رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 20 ربيع الآخر1424هـ -21يونيو2003
العدد 1582

بينما انتهجت الدول المتقدمة أسلوب عدم الاعتراف بالملكية الفكرية وحماية الصناعات المحلية
الدول الفقيرة تمنع من انتهاج الطريق نفسه!

·         التطور الصناعي قام على الحماية التجارية في بريطانيا وأمريكا وعلى سرقة التكنولوجيا في سويسرا وهولندا

·         لا يمكن قيام صناعة متقدمة في الدول الفقيرة في ظل المنافسة المفتوحة مع الشركات العالمية الكبرى

·         الثورة الصناعية دعمت في بريطانيا بتدخلات حكومية قاسية

·         لم تعترف سويسرا وهولندا ببراءة الاختراع في معظم القطاعات الاقتصادية خلال مراحل تطورهما

·         لم تتقدم اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية من خلال التجارة الحرة

·         ظلت الولايات المتحدة الدولة الأكثر اعتمادا على الحماية التجارية في العالم حتى عام 1913 خلال هذه الفترة حققت النمو الاقتصادي الأسرع على الإطلاق

·         حوصرت الدول الفقيرة في موقعها كمورد للمواد الخام والعمالة الرخيصة الى شركات العالم الثري

·         لم تفتح بريطانيا أسواقها إلا بعد أن حققت التفوق التكنولوجي في معظم نواحي التصنيع

 

بقلم: جورج مونيبوت

تذهب الخرافة في الدول القوية الى أنها حققت تفوقها الصناعي والتكنولوجي من خلال التجارة الحرة، ويقال للدول الفقيرة الآن، إنها إذا أرادت أن تسلك الطريق الذي سلكناه الى الثروة، فعليها أن تفتح اقتصاداتها للمنافسة الأجنبية، إننا نخدع هذه الدول·

لقد حدث التحول الصناعي في كل من الدول الغنية بمساعدة إحدى اللتين يجري الآن حظرهما في قواعد التجارة العالمية، الأولى، “حماية الصناعات الوليدة”، أي الدفاع عن الصناعات الجديدة من المنافسة الأجنبية الى أن تصبح كبيرة بما يكفي للمنافسة وفقا لشروط متساوية، والثانية، هي سرقة الملكية الفكرية، وقد أثبتت التجارب التاريخية أن التطور التكنولوجي لا يتأتى دون إحدى هاتين القاعدتين أو كليهما·

لقد تأسست الثورة الصناعية في بريطانيا على صناعة المنسوجات التي تغذت ودعمت من خلال تدخلات الحكومة القاسية، ووفقا لتأريخ خبير النمو الاقتصادي في جامعة كامبريدج هاجون تشانغ من القرن الرابع عشر فصاعدا، فقد عمدت الحكومة البريطانية الى كبح جماح منافسيها بشكل منظم من خلال السياسات الضريبية أو حظر استيراد المنتجات الأجنبية وحظر تصدير المواد الخام الى دول لديها صناعات منافسة، ووسعت الحكومة نطاق الحماية لتشمل المنتوجات الجديدة التي بدأنا بتطويرها في أوائل القرن الثامن عشر·

وبعد أن حققت بريطانيا التفوق التكنولوجي في كل نواحي التصنيع تقريبا، اكتشفت فجأة فضائل التجارة الحرة· ولم نفتح معظم أسواقنا إلا في الخمسينات والستينات من القرن التاسع عشر·

قيود مشددة

وكذلك فإن الولايات المتحدة التي تصر على أنه لا يمكن لأي دولة أن تتطور دون تجارة حرة، دافعت عن أسواقها بالقوة نفسها في أثناء مرحلة تطورها الرئيسية، لقد كان الكساندر هاملتون أول وزير خزانة أمريكي هو أول من ابتدع فكرة حماية الصناعات الوليدة، لقد كانت الضريبة المفروضة على كل المنتوجات المستوردة في عام 1716 هي 35 في المئة وارتفعت الى 40 في المئة عام 1820، وارتفعت الى 50 في المئة بالنسبة الى بعض السلع عام 1832، وبالإضافة الى تكاليف التصدير والنقل الى الولايات المتحدة، فإن هذه الضريبة أعطت المنتجات المحلية أفضلية كبرى على المنتجات المستوردة·

لقد شكلت مسألة الحماية التجارية سببا متقدما على موضوع إلغاء العبودية في الحرب الأهلية الأمريكية، فالتعرفة الجمركية العالية ساعدت الولايات الشمالية التي كانت تشهد نهضة صناعية سريعة لكنها ألحقت الضرر بالولايات الجنوبية التي كانت تعتمد بقوة على الواردات، وانتصار الجمهوريين كان بمثابة انتصار لمبدأ فرض الحماية التجارية على المنادين بالتجارة الحرة، ففي عام 1864، وقبل انتهاء الحرب، رفع الرئيس ابراهام لينكولن الضريبة على الواردات الى مستوى لم يسبق له مثيل، وقد ظلت الولايات المتحدة الدولة الأكثر اعتمادا على الحماية التجارية في العالم حتى عام 1913، وخلال هذه الفترة كانت أيضا الدولة ذات النمو الاقتصادي الأسرع على الإطلاق·

