”التنظيمات اليسارية في الجزيرة والخليج العربي” لـ عبدالنبي العكري
إضاءة لمناطق معتمة في ذاكرة الأجيال!!

بقلم: عبدالمنعم محـمد الشـيراوي*
جاء صدور هذا الكتاب ليقدم إضافة جديدة وليبرز الدور التاريخي والنضالي للتيارات والتنظيمات اليسارية في المنطقة والذي حاولت أطراف عدة ومتباينة طمسـه وتغييبه من وعي وإدراك جيل بأكمله· يأتي الكتاب في وقت يدلي خلاله الكثيرون بدلوهم في إعادة صياغة التاريخ الوطني في المنطقة إما من أجل تغييب الوعي الجماهيري لمساهمات هذه التيارات السياسية والتي ظلت ولعقود طويلة قابضة على الجمر رغم الظروف التي يفرضها العمل السري وشراسة الهجمة والتنكيل والبطش الذي تعرضت له سواء من المستعمر الأنجليزي أو السلطة السياسية للأنظمة الحاكمة في المنطقة، أو من أجل اصطناع تاريخ مزور حيث يسعى كل طرف الى إبراز دوره وطمس دور الأطراف الأخرى وعلى طريقة الفرق الناجية· فهناك منطقة معتمة في ذاكرة جيل بأكمله حول نضالات هذه التيارات ودورها وقدر مساهمتها في تشكيل الوعي الوطني والطبقي في المنطقة والتضحيات التي قدمتها كوادر هذه التيارات والتنظيمات خلال نضالاتها بنفس راضية من أجل حياة أفضل للسـواد الأعظم من جماهير دول المنطقة·
والحقيقة أن هناك عوامل كثيرة ساهمت في ذلك إلى جانب تلك المحاولات لطمس دور هذه التنظيمات وكوادرها، نذكر منها: طبيعة العمل السري وضياع أو مصادرة الكثير من أدبياتها وبياناتها و أرشيفاتها التي كان من الممكن أن تساعد الباحثين على رصد وتسجيل وتحليل أدبياتها ومواقفها و نضالاتها·
يأتي الباب الأول ليناقش الكاتب ظروف نشأة هذه التنظيمات والمتغيرات والمعطيات السياسية والاقتصادية التي ساهمت في تشكيل فكر وتوجهات وممارسات هذه التنظيمات و نضالاتها اليومية· ورغم أن رصد و قراءة وتحليل هذه المعطيات والمتغيرات لا يحتاج بالأساس إلى أدبيات ووثائق هذه التيارات و لا إلى تاريخ نضالاتها، خصوصا وأنه من المفروض أنها تعكس قراءة الكاتب وتحليله للمعطيات والظروف التي ساهمت في نشأتها أو أثرت في تشكيل توجهاتها، فقد تعامل الكاتب معها بشكل مقتضب وسريع ولم يوفها حقها لتكون مدخلا أساسيا يُمَكِّن القارئ من فهم واستيعاب ما تم عرضه في بقية الكتاب من وثائق وأدبيات ومواقف ونضالات هذه التنظيمات، وخصوصا في قضايا التحولات المفصلية التي عاشتها المنطقة· وكان الأولى أن يتم في هذا الفصل رصد الحركة الوطنية وإفرازاتها والتقسيم الطبقي للمجتمع فيما قبل النفط لكي تكون مدخلا لفهم واستيعاب التحولات والمعطيات التي ساهمت في بدايات تشكل الطبقة العاملة بمفهومها العلمي وبالتالي بدايات إرهاصات الفكر الماركسي اللينيني والإشتراكي في المنطقة، وكان ذلك حتما سيوفر للقارئ الأرضية لفهم واستيعاب نشأة هذه التيارات والتنظيمات، ويسهل عليه عملية قراءة وتحليل التحولات المفصلية التي شهدتها المنطقة·
ولقد عرض الكاتب في الباب الثاني نشأة و تطور فكر و تنظيمات ونضالات التنظيمات الشيوعية الكلاسيكية (الأحزاب الشيوعية الرسمية) في البحرين والمملكة العربية السعودية والكويت، كما قام برصد تطور أولوياتها ومواقفها النضالية·
