
بقلم: د· أيمن العشماوي
من وجوه التعثر في حياتنا الأدبية أن الإنتاج الأدبي المعاصر تكاد صلته تنقطع، ليس بتراثنا العربي القديم فحسب، بل بتراثنا الأدبي القريب أيضا، وقد يكون الانقطاع عن التراث القديم قضية ترجع الى أسباب تاريخية وثقافية كثيرة، كما يرجع جانب من جوانبها الى افتقار حركتنا الثقافية عامة الى نظرية وتخطيط بعيدين، ويعود جانب آخر من جوانب تلك القضية الى أنظمتنا التربوية والجامعية، ومؤسسات الثقافة والنشر، غير أن مسؤولية الانقطاع عن التراث الأدبي القريب إنما تقع على دارسي الأدب ونقاده الذين يصرفون للأسف معظم جهودهم الى الكتابة في المناسبات الأدبية العارضة من مثل عرض الكتب، والنقد التطبيقي - غالبا ما يكون صحافيا متسرعا، ويقتصر على ما تصدره المطابع من مسرحيات وروايات ودواوين - ولا يمكن أن ينهض الضمير العام الأدبي للشعب والمؤسسات العلمية - إن صحت العبارة - إلا على تواصل الخبرة واستمرار التجربة·
غير أن جامعة الكويت قد استطاعت لحسن الحظ أن تتفادى هذا التعثر لا بالقياس الى تراثنا الأدبي القديم فحسب بل بالقياس الى تراثنا الأدبي القريب فخصصت كلية الآداب وشعراء تراثها القريب سلسلة من الدراسات ينهض بها الدارسون والباحثون كل عام حول علم من أعلام الإبداع، جاءت لفتة حضارية جديرة بكل إعجاب وتقدير·
وها هي ذي تختار هذا العام أديبا رفيع القدر، عالي الهمة ومن الذين ارتفعوا بقيادتهم وتصرفاتهم الى أعلى مراتب الإنسانية والسمو الروحي، ومن هؤلاء الذين استطاعوا باقتدار أن يجعلوا فكرهم ووعيهم مسؤولا تجاه أنفسهم وإنسانيتهم، كما هو مسؤول تجاه وطنه، وإحساسه بالأمانة الملقاة على كتفيه ولا سيما إذا استبد بالمجتمع مستبد، فالمفكر هو اللسان الناطق عن مجتمعه - وإذا ما وجد المفكر أنه عاجز عن القيام بواجبه ومسؤولياته فقد خذل نفسه، وخان ضميره لأن المفكر هو ضمير مجتمعه أولا وأخيرا، ومن حقه أن يرفض وأن يثور وأن يتكلم جهرا، وأن تكون له حرية الرأي وحرية القول، وهكذا كان جاسم القطامي في مواقفه الوطنية فقد قاد النضال القومي يوم وقف في وجه المستعمر الإنجليزي الذي كان يضغط بعنف على الحكومة أن توقف المتظاهرين، فقد طلب الحاكم العسكري من الحكومة أن تنزل الشرطة لتفريق المتظاهرين الذين خرجوا يشجبون الاعتداء الثلاثي على مصر عام 1956، وكان القطامي في ذلك الوقت يشغل منصب المدير العام للشرطة فاستقال من منصبه احتجاجا على تدخل الإنجليز إذ كيف يسمح لنفسه أن يستجيب لضغوط الإنجليز وهو الذي يردد على مسامع أفراد الشرطة كل يوم أن الشرطة في خدمة الشعب فكيف يخادع نفسه ويخذلها·
هذا الموقف لا يقفه، عادة إلا عظماء النفوس الذين قويت عزائمهم، وانكشفت بصيرتهم، وشفت رؤيتهم، وهو موقف واحد من مواقف كثيرة كان فيها القطامي على هذا القدر من الصلابة التي لا تلين في الدفاع عن الحق ووسط ظروف وأحداث اهتزت وتخلخلت فيها المقاييس والقيم·
أما عن عطاء القطامي القصصي والأدبي فهو لا يقل قيمة عن مواقفه النضالية الوطنية والقومية·
فمقالات القطامي وقصصه تؤكدان حقيقية يستشعرها القطامي في كتاباته وهو أنه في كل عمل فني يجب أن يخدم في النهاية رؤية أو موقفا أو فكرة أساسا مقيمة في ذهنه، وعليه أن يكتب لكي يستوضح هذا الشيء الذي يعايشه والذي هو ملح عليه باستمرار فهو يكاد يكون مجبرا على الكتابة لكي يكشف عن هذا الشيء الذي يؤرقه لكي يستريح، فالفن في النهاية هو استطلاع ليس فقط لتفاصيل حياة الكاتب وحياة الناس الآخرين وإنما هو نوع من التخلص مما يثقل دواخل الكاتب لكي يستطيع أن يحرر ذاته من الداخل، وفي الوقت نفسه يرى الحياة على شكل مفعم بالمشاعر التي ما كانت لتوجد، وما كان ليحس بها لو لم يكتب عنها·
ولكن ما هذا الشيء الذي يلح كل هذا الإلحاح على كاتبنا إنه في تقديري أمران الأول: تصوير ما يحدث في مجتمعه·
الثاني: هو تصوير الرؤية المستقبلية التي هي جزء مهم فيما يدعو إليه الكاتب، ففي مقالاته “نعمة من السماء” و”بعثة البنات كيف نريدها”، و”المشكلة الكبرى” ترى رؤية اجتماعية واقعية هي المنطوى الداخلي لرؤية الكاتب لما ينبغي أن يتحقق لمجتمعه وضرورة خلاص الفرد وإصلاحه فخلاصه يخلص المجتمع، فالخلاص ليس فرديا، لأن نجاة الفرد من العقم هو في الواقع نجاة للمجتمع·
وفي قصصه القصيرة “نهاية بحار”، “ويوميات بحار” و”مذكرات بحار”، و”الصورة الجديدة”، و”هذا جناه أبي” نجد أنها جميعها تصور واقع الحياة في المجتمع الكويتي: ما كان عليه وما يتصوره الكاتب لمستقبل الفرد والمجتمع فيه·
وهذا الاتجاه الذي يحرص على أن يكون للكاتب دور في بناء الحياة على الصورة التي يتمناها لمجتمعه هو الاتجاه الذي يرى أن للمثقفين دورا في التغيير وإعادة البناء فهم المغيرون وهم الثوريون الحقيقيون، فالثقافة هي التي تغير في النهاية، والذي لا ريب فيه هو أن للمثقفين دورهم الأكبر في هذا المجتمع، وعلى أكتافهم تقع مسؤولية ارتقاء المجتمع ونهضته·
ولقد جمع القطامي في أعماله الأدبية الى سلامة اللغة، سعة الاطلاع، واستقامة التفكير، وحسن الذوق، والأهم من ذلك كله معاناته لما يدور في الحياة من حوله، وهي التي دفعت به الى اعتناق مبدأ اجتماعي بعينه فراح يعمل له بكل قواه إيمانا منه بأنه المبدأ الأوحد الذي يكفل للإنسانية الخلاص من الجهل والعسف والفقر ويحقق لها الوصول الى أقصى ما تتمناه من سلامة الفرد وانطلاقه في دنيا الخلق والإبداع·
ألا بوركت يا قطامي، وبورك فكرك ونضالك··· فعندما يؤرخ المؤرخون للنهضة الأدبية الحديثة في دنيا العرب فلن يستقيم لهم تاريخ لا يكون لك فيه مقام الدعامة من دعامات تلك النهضة·
____________________________________________________