والدول الثلاث التي حققت تطورا لا يضاهى على مدى الستين عاما الماضية وهي اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية، لم تفعل ذلك من خلال التجارة الحرة، بل من خلال إصلاح الأراضي والحماية التجارية وتمويل الصناعات الرئيسية والدعم الحكومي النشط للصادرات·

وفرضت هذه الدول الثلاث قيودا مشددة على الشركات الأجنبية التي تسعى لإقامة المصانع في أراضيها، وخصصت حكومات هذه الدول الثلاث استثمارات ضخمة في البنية التحتية والبحث العلمي والتعليم، ففي كوريا الجنوبية وتايوان، امتلكت الدولة كل البنوك التجارية الرئيسية، الأمر الذي أتاح لها (أي الحكومة) اتخاذ القرارات الرئيسية بشأن الاستثمار، وفي اليابان، فرضت وزارة التجارة الدولية والصناعة قيودا مماثلة بوسائل قانونية، لقد استخدمت الدول الثلاث التعرفة الجمركية وعددا آخر من الأساليب القانونية الماكرة لإغلاق الباب أمام المنتجات الأجنبية التي كانت تهدد نمو صناعاتها الجديدة، ومنحت هذه الدول إعانات كبيرة لصادراتها، بمعنى آخر، فعلت كل ما تحظر ممارسته كل من منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي أو على الأقل ما تحض هذه المؤسسات الدولية على تفاديه·

سرقة التكنولوجيا

ولكن هناك نموذجان صارخان يمثلان استثناء من هذا الخط المؤدي الى التطور، فلم تلجأ سويسرا وهولندا الى أسلوب حماية الصناعات الوليدة، فكما أظهر المؤرخ الاقتصادي اريك شيف في كتابه بعنوان “التصنيع دون براءة اختراع وطنية” الذي نشر عام 1971، فإن هاتين الدولتين قامتا - ببساطة - بسرقة التكنولوجيا من دول أخرى - فخلال مراحل تطورهما الصناعي الرئيسية (1850-1907 في سويسرا و1869 - 1912 في هولندا) لم تكن الدولتان تعترفان ببراءة الاختراع في معظم القطاعات الاقتصادية·

لقد انطلقت عملية التصنيع في سويسرا عام 1859 حين تمكنت شركة صغيرة في مدينة بازل من سرقة طريقة تصنيع أحد أنواع الصبغ الصناعي الذي طور وسجلت براءة اختراعه في بريطانيا قبل عامين، وقد أطلق على الشركة فيما بعد اسم “سيبا Ciba”، وبعد سلسلة من عمليات الاندماج الأخيرة أصبح اسمها “نوفاريتس Novartis” ثم أخيرا أصبح اسمها الآن “سينغنتا Syngenta”، وفي هولندا، تمكنت شركتان في عام 1870 هما “جيرغنز Jurgens” و”فان دين بيرغ Van den bergh” من سرقة وصفة براءة اختراعها مسجلة في فرنسا، وبدأتا بإنتاج شيء يدعى مرغرين، ثم اندمجتا فيما بعد تحت اسم “يونيليفر Unelever”، وفي التسعينات من القرن التاسع عشر، سرق “جيرارد فيليبس” تصميم توماس أديسون من المصابيح الكهربائية وأسس أكبر وأنجح شركات الالكترونيات في أوروبا·

لقد أصبح محظورا على الدول الفقيرة اليوم، بموجب أنظمة التجارة العالمية، السير في أي من المسارين لتحقيق التطور، فالصناعات الجديدة تتعرض مباشرة الى المنافسة الكاملة مع الشركات العالمية الكبرى التي تمتلك رؤوس الأموال الضخمة والخبرة الواسعة وحقوق الملكية الفكرية، وتقيم شبكات تسويق راسخة وهناك اقتصادات كبرى تقف الى جانبها·

فالدول الصناعية تشجع “نقل التكنولوجيا” نظريا، لكنها تمنعها من الناحية العملية من خلال براءة الاختراع غير مسبوق من حيث القسوة والشدة، لقد انحشرت الدول الفقيرة العاجزة عن تطوير صناعات منافسة، في موقعها كمورد للعمالة الرخيصة والمواد الخام الرخيصة الى شركات العالم الثري، ونتيجة لذلك، تمنع الدول الفقيرة من التقدم أبعد من مستوى محدد على طريق التطور، وفي حين لا يوجد مسوغ منطقي للسبب في السماح للدول الغنية بحماية شركاتها، إلا أن هناك مبررا قويا للسماح للدول الفقيرة بانتهاج المسالك التي يبدو أنها الوحيدة التي تحقق التطور·

“ عن مجلة نيوسيانتيست (New Scientist) “

___________________________________________________

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها

saleh@taleea.com

طباعة  

هل مصير العراق كباقي الدول الغنية بالنفط؟!
لا توجد دولة نفطية ديمقراطية في العالم باستثناء النرويج

 
“الفلسطينيون·· هل يكونون الهنود الحمر الجدد؟