والواقع أن الكاتب ضمن ما توفر له من وثائق قد قام بعرض مجمل تاريخ نشأة التنظيمات الشيوعية بدءا من جبهة التحرير الوطني البحرانية ورصد تطور أولوياتها ونضالاتها وكبواتها و ما تعرضت له من قوى الاستعمار والسلطات الحاكمة وبشكل محايد· لكنه ابتعد ولأسباب غير معروفة عن التصدي بالتحليل والنقد الموضوعي لكل ذلك بحيث لم نقرأ له وجهة نظر توضح رؤيته الخاصة ككاتب لكل ذلك كما فعل في الفصل الثالث عندما تصدى لرصد وتسجيل وتحليل التنظيمات اليسارية الأخرى·
لقد كان من المفروض وفي كتاب بني على أساس قراءة التاريخ والأحداث وليس عرضا وثائقيا أو تاريخيا أن يحمل الكاتب ويقدم وجهة نظره ورؤيته للرصد الذي قدمه خصوصا وأنه عايش جزءا غير قليل من نضالات هذه التنظيمات وصاحب كوادرها وتحاور معهم· لذلك فهو حتما يملك موقفا سياسيا من أدبياتها وأولوياتها ونضالاتها ومواقفها السياسية يسمح له بقراءة نقديه خاصة به·
عموما قد يكون مرجع ذلك إلى تلك الحساسية المفرطة للنقد التي هي إحدى سمات التنظيمات السياسية سواء في المنطقة أو الوطن العربي والتي تشتد عندما يصدر هذا النقد والقراءة من طرف محسوب على قوى أخرى، حيث مازالت حساسيات المرجعيات الأيديولوجية كامنة في نفوس الكثير من كوادرها، أو كونه خارج إطارها التنظيمي، مما لم يسمح له بتكوين فكره وقراءة واضحة لكثير من الأمور التي قد تخفى عليه و بالتالي تجعل من قراءته و تحليله غير متكامل أو أحادي النظرة وبالتالي تؤثر سلبا على تحليله لها فامتنع عن ذلك·
وأيا كان السبب فإن الكاتب قد أعطى هذه التنظيمات حقها ضمن ما كان متوافرا له من أدبيات ووثائق، وخصوصا وأنه لم يوفر الجهد بالاتصال بكوادر و فعاليات هذه التنظيمات راجيا فيها مراجعة بحثه هذا·
تناول الكاتب في الباب الثالث تنظيمات اليسار الجديد، والحقيقة أنني لا أتفق معه على هذه التسمية بسبب ترويجها بالأساس خلال عقد السبعينات من قبل أطراف وكوادر التنظيمات الشيوعية الكلاسيكية دلالة على ما اصطلحوا على تسميته بالماركسيين الجدد والفوضويين الجدد واليسار الطفولي الجديد·
عموما لا أرى شخصيا في الفكر الماركسي اللينيني ما يسمح بتصنيف المتبنين له كفكر ومرجعية إلى جديد و قديم إلا بقدر القدرة على استخدام قوانينه لفهم وتحليل الواقع والمعطيات بعيدا عن التأثر بقرارات ومصالح أي قوى فاعلة خارج الإطار الوطني للساحة التي يناضل وينشط فيها هذا التنظيم أو ذاك، أما إذا كان المقصود من ذلك هو تحول كوادر وتيارات وعناصر هذه التنظيمات من الفكر القومي إلى الالتزام بالفكر الماركسي اللينيني، فإن الكثير من كوادر بعض قيادات التنظيمات الشيوعية الكلاسيكية تمتلك أصول و تربية وتاريخ نضالاتها داخل التنظيمات القومية، بل إن بعضها تبنى الفكر الماركسي اللينيني ضمن ما يسمى باليسار الجديد قبل أن يتحول وينضم للتنظيمات الشيوعية الكلاسيكية·
