قادرة على فرض الإدارة السياسية على كل عائدات النفط”·
ووفقا لتقرير “الماناك الدولي” world almanac لعام 2003، فإن المملكة العربية السعودية التي تمتلك الاحتياطي النفطي الأكبر في العالم وذات النخبة الثرية الحاكمة، تصل نسبة التعليم فيها الى 63 في المئة مقابل 97 في المئة في الولايات المتحدة و100 في المئة في اليابان وألمانيا·
وربما يمكن للعراق أن يخصخص صناعته النفطية، ولكن ذلك ربما يؤدي الى إطلاق حرب طائفية بين الشيعة والأكراد والتركمان الذين يعيشون في المناطق الغنية بالنفط، أو ينتهي ذلك الى إغناء حفنة من الفاسدين كما حدث لدى خصخصة الثروة النفطية في الاتحاد السوفييتي السابق·
وتقول كارل إن “المسألة الرئيسية ليست هي في النموذج الذي نطبقه، بل في الشفافية الكاملة والمطلقة في إدارة صناعات النفط ذاتها وتشغيلها وفي إدارة الواردات النفطية وطريقة إنفاقها”·
والأكثر إثارة للقلق - بالنسبة الى كارل - هو أن الولايات المتحدة باعتبارها قوة احتلال، قامت بترسية بعض العقود بصورة سرية، الى شركة “هاليبورتون” وشركة “كيلوغ براون أندروث” التابعة لها، دون عرض هذه العقود في مناقصات مفتوحة للمنافسة، والعقود تتعلق ببناء الجيش وإصلاح وتشغيل آبار النفط·
وقد سبب ذلك حالة من السخط ليس فقط لطريقة ترسية العقود، بل للصلات الوثيقة بين الحكومة الأمريكية وشركة هاليبورتون التي ترأسها نائب الرئيس ديك تشيني ذات يوم، وترى كارل في ذلك مؤشرا غير مشجع لمستقبل إدارة العراق، ولاسيما ثروته النفطية·
“ عن صحيفة بالتيمور صن الأمريكية “
___________________________________________________
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
saleh@taleea.com