اعتذروا عن فكر··لا موقف
نشمي مهنا
الاعتذارات التي بدأت تتتابع منذ انتهاء حرب تحرير العراق، والموجهة من مثقفين وإعلاميين وكتاب عرب الى الشعب العراقي، جميعها محاولات فاشلة “للضحك على الذقون”، ولتجسير المودة والمصالحة (والمصالح) من جديد، بعد أن كانوا يراهنون على صمود نظام الطاغية، وتلقين الأمريكان درسا “فيتناميا”، يفرغون به أحقادهم، على أرض الرافدين·
هؤلاء الذين يصورون أنفسهم الآن كالعائدين من الضلالة، وكالمستغفرين عن ذنب مؤازرة نظام دموي تكشفت لهم الآن مجازره، هم أدرى بتفاصيل تلك المجازر، وأعلم بقدراته الشيطانية على ابتكار الجرائم، ولم يكونوا في حاجة الى رؤية أطنان بقايا الجثث، وتلال الجماجم، حتى يعترفوا بدموية النظام البائد، وإلا لما طعنوا - أيام الحرب - بوطنية أفراد المعارضة العراقية المرحبة بالتحرير، ولما تجاهلوا أصوات أصدقائهم العراقيين المغتربين من شعراء وكتاب ومثقفين ملؤوا شوارع العواصم العربية برواية المأساة العراقية، ولما انتظروا توقيت الاعتراف بدموية صدام، حتى مساء التاسع من إبريل، فهل نصرة الحق معلقة بنتائج الحروب؟!
هناك مثل شعبي مدمّر، يقضي بأن تمد يدك لأخيك الغريق، فإن تأكدت أن لا أمل في إنقاذه، فسارع الى إنقاذ نفسك وطأ رأسه كي لا يسحبك معه الى القاع!!
جميعهم غرقى في وحل لا قرار له، النظام البائد وهؤلاء الذين يحاولون إقناعنا بـ “شهادات البراءة”، بعد أن وضعونا - في الكويت - تحت مطارق إعلامهم، وروجوا ضدنا أيام الحرب ادعاءات باطلة، وحاولوا خنق العراقيين بقبضة “التخوين”·
لن تجدي تبريرات ممثل منتهي الصلاحية بأن زياراته الى بغداد كانت بهدف كسر الحصار عن الشعب العراقي·
ولن تنفع اعترافات مذيع من أهلنا في الإمارات (جابر عبيد) أنه كان مغيبا بسبب أكاذيب الصحاف، وتصديقه للأخبار المنقولة له من ساحة المعركة، وقد زاد وزير إعلامه هذا الاعتراف سوءا حينما علل سياسته الإعلامية المتعاطفة مع النظام البائد بمداراة خواطر المسؤولين في النظام كي يسمحوا له بالنقل المباشر، معترفا ضمنا بأنه يبحث عن سبق إعلامي، لا عن حقيقة تائهة!·
ووسط هذه الاعترافات، والاعتذارات الزائفة، يتأكد وفي كل موقف (يتكرر دوما) أن العلة ليست في نقص المعلومة، أو في تصديق أكاذيب، والتعرض لخداع، إنما في جذر الفكر العربي، الباحث عمن يمده بهذه الأكاذيب التي تتوافق وقناعاته الثابتة، وعواطفه وأمانيه وخرافاته·
أي أننا مهيؤون، ونمتلك أرضا خصبة بـ “السوس” ونبحث عن إعلام فاسد، لا العكس·
منذ أيام نشر كاتب فلسطيني (زياد خداش) رسالة اعتذار في ملحق “النهار” بعنوان “سامحونا” يطالب العراقيين أن يسامحوه عن رسالة كان قد نشرها أيام حرب تحرير العراق، موجهة الى صديقه الروائي العراقي محمد خضير، يدعو فيها الى محاربة “الاستعمار الجديد” ويبارك بطولات النظام حينذاك·
هذا الخطأ الفلسطيني المتكرر، أيام غزو الكويت، وأخيرا في حرب تحرير العراق، يأتي أشد غرابة وإيلاما لانحراف بوصلات صاحبه عن نصرة الإنسان مستلب الحريات والحقوق، فيضيع في متاهة ينقاد إليها راضيا، ما دامت تقود الى متاهات جماعية، مكررا مأساة الحيتان التي تدفعها غريزتها الى خيار الموت الجماعي!
يقول هذا المعتذر: “كنا نرى في ديكتاتوركم مخلّصا وكان هو يرى فينا المخْلصين·· ولم نكن نعرف ماذا يحدث هناك، سامحونا أيها العراقيون، انتشينا ولم نكن نعرف أنكم تعانون نشوة الإغماء جوعا منذ سنوات طويلة وأنكم نسيتم فن الرقص في عماء البحث عن رغيف الخبز الأغبر··
لم نكن نعرف أننا كنا نحدق في خرابكم وانهدامكم داخل مرايا أيامنا·
حين كتبت رسالة الى القاص العراقي محمد خضير أبارك له فيها بطولات العراقيين في مواجهة الاستعمار الجديد وأشيد فيها بزمن عربي مقبل لا خوف فيه ولا ذل، وأتوقع انتصار جلجامش على ريتشارد بيرل، لم أكن قد رأيت المقابر الجماعية ولا زنازين الخوف والتعب ولا ما حدث في حلبجة والأنفال”·
انتهى اعتذاره··
فهل صحيح أن هذا الكاتب وذاك المفكر والشاعر والصحافي والروائي والفنان والممثل والإعلام العربي لم يكن يعلم حقيقة صدام؟!!
nashmi@taleea.com
__________________________________________________