وفي هذا الفصل تناول الكاتب نشأة هذه التنظيمات وظروف تبلورها ومسيرة تطورها بالعرض والنقد نظرا لتوافر الكثير من وثائقها وأدبياتها له، إلى جانب المعايشة اليومية خلال فترة طويلة لهذه التنظيمات من منطلق انتمائه لها ونضاله الطويل في صفوفها، وقد استطاع الكاتب أن يضع يده على الكثير من أسباب كبواتها و نجاحاتها وأن يمارس نقدا ذاتيا لنضالاتها وتوجهاتها وأولوياتها، إلا أن الكاتب - قد يكون بسبب عدم توافر الوثائق والأدبيات - مر مرورا سريعا على التحولات التي طرأت على جناح البعث والذي تحول فيما بعد وقبل التحامه مع الجبهة الشعبية الى تنظيم شرق الجزيرة·
عموما أعتقد أن ما تم إعداده من الكاتب في الفصل الثاني والثالث يعتبر مسـاهمة مهمة وضرورية لرصد وتحليل تاريخ ونضالات التيارات والتنظيمات اليسارية في الخليج والجزيرة العربية، إلا أن ذلك يظل بداية يجب أن يتبعـه عمل دؤوب إما من الكاتب والباحث الأخ المهندس عبدالنبي العكري أو باحثين آخرين، حيث إن كل تنظيم من هذه التنظيمات له تجربته النضالية وتجارب كوادره ومناضليه اليومية خلال عقود طويلة، لذا فكل تيار وتنظيم منها يحتاج إلى بحث أو بحوث عدة لكي نوفر صورة كاملة متكاملة تساهم في رصد وتدوين وتحليل مساهمة هذا التيار في مجرى و تاريخ النضال الوطني في المنطقة وما استطاع أن يساهم به ويحققه من مكاسب للطبقات المسحوقة والطبقة العاملة التي عانت الكثير وقدمت الضحايا سواء خلال النضال الوطني أو التنمية الاقتصادية التي شهدتها المنطقة رغم عدم تمتعه بنتائجها·
في الباب الرابع والأخير حاول الباحث أن يرصد التحولات الأساسية التي عايشها تيار التنظيمات اليسارية في المنطقة مشددا على أهم الأحداث المفصلية التي كان لها أثر بالغ في هذه التحولات، فمن حرب الخليج الثانية إلى انهيار المعسكر الاشتراكي إلى انهيار الاتحاد السوفييتي مرورا بالتحولات والمتغيرات السياسية على الساحة المحلية وانتهاء بسياسات البطش والتنكيل والتعذيب والتشريد والقتل، فقد عاشت هذه التيارات ظروفاً صعبة وواجهت متغيرات كثيرة ومرت بكبوات وتجاوزت أخرى لكن يبقى أن هذه المتغيرات والتحولات تحتاج إلى المزيد من التحليل والقراءة النقدية المتأنية لرصد مدى نجاح وفشل هذه التيارات في مواجهة هذه الظروف والمتغيرات والتحولات السياسية، وبالتالي استنباط مدى قدرتها على التصدي للتحديات المستقبلية، وأن تكون رقما فاعلا في الساحة السياسية، لذا نعتقد كذلك أن الباب الرابع يحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة سواء من الباحث أو غيره من الباحثين خصوصا الرفاق الذين عاشوا التجربة وبإمكانهم المساهمة بقدر وافر من العطاء والرصد والتحليل·
على العموم فإن الكتاب رغم كل ما قلناه يظل مساهمة مهمة وضرورية جاءت في فترة نحتاج فيها إلى مثل هذه الدراسات ليس فقط لإعادة صياغة تاريخ المنطقة من منظور مخالف لما دأبت عليه أجهزة الإعلام الرسمية والمتاجرين بالكلمة وإنما لرصد الدروس والاستفادة منها على مستوى المنظور القريب والبعيد·
تحية شـكر و تقـدير للأخ المهندس عبدالنبي العكري على هذه الدراسـة التي أرجو أن تكون بداية تشـجعه هـو والآخرون للمسـاهمة في هـذا الاتجاه·
· من البحرين
___________________